; ظاهرة «غالي شكري» تأخذ بُعدًا مجنونًا! | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة «غالي شكري» تأخذ بُعدًا مجنونًا!

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

مشاهدات 64

نشر في العدد 1070

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

غالبت نفسي وأنا أمسك القلم لأكتب عن هذه الظاهرة الغريبة والعجيبة في حياتنا الفكرية والثقافية والمسماة «غالي شكري».. فقد آليت على نفسي منذ زمان أن أكف عن الكتابة في الصحف السيارة، وأفرغ لما هو أجدى أو أكثر جدوى في مجال البحث والكتابة بعد أن اكتشفت أن هيمنة الأقلية المستبدة على حياتنا الثقافية أصبحت حالة شاذة لا يجدي معها الحوار، ولا يليق بأهل الجد والعمل أن يضيعوا أوقاتهم في الصراخ داخل البرية حيث لا يسمع أحد ولا يصغي!

ولا أستطيع اليوم، وأنا أرى ظاهرة غالي شكري تأخذ بُعدًا مجنونًا ينال من دين الأمة وعلمائها، وبنيان الوطن وتماسكه، أن أضع قلمي أو أطوي ورقي مهما كانت قوة الحصانة التي يتمتع بها هذا الشخص أو جبروت الجهات التي تدعمه وتستخدمه وتدفع به إلى أتون الجريمة الفكرية والعار الثقافي.

مقولة إجرامية

وباختصار شديد، فإن «غالي شكري» يريد الآن أن يؤكد مقولة إجرامية ملخصها أن علماء الإسلام ودعاته يمثلون القناع الذي يخفي التطرف والإرهاب، وقد ألح على أن العلماء من أمثال: الشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد الغزالي، والدكتور محمد عمارة، والأستاذ فهمي هويدي، وحتى شيخ الأزهر الحالي، كلهم متطرفون، والوجه الآخر للإرهاب والعنف والقتل والتدمير والتخريب.. الاستثناء الوحيد الذي قدمه غالي في هذا السياق هو مفتي الديار المصرية الذي وصفته المصادر التقدمية -أي اليسارية- بالاستنارة. (راجع مثلا: مجلة القاهرة عددي يونيه ويوليه ۱۹۹۳م).

والمقولة الإجرامية «لغالي شكري» ليست وليدة اليوم ولا بنت اللحظة، ولكنها نتاج لتراكم كتابي صنعه على مدى ثلاثين عامًا أو يزيد، مذ كان زعيمًا لخلية شيوعية تسمى حزب العمال الشيوعي، ومرورًا بعمله في الصحف الشيوعية المصرية التي كان يصدرها الشيوعيون أو تصدرها الدولة، حتى ذهابه إلى لبنان وليبيا وباريس ثم عودته إلى القاهرة.. فقد كان في كتاباته مشغولاً بالفكرة التي صارت حقيقة سافرة الآن، وهي اقتلاع الإسلام.. فلا يكاد يخلو مقال من مقالاته، ولا كتاب من كتبه من الهمز واللمز والغمز للإسلام والمسلمين. ومن يراجع مثلاً مقالاته التي كتبها في مجلة «الوطن العربي» يجد أغلبيتها الساحقة تحمل على الإسلام والمسلمين بصورة أو بأخرى.. لماذا؟ الله أعلم.. ولكن السؤال الذي يثير الغرابة والعجب هو لماذا يشغل «غالي شكري» نفسه بالإسلام وهو غير مسلم؟ وإذا كان من غير اللائق وطنيًا وعقديًا أن يتخصص كاتب في التشهير بدين الأغلبية التي لا ينتمي إليها، فهل هناك حرج على الأغلبية أن تنبهه، بل تحاكمه إذا لزم الأمر، على ما تمثل كتاباته من خروج صريح على ما يسمى «الوحدة الوطنية» وفق القانون المعروف؟

سوف نفترض جدلاً أن «غالي شكري» الذي لا يؤمن بالإسلام تشغله وتهمه قضايا المسلمين وهمومهم من منطلق إنساني، فهل يقف هذا الاهتمام عند هجاء المسلمين ودينهم فقط، أم يقف هذا الاهتمام عند حد دعوة المسلمين لنبذ الإسلام واعتناق العلمانية وإنشاء المجتمع المدني (ليس ضد المجتمع العسكري بالطبع!) الذي ينفي الإسلام ويشيعه إلى مثواه الأخير؟

إن غالي شكري لا تعنيه المحن التي يعيشها المسلمون بحال، وإلا لكنا مثلاً قرأنا له ما يفيد وقوفه إلى جانب مسلمي البوسنة والهرسك الذين تبيدهم القوات الأرثوذكسية الصليبية الصربية، ثم ذهب بطارقة الكنيسة الأرثوذكسية لأداء صلاة النصر على المسلمين في صربيا بعد انعقاد مؤتمرهم إياه في إسطنبول؟! ولو كانت مشكلات المسلمين تعني «غالي شكري» لتحدث عن سرقة الحرية وإرادة الشعوب المسلمة وذبحها في الجزائر وتونس وطاجيكستان وأذربيجان والهند وكشمير وقبرص والفلبين وبورما.. بأيدي الصليبيين والهندوس وخدامهم من الشيوعيين التقدميين وأشباههم!

ولو كانت مشكلات المسلمين وهمومهم تعني «غالي شكري» وتؤرقه، لواجه التطرف الصليبي في مصر الذي يشعل نار الفتنة، ويسعى إلى تدمير الوطن من خلال الجمعيات والمنظمات التي ترى في مسلمي مصر غزاة محتلين جاءوا من الصحراء، ولا يحق لهم تطبيق الشريعة الإسلامية، ولا التعبير عن هويتهم الثقافية وشخصيتهم الحضارية. ولقال لأجهزة الإعلام التي لا ترى غير ما يسمى بالتطرف الإسلامي إن هناك تطرفًا صليبيًا أرثوذكسيًا غريبًا على المجتمع وعلى نصارى مصر، يعبر عن نفسه ببناء الكنائس دون ضرورة، ويستحضر روح «المعلم يعقوب» الذي خان مصر وأهلها وانضم إلى قوات الاحتلال الفرنسي وحارب المسلمين و«كرنك في الرويعي» حسب تعبير الشيخ عبدالرحمن الجبرتي.

ولو كانت مشكلات المسلمين وهمومهم تعني «غالي شكري» وتؤرقه، لطلب من نيافة «الأنبا شنودة» أن يعود إلى وظيفته الروحية الأصلية، وترك السلطة الزمنية التي جعلت منه «رئيسًا موازيًا»، يستقبله البيت الأبيض دون تأخير، في حين ينتظر بعض المسؤولين العرب أيامًا وليالي قبل أن يتفضل «سيد البيت» باستقبالهم وفتح الغرفة البيضاوية لهم. ثم طلب منه أن يخفف من معارضته لتطبيق الشريعة الإسلامية، وربطه تطبيقها بمعرفة هل الفن عند المسلمين حلال أم حرام؟ ولا شك أن «غالي شكري» يعلم أن ما يسمى بـ«الفتنة الطائفية» لم تأخذ طابعها الحاد إلا عندما تولى الأنبا شنودة قيادة الكنيسة الأرثوذكسية، ولم تكثر حوادث ضرب المسلمين وذبحهم وتجريد الحملات العسكرية ضدهم بالأمن المركزي وغيره (ديروط، منفلوط، القوصية، أسيوط.. إلخ) إلا في عهده (الزاهر!).

لو أن «غالي شكري» يهمه أمر الإسلام والمسلمين حقًا وصدقًا، لطالب بالحرية للأمة؛ تلك الحرية المسلوبة والمغتصبة منذ سطا الإنجليز على مصر حتى اليوم، ولعرف أن المصريين يعانون من الكبت والقمع بصورة غير مسبوقة، وما حرية الكلام أو النباح في صحف المعارضة إلا وسيلة رخيصة لاصطياد المعارضين للسلطة وحكمها الشمولي الظالم، وتصنيفهم في قوائم لاستخدامها عند اللزوم.

غالي يدافع عن حرية الكفر

صحيح أن «غالي شكري» يتحدث عن حرية الفكر أحيانًا، ولكنها للأسف «حرية الكفر» لا الفكر، والفارق بين الاثنتين كبير؛ فالأولى تعني أن تتعدد الآراء وأن يعبر أصحابها عن أنفسهم بوضوح وطلاقة، أما الثانية فهي تعني حرمان الأغلبية من التعبير عن نفسها وعن هويتها وعن شخصيتها، وإتاحة الفرصة للفكر الأحادي الذي يصادر الآخر ويقمعه.

لقد اتخذ «غالي شكري» من قضية أبو زيد (غير الهلالي) تكأة للحديث عن حرية الفكر، ورفع مقولة «التكفير في الجامعة»، وهو يعلم أن القضية خاسرة من عدة وجوه، لعل أهمها: أن قضية أبو زيد مفتعلة؛ فهو -أي أبو زيد- يفسر الإسلام تفسيرًا ماركسيًا -وليس علميًا كما يدعي- وأنه أخطأ في بدهيات منهجية لا يقترفها باحث مبتدئ. (راجع تقرير د. عبدالصبور شاهين وتقرير د. محمد بلتاجي حسن)، ثم إن أبو زيد (غير الهلالي) لا يجرؤ أن يفعل بالإنجيل أو بالنصوص النصرانية مثلما فعل بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وإلا قامت قيامة الكنيسة وزعيمها وأتباعها (تأمل مثلاً الحملة الضارية على الشيخ الشعراوي عندما تعرض لتفسير الآيات التي تتناول قصة المسيح عليه السلام في القرآن الكريم، واتهامه بالعدوان على النصرانية والنصارى!).

ثم إن «غالي شكري» يعلم أن أصدقاءه «التقدميين» في لجان الترقية العلمية الذين يسهر معهم وينتشي قد وقفوا ضد زملاء عديدين ومنعوا ترقيتهم في انتقام رخيص بسبب الخصومة الأيديولوجية، وأنهم مازالوا يتآمرون ضد من يخالفهم الفكر والتوجه، ولو كان أقدر منهم في مجال التخصص والبحث... وإذا كان هؤلاء الزملاء الضحايا لا يجدون من يصنع لهم ضجيجًا مثل ضجيج أبو زيد (غير الهلالي)، فذلك يرجع إلى سيطرة «التقدميين المستنيرين» (!) على الصحافة والإعلام، فضلاً عن تعفف الضحايا عن النزول إلى ساحة المهاترات التي لا تتفق مع جلال العلم وشموخه، وإن كان ذلك لا ينفي أن القصاص العادل سيأتي في يوم ما على الأرض أو من السماء!

كان حريًا بـ«غالي شكري» أن يقف مع هموم شعب مصر المسلم ومشكلاته، بدلاً من هجائه ومخاصمته دون ضرورة؛ فقد فتح له هذا الشعب خزائنه الإسلامية ليغرف منها أموالاً جمة؛ فهناك راتبه الكبير من جريدة الأهرام الذي يعد أحد كتابها الكبار، وهناك راتبه الكبير من مجلة القاهرة التي يرأس تحريرها ويشتم على صفحاتها علماء الإسلام، وهناك راتبه الكبير من أكاديمية الفنون حيث يعمل أستاذًا في معهد النقد، وهناك مكافأته الكبيرة التي يحصل عليها من التلفزيون والإذاعة والندوات والمؤتمرات، وكلها تفتح أبوابها له بسبب وبغير سبب، وتستضيفه ليتحدث عن الإرهاب الإسلامي والتطرف الإسلامي والظلامية الإسلامية والرياح السوداء التي يكنى بها عن الصحوة الإسلامية.. كل هذه الرواتب والمكافآت في جانب، يضاف إليها أموال المسلمين التي يسمونها أموال النفط ويحصل منها غالي شكري على النصيب الكبير، وبخاصة من مجلة الوطن العربي التي تتقلب -كما يقولون- بين النفط التقدمي والنفط الرجعي، وصحف الكويت وغيرها، مما صير الرجل مليونيرًا أو أكبر، وهو الذي كان في الزمن البعيد يرجو يوسف السباعي أن يدبر له سبل الحصول على بعض الجنيهات من أجل الأولاد. أرأيتم كيف يحارب غالي شكري الإسلام بأموال المسلمين؟!

إن حرية الفكر لا تعني أحادية الفكر الذي يروجه المستنيرون «التقدميون واليساريون والماركسيون سابقًا»، بل تعني أن تجد كل الفصائل على ساحة الوطن فرصتها العادلة في التعبير والنشر والحركة، ولكن الوضع السائد الآن هو حرية فصيل واحد يدعي لنفسه الاستنارة ويرمي غيره -أهل الإسلام- بكل النعوت الإجرامية بدءًا من الردة والرجعية إلى التخلف والظلامية، فضلاً عن تكفير الجماعات الإسلامية كلها بلا تفريق واتهامها بالخروج عن الملة والدين... فعل ذلك اليساري الشهير «أحمد بهاء الدين» -حتى صغار اليساريين في جريدة «الأهالي»- كلهم وصفوا المسلمين بالكفر وكفروهم.. فهل هذه حرية الفكر أم حرية التكفير- بل حرية الكفر؟

إن المستنيرين يزعمون أن علماء الإسلام ودعاته يكفرون الناس، ويستندون في ذلك إلى منشورات مشبوهة يقال إنها صادرة عن هذه الجماعة أو تلك، فهل يعد ذلك أساسًا علميًا مقبولاً لتوصم الحركة الإسلامية كلها بأنها تكفر التقدميين والمستنيرين الذين لا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون، ويسخرون من الثوابت والمحرمات؟ أليس من العدل أن تتاح الفرصة المتكافئة -انطلاقًا من حرية الفكر- كي تكون هنالك منابر ووسائل تعبير تطرح فيها الفصائل الإسلامية وغيرها ما يدور في أعماقها من أفكار وآراء، ثم نحاسبها بعد ذلك على هذه الآراء وتلك الأفكار؟ أم نعتمد على المجهول ونكفر المسلمين والحركة الإسلامية بصفة عامة؟

ثم كيف يفهم «غالي شكري» ويفرق بين طبيعة الإسلام وطبيعة الكفر؟ متى ارتدى العمامة الإسلامية وحصل على تصريح بالفتوى في الشؤون الإسلامية؟ إن الذي نعرفه أنه حصل على دبلوم زراعة لا يتيح لصاحبه حق الفتيا، ثم منحه «جاك بيرك» درجة الدكتوراه من المستوى الثالث (تساوي ماجستير) تقديرًا لخدماته المنظورة وغير المنظورة، في موضوع رديء يعتمد على التلفيق والفروض الخاطئة وينتهي إلى نتائج ملفقة وخاطئة، ويتصل بالتاريخ الحديث، ولا علاقة له بالفتيا أو الشريعة؛ فلماذا يضع غالي شكري نفسه في موضع ليس له ولا يتفق مع معتقداته أو تصوراته، ويصر على أن علماء الإسلام إرهابيون ويكفرون الناس؟

منهج تلفيقي

إن منهج «غالي شكري» في معظم كتاباته منهج تلفيقي يعتمد على مقدمات غالطة، وينتهي إلى نتائج غالطة، وهذا ما يفسر محاولاته الشرسة لخدمة تعصبه وتطرفه ضد الإسلام والمسلمين. وكان الأولى به في كل الأحوال أن ينصرف إلى هموم طائفته «الأرثوذكسية» ومشكلاتها؛ فهناك بالفعل ما يحتاج إلى الاهتمام والمراجعة بدلاً من الاعتداء على مشاعر الأغلبية ومقدساتها. صحيح أن السلطة ربما ألمحت أو طلبت منه ومن رفاقه القيام بهذا الدور القبيح الذي يستهدف اقتلاع الإسلام، أو تحويل الإسلام إلى مجرد بروتوكول يقوم به بعض الأشخاص عند الزواج وعند الوفاة، ولكن توجد لـ«غالي شكري» مندوحة يستطيع استخدامها للتنصل من المشاركة، وهي أنه غير مسلم! ويبدو أن هذا الطلب صادف هوى من نفسه «فتمكنا».

ومهما يكن من أمر، فإن مصر المسلمة لن تهون وستظل مسلمة: دينًا للمسلمين وثقافة لغيرهم.. حتى لو بعث المعلم يعقوب حيًا.. «ومصر المسلمة ليست للبيع.. والقدس أيضًا ليست للبيع».

واسلمي يا مصر!

بقلم: الدكتور حلمي محمد القاعود

أستاذ النقد الأدبي بجامعات مصر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل