العنوان واجب المسلمين تجاه الجهاد في أفغانستان
الكاتب محمد عتيقي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-ديسمبر-1984
مشاهدات 58
نشر في العدد 697
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 25-ديسمبر-1984
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (سورة الحجرات: ١٥).
يدخل الجهاد المسلح في أفغانستان المسلمة أمام أشد أعداء الإسلام عامه السادس والشعب الأفغاني المجاهد يقاوم دببة الروس بطائراتها النفاثة وأسلحتها الفتاكة تحت وابل من القنابل والصواريخ بكل شجاعة وبسالة، جهادًا في سبيل الله ولإعلاء كلمته.
ومن المؤسف أن المسلمين في معظم أرجاء العالم يخلدون في نومهم العميق ظانين المصيبة بعيدة عنهم وهي تضرب على رؤوسهم وتأكل من أجسادهم شيئًا فشيئًا، فالإسلام كجسد واحد والمسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله، والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعتقد أن إهمال وعدم اكتراث المسلمين بقضية الجهاد في أفغانستان سببه الجهل بأحكام الدين، فالمسلم المخلص لدينه وعقيدته لا يسعه أن يجهل أصلًا هامًا من أصول الإسلام وما يتعلق بفريضة الجهاد من الأحكام ألا يخاف من عذاب الله وينتبه إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (*) إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة التوبة: 38-39).
- رأي الفقهاء في فريضة الجهاد:
ولقد عبر أكثر الفقهاء والمحدثين عن الجهاد بلفظ: «سير» لشدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم به ولأن الجهاد متلق من سيره صلى الله عليه وسلم.
والفقهاء اتفقوا على أن الجهاد يصبح فرض عين «إذا هجم العدو بلاد الإسلام وإنما يكون فرض كفاية إذا كان الكفار في بلادهم وحصل المقصود بالبعض، فمن كان بحذاء العدو ولم يمكنهم مدافعته يفترض عينًا على من يليهم أن ينفروا إليهم وأن يمدوهم بالسلاح والكراع والمال. وإليكم ما قاله فقهاء المذاهب نصًا:
يقول الفقيه الحنفي ابن عابدين: إن هجم العدو يخرج الكل.. وهذه الحالة تسمى النفير العام فيحتاج إلى جميع المسلمين من ذكر وأنثى وعبد ومديون وغيرهم»۲۱۷/۳ .
وذكر صاحب جواهر الإكليل الفقيه المالكي: «وتعين أي صار الجهاد فرض عين بهجوم العدو وإن على امرأة ٢٥٢/١» وصرح الفقيه الشافعي محمد الشربيني: «إذا كان الكفار ببلادهم ففرض كفاية، وإذا دخلوا بلدة أو نزلوا على جزائر أو جبل في دار الإسلام ولو بعيدًا عن البلد يكون الجهاد حينئذ فرض عين، فوجب الدفع للكفار بحسب القدرة حتى على فقير وولد ومدين وعبد وامرأة؛ لأن دخولهم دار الإسلام خطب عظيم لا سبيل إلى إهماله فلا بد من الجد في دفعه بما يمكن» ٢١٩/٤ .
وجاء في المفتي من كتب الحنابلة: «الجهاد فرض كفاية إن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم، وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، ويصير فرضًا في ثلاثة مواضع: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، وإذا نزل الكفار ببلد، وإذا استنفر الإمام قومًا» ٣٤٦/٨، وذكر الفقهاء لو أن امرأة أسرت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر.
فأمام هذه النصوص القاطعة، والأحكام الشرعية الواضحة لا يبقى للمسلم أي عذر أن يتخلف عن العمل الجهادي، والمشاركة مع إخوانه المجاهدين الأفغان.
- أنواع المشاركة:
وقد ذكر الفقهاء كذلك أنواع المشاركة في العمل الجهادي حينما عرفوا الجهاد وقالوا: «الجهاد بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد أو غير ذلك، كمداواة الجرحى وتهيئة المطاعم والمشارب».
ولا شك أن الجهاد بالنفس والقتال في سبيل الله مباشرة من أفضل أنواع الجهاد، لقوله صلى الله عليه وسلم:
«لغزوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها»؛ ولأن بالجهاد المباشر يحصل المجاهد درجة الاستشهاد وهي من أرقى الدرجات كرامة عند الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة». متفق عليه.
يقول الإمام أحمد: «ليس يعدل لقاء العدو شيء، ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم، فأي عمل أفضل منه» هذا، ولقد ضرب المجاهدون الأفغان في هذا المجال أروع الأمثلة في التضحية والفداء فقدموا ما يقارب من مليون ونصف مليون شهيد.
- انتصار المجاهدين انتصار الإسلام:
إن الجهاد الإسلامي في أفغانستان ليس جهادًا لشعب ضد شعب، ولا تقتصر نتائجه وأمجاده على الشعب الأفغاني، بل هو جهاد الأمة الإسلامية جمعاء ضد الكفرة الأشداء، ولإعلاء كلمة الله وإقامة شعائره سبحانه وتعالى، فإذا انتصر المجاهدون في جبال أفغانستان المسلمة انتصر الإسلام، وإذا هزموا- لا سمح الله- هناك فلن تثبت أقدامهم على السهول الواسعة والرمال الدافئة بعدها.
فلا بُدَّ من وقفة قوية، وقفة رجل واحد من العالم الإسلامي أفرادًا وشعوبًا أمام هذا العدو الغاشم الذي يستعمل كل وسائل الشر لمحاربة الإسلام والاستيلاء على الشعوب ونهب ثرواتها، وقفة قوية من المسلمين بحشد جميع طاقاتهم على مختلف الأصعدة.
- الجهاد بالنفس:
أما على الصعيد الحربي والجهاد المباشر فقد أثبت المجاهدون الأفغان كفاءتهم وصمودهم وشجاعتهم أمام العدو وأثبتوا أن أحدث الأسلحة والأجهزة تفشل أمام إرادة الشعوب المسلمة وإيمانها، وسلاح العقيدة المزودة بحب الاستشهاد في سبيل الله أقوى من الدبابات المدرعة والطائرات النفاثة التي اخترعته القوى المادية بإذن الله فلا يحتاجون إلى مشاركة مباشرة لرجال يقاتلون بجنبهم، لأنهم متأكدون من شجاعة أبنائهم وجبن أعدائهم، ومصممون على مواصلة الجهاد حتى النصر بإذن الله.
- ضرورة الدعم المالي:
وأما الجهاد بالمال فقد ذكر قبل الجهاد بالنفس في كثير من الآيات القرآنية منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (*) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(سورة الصف: 10-11)، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى الجهاد بالأموال بعد الإيمان مباشرة وعلق عليه النجاة من النار ومغفرة الذنوب ودخول الجنة وسماه الفوز العظيم، ثم وعد المجاهدين بما يحبونه من النصر والفتح القريب.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيًا فقد غزا».
ولقد من الله على المسلمين بإعطائهم خير البلاد في المعمورة وأنعم عليهم بخيرات حسان من أنهار الذهب الأسود وكنوز الأرض التي لا توجد مجتمعة عند غيرهم، فلو قطعوا وخصصوا العشر العشير والجزء اليسير من هذه الأموال الهائلة في البلاد الإسلامية لتدعيم الجهاد وإكمال ما يحتاج إليه المجاهدون من الأسلحة والعتاد لن تقدر القوات الغازية البقاء على أرض أفغانستان المسلمة لشهر واحد.
ومما يتعلق بالجهاد الاقتصادي قطع العلاقات التجارية أو على الأقل تجميد هذه العلاقات لمدة معينة مع الاتحاد السوفيتي والبلاد الشيوعية أعداء الإسلام، وعدم السماح للبواخر الروسية من الرسو في الموانئ الإسلامية وعدم تزويدها بالطعام والوقود وكذلك إغلاق الأجواء في وجه الملاحة الروسية ليشعروا بالضغط المادي والاقتصادي ويفيقوا عن جنونهم بوضع حد للاعتداء على حرية الإنسان وحقوقه الطبيعية والاستيلاء على ممتلكاته وثرواته بالقوة ودون حساب.
- تكثير السواد والرأي:
وأما على الصعيد السياسي وهو ما عبر عنه الفقهاء بتكثير السواد والرأي فعلى المسلمين أولًا وقبل كل شيء قطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي وطرد جميع الدبلوماسيين الشيوعيين من البلاد الإسلامية، لأن دوام هذه العلاقات مع العدو المحارب الذي اغتصب جزءًا هامًا من البلد الإسلامي يعتبر تأييدًا للعدوان وترحيبًا للظلم والطغيان، ومن جهة أخرى الاعتراف بالاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الأفغاني المسلم، وافتتاح مكاتب رسمية في كل بلد إسلامي تمثل هذا الاتجاه وتدافع عن مصالحه.
إن من المؤسف أن يقف بعض المسلمين موقف الحياد في قضية أفغانستان، وأكثر من ذلك فإن بعضهم يتعاطف مع هذا العدو الماكر الذي لا يعرف الصداقة والإخلاص حتى لعملائه وحلفائه.
ألا يعتبر هؤلاء وغيرهم بما حدث لحلفاء الروس الأوفياء في أفغانستان؟ داوود تراقي وحفيظ الله، كيف قتلوا على أيدي أسيادهم بعدما تمكنوا عن طريقهم من السيطرة على البلاد فيمراحل مختلفة.
- واجب الكتاب والعلماء:
أما على الصعيد الإعلامي وهو الجهاد باللسان والقلم فواجب المسلمين أن يكون الحديث عن الجهاد في أفغانستان على لسان خطباء المساجد وعلى رؤوس أقلام الكتاب والعلماء في العالم الإسلامي وباللغات المختلفة، وعلى المستوى الدولي يجب على المسلمين إحداث إذاعات قوية باللغات الحية، وتخصيص برامج معينة لبث الأخبار عن الجهاد وتحريض مسلمي العالم على المشاركة العملية فيه حسب قدراتهم وطاقاتهم المتوفرة لديهم، ولإعلام المسلمين حتى في داخل الجمهوريات الإسلامية المحتلةوراء الستار الحديدي بما يحدث في أفغانستان المسلمة لكي يقفوا في وجه المستعمرين الروس في الداخل.
ومن المؤسف أن الإعلام العربي لم يعط قضية المجاهدين الأفغان حقها، ولا نجد في الصحف اليومية شيئًا عن عظمة الجهاد وانتصارات المجاهدين الأبطال خبرًا، ولا عن همجية العدو الشرس ووابل قنابلهم الفتاكة أثرًا، فهل يريد البعض أن يشترك الإعلام العربي في التعتيم على القضية الأفغانية؟
وإذا كان من واجب الدول الإسلامية تخصيص برامج يومية في الإذاعة والتلفاز لتغطية أحداث الجهاد في أفغانستان المسلمة إعلاميًا فهذا لا يعني براءة وعدم مسؤولية الأفراد والعناصر المخلصة المؤمنة تجاه هذه الفريضة أي المشاركة مع إخوانهم المجاهدين بالقلم واللسان والجهاد الإعلامي، ليعرف العالم ما ارتكبته وترتكبه الشيوعية البغيضة من الفساد، وما يصنعه المجاهدون الأبطال من الأمجاد.