; كتاب في مقال: سيّد قطب الشهيد الحّي | مجلة المجتمع

العنوان كتاب في مقال: سيّد قطب الشهيد الحّي

الكاتب د. صلاح عبدالفتاح الخالدى

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1983

مشاهدات 51

نشر في العدد 604

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 18-يناير-1983

رسالة ماجستير:

هذا الكتاب هو الجزء الأول من رسالة الماجستير «سيد قطب والتصوير الفني في القرآن». وقد أصدره الكاتب بعنوان: «سيد قطب الشهيد الحي» وكان موفقًا أي توفيق في هذا العنوان، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ومقام الشهادة في الإسلام هو مقام الأنبياء والصديقين، والذي يقرأ هذا الكتاب بصفحاته الستين بعد المائتين يخرج بصورة واضحة المعالم عن سيد. وليس هذا بغريب على باحث جاد تخصص بدراسة سيد: حياته وآثاره وألوان عبقرياته، وكتب عنه بأسلوب الباحث الأديب بعيدًا عن الجلجة اللفظية، والإنشائية الخطابية التي ابتُلي بها بعض كُتابنا من الذين اعتادوا اعتلاء المنابر، وجميل جدًّا أن يتخصص دارس بعبقري من العباقرة في هذا الزمان، كفعل مؤلف هذا الكتاب، فقد أكب مُنقبًا عن كل ما يتصل بسيد بسبب، يحتفي بالخبر، ويفد السير وراء الأثر، وما أغزر آثار سيد، وما أشد تبعثرها في الصحف المصرية منذ الثلاثينات وحتى صعود روحه إلى الرفيق الأعلى.. مما جعل أحد الباحثين يأس لسيد، الناقد العملاق الذي قادته حركة الإخوان المسلمين إلى السجن فحبل المشنقة، فالجنة، وفقد النقد العربي بفقده «ناقدًا حذقًا بزَّ أقرانه وأساتذته» أو كما قال الكاتب في كتاب «الأدب العربي في آثار الدارسين».

الإجحاف... لماذا؟

ومن المخزي حقًا أن أزعم: أن الحركة الإسلامية المعاصرة تظلم رجالاتها، أحياء وأمواتًا وشهداء، إذ لا نكاد نقرأ إلا النذر اليسير من الكتابات عن رجال الدعوة العظام في هذا القرن.. فيما نرى عشرات الكتب ومئاتها تؤلف حول رجال الأحزاب الأخرى.. وهؤلاء عندما يكتبون عن رجالهم وعن أحزابهم وعن الحركات الوطنية والانتفاضات الشعبية، لا يتطرقون إلى حركتنا الإسلامية ورجالنا اللذين استشهدوا في سبيل مبادئهم، وحين يتطرقون، يظلمون.. ونحن لا نعتب كثيرًا على هؤلاء الكتاب إلا لادعائهم الموضوعية فيما يكتبون، والموضوعية منهم براء.. بل إنه لمن المنطقي جدًّا -في عالمنا المتخلف- أن يتجاهل أعداء الله، أعداء هذه الدعوة، الرجال الأفذاذ اللذين قاموا لحمل أعباء أوطانهم وشعوبهم، وهي أعباء جسيمة، وأن حملها لينوه به الرجال... 

ومن هنا كان حزني وألمي على الإجحاف الذي لحق بالشهداء: البنا وسيد وعودة وفرغلي وطلعت والطيب وهواش وإسماعيل ومروان وإبراهيم وعبد الله وعدنان وعبد الستار والسنانيري والهضيبي والسباعي، وسواهم من الرجال الذي ناضلوا ضد التخلف والطغيان، ولم يبخلوا بأموالهم وأوقاتهم ودمائهم، بل قدموها رخيصة، واقتدوا بها أوطانهم وشعوبهم ودينهم، وهذا من مبادئهم. وما أسماها من مبادئ..

ومن هنا -أيضًا- كانت دعوتي ومناشدتي للشاعرة الكبيرة نازك الملائكة أن تقوم بكتابة ملحمة أو ملاحم شعرية تخلد فيها هؤلاء الأبطال الخالدين، وتخلد هي بهم.

جهد كبير:

إن هذا الكتاب هو جهد كبير، قدمه المؤلف في تواضع جَم، وإنه خير كتاب صدر عن سيد حتى الآن، فهو يترجم له ترجمة دقيقة، يبرز فيها شخصية سيد الأديب، وسيد السياسي المُحنك، وسيد الداعية الحكيم.. وهذه الإيجابيات تثلج صدور المؤمنين والعقلاء من جهة، ولكنها تؤلم من جهة أخرى، إذا قارنا حياة سيد بحياة من نعايشهم اليوم من العاملين في الحقل الإسلامي، اللهم إلا إذا كانت حياته هذه مهمازًا يدفع هؤلاء إلى التأسي به. فيكونوا مثله أو قريبًا منه، وعيًا وإخلاصًا وحركةً وزهادةً في هذا الحطام الذي مزق الصفوف، بعد أن مزق النفوس..

والفضل ما شهدت به الأعداء:

ولكن.. ليت الكاتب المؤلف رجع إلى كتابي «الأدب العربي في آثار الدارسين» المجموعة من الكتاب، ليستشهد برأي المخالفين لسيد، والفضل ما شهدت به الأعداء أو المخالفون في الرأي. ليرى أي مكان يحتله سيد في عالم النقد. 

وليته رجع إلى كتاب «الإخوان المسلمون.. رؤية من الداخل» للأستاذ محمود عبد الحليم؛ لأنه يلقي بعض الأضواء على شخصيته في جاهليته وإسلامه..

ولكن الكاتب -تلميذ سيد- ما كان ليحصي على أستاذه العملاق مثالبه وسلبياته.. وحق له هذا، لولا إنه يدور في دائرة الباحث العلمي «الأكاديمي».. تلك الدائرة التي تتطلب من السائرين في فلكها ذِكر كل شيء كل شيء.. وما أظن سلبيات الرجل تترك أثرًا سلبيًا في نفس القارئ... ولعله في جمعه لآثاره كلها.. كلها.. وبلا استثناء، يقدم لنا عبر دراساته لما يجمع من ألوان المادة الفكرية والنفسية ما يجعل الناس يقفون على لون العظمة لدى سيد.

مفتاحان - جمالي وحركي:

والمؤلف سار بمنهجية وهو يعبر بالإعجاز القرآني في رحلته الطويلة منذ الجاحظ ومن تلاه إلى أن انتهى به المطاف إلى الدارسين في العصر الحديث مستفيدًا من اطلاعه الواسع على الكتابات القرآنية، الأمر الذي أثرى موضوعه أيما إثراء، ودل على الجهود العقلية والعضلية المضنية التي بذلها في هذا السبيل.

لقد اكتشف المؤلف مفتاحين لدراسة سيد لهذا القرآن الجليل.. أولهما: المفتاح الفني الجمالي المتمثل في نظرية التصوير الفني الذي برز في كتابه التصوير الفني في القرآن. وثانيهما: المفتاح الحركي الذي برز في كتابه الجليل «في ظلال القرآن». ولئن أخرج كتابه الأول من حياة سيد. إننا ننتظر صدور كتابه الثاني: عن المفتاح الجمالي. وإنه وعد أن يتابع المسير في إصدار كتاب ثالث عن المفتاح الثاني.. وإنا لمنتظرون..

إن الجمهرة الكبيرة من تلاميذ سيد والمعجبين به وجند الدعوة يتطلعون إلى الكتابين: الثاني والثالث الذي يتناول الجوانب الحركية التي وعاها سيد وهو يعيش «في ظلال لقرآن».. 

وأخيرًا... 

لا يسعني إلا أن أشد على يد المؤلف، مباركًا وطالبًا منه أن يفي بما وعد وننتظر، فتفرغه لدراسة سيد، وتخصصه بعالمه الوسيع كفيلان بهدايته إلى جوانب أخرى لا تقل ثراء وروعة من هذه الجوانب التي وعاها فكتب بها.. خاصة وأن الأستاذ المشرف هو الدكتور أحمد فرحات، التلميذ النجيب لسيد، والمعجب به منذ يفاعته... ولعل جهود الرجلين: الأستاذ والتلميذ. تقضي من نفوسنا حاجة، أي حاجة.. وتخدم الدعوة الإسلامية من خلال الحديث عن عبقري من رجالها.. وعندئذ.. نستطيع أن نطمئن إلى مسيرة الدعوة، وأن أبناءها البررة آلوا على أنفسهم أن يرفعوا الظلم الذي حاق برجالها.. وإننا منتظرون.

الإصلاح والقانون

يُصِر بعض الناس على القول بضرورة الإفادة مما ابتدعه الغرب من قوانين.. ويعتقد هؤلاء أن كل الحضارة الغربية ستنتقل إلينا إذا عرفنا كيف نطبق قوانين الغرب. ويضيفون إلى ذلك أن إصلاح المجتمع بات ميؤوسًا منه ما دامت أمتنا تعيش في الشكل المحافظ الحذر من الإفادة مما عند الغرب. ويطنب هؤلاء في القول حول هذه النقطة.. نقطة إصلاح المجتمع وإصلاح الناس، متجاهلين الإسلام ووسائل إصلاحه.

ولهؤلاء نقول:

يرى الإسلام أن إصلاح الناس إصلاحًا شاملًا إنما يكون باتباع هدى العقل ونبذ تسولات الجهل؛ لأن العقل لا يميز الخير للناس عن الشر فقط؛ بل يدفع الفرد إلى العمل بالخير ونبذ الشر. 

أما سَن القوانين المدعمة بالعقوبات والتنظيمات، فهو أمر لا يؤثر في إصلاح الناس أبدًا؛ لأن المجتمع الذي يتبع الهوى.. لا يمكن أن يسن قانونًا إلا متأثرًا بهواه، وهو لا يطبقه إلا كذلك. 

ومن هنا فإن أي قانون مستورد لا بد وأن يكون قد مازجه هوى مجتمعه الذي وضع فيه، وبالتالي فهو قاصر وممزوج بالخطأ أولًا. وهو لا يصلح لمجتمع آخر بحال من الأحوال ثانيًا بسبب خصوصية الهوى الموجودة فيه.

على أن الإنسان إذا نجح في فرض شكليات القوانين في مجتمع ما.. فهل يستطيع أن ينجح بهذه القوانين في صقل الفطرة وتطهير القلب وتسكين النفس من الاضطراب وما يتعلق بذلك من حواس وأوضاع نفسية في الجنس البشري. الجواب لا.

والإسلام وحده هو الذي يستطيع التغلغل إلى القلب. أما القوانين فلا.. ومهما نجحت فلن تنجح إلا في صنع بعض القشور؛ حيث لا يمكن الأمر ما أن يصل إلى القلب سوى العقيدة.

الرابط المختصر :