العنوان تضخيم ممتلكات الإخوان.. أحدث وسائل الحرب عليهم!
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008
مشاهدات 56
نشر في العدد 1797
نشر في الصفحة 34
السبت 12-أبريل-2008
تفاصيل مثيرة في أغرب قضية دبرها الأمن للإخوان المسلمين (9)
تجربة ذاتية يرويها: أحمد عز الدين
لجأت النيابة إلى لجنة غير مختصة لإعداد تقرير مالي عن الشركات المتحفظ عليها فقدرت قيمتها بحوالي 20 ضعف قيمتها الحقيقية
رغم كل الزيف.. اعترف أعضاء اللجنة أن الشركات لم تمول أي نشاط إخواني أو طلابي ولم تتلق أموالًا من الداخل ولا الخارج
اللجنة خالفت الأعراف والتقاليد التجارية ولم تناقش أصحاب الشركات أو أي مسؤول فيها واعتمدت على أوراق غير موثقة
تميزت قضيتنا –التي يحاكم فيها أربعون من رجال الأعمال وأساتذة الجامعات والمهنيين أمام محكمة عسكرية في مصر – بإقحام تهمة غسل الأموال، وتوجيه تلك التهمة لتسعة وعشرين من المدعى عليهم (مجموعهم أربعون). ومثلما اتسمت مختلف إجراءات القضية بالبطلان والتهافت وغياب الدليل، فقد جاء توجيه اتهام غسل الأموال مخالفًا للقانون.
والمعروف أن جريمة غسل الأموال هي جريمة تالية مترتبة على جريمة سابقة؛ إذ يتم مثلًا الاتجار بالمخدرات، أو تقاضي رشوة، أو تزييف عملات، أو تهريب، وبعدها يتم غسل هذه الأموال المتحصلة من الجريمة الأولى بضمها في تجارة مشروعة يديرها أشخاص آخرون لا يمارسون العمل المجرم السالف ذكره. وفي حالة قضيتنا –المستمرة منذ 14/12/2006م، ولم يتم الحكم فيها حتى اليوم –ليست هناك جريمة سابقة ولا أموال متحصلة من جريمة معينة، وقد خلت محاضر التحريات التي قدمتها مباحث أمن الدولة من أي دليل، أو وقائع مالية، أو مستندات، أو إخطارات من مؤسسات مالية أو اتهام من وحدة مكافحة غسل الأموال بالبنك المركزي التي خولها القانون متابعة هذا النشاط، وجميع الشركات تمارس نشاطًا علنيًّا وبعضه موروث من الآباء قبل صدور قانون غسل الأموال بسنوات طويلة، وبعض المدعى عليهم لا يملك سوى راتبه الوظيفي، وبعضهم يسهم في شركات، لكن لا يديرها ولا يتدخل في عملها، وهناك شركات لا تخص أحدًا من المدعى عليهم!!
لكن –كما هو حال أمور كثيرة في زماننا – سارت القضية بطريقة مقلوبة، فقد وجهت نيابة أمن الدولة التهمة دون دليل، وقبل الاطلاع على أي أحراز مالية، ثم استدعت لجنة غير مختصة من إدارة الكسب غير المشروع بوزارة العدل (وهي إدارة تتعامل مع موظفي الدولة وليس مع الشركات الخاصة)، وتجاهلت اللجوء إلى اللجنة المختصة بالبنك المركزي المصري وطلبت منها «فحص الأوراق والمستندات المالية والتجارية، وذلك لبيان صاحب الحق فيها ومصادر رؤوس الأموال الحقيقية المكونة لها، وعما إذا كان هناك تلاعب في قيمتها من عدمه، وتحديد ما إذا كان رأس المال يكفي لإنشاء وإدارة تلك المؤسسات، أو هناك تبرعات مالية، أو مساهمات خارجية من عدمه، وبيان أوجه الصرف وإنفاق أموال تلك المؤسسات والشركات، وعما إذا كانت تحقق أرباحًا أم خسائر مالية»، ويتضح من نص القرار أن نيابة أمن الدولة تضرب خبط عشواء على أمل العثور على أي دليل يساند الاتهام الذي وجهته. وقد لجأت إلى نفس الأسلوب الذي تنتهجه مباحث أمن الدولة بالقبض على الأشخاص دون دليل، ثم محاولة اصطناع الدليل، أو البحث عن دليل الاتهام ضمن الأوراق التي تتم مصادرتها.
والأنكى من ذلك أن نيابة أمن الدولة وبعدها النيابة العسكرية، ثم المحكمة العسكرية لم تمكن المدعى عليهم، أو دفاعهم من فتح شركاتهم لاستخراج الأوراق والمستندات التي تمكنهم من الرد على أي اتهام.
وفي 28 من يناير 2007م أي بعد ستة أسابيع من بدء حملة الاعتقالات أصدر النائب العام قرارًا بالتحفظ على أموال المدعى عليهم وزوجاتهم وأولادهم القصر، بل شمل القرار بعض الأبناء البالغين بالمخالفة للقانون، رغم أن هناك فارقًا بين أموال الشخص الطبيعي وأموال الشركات التي هي أشخاص اعتبارية، كما أن الزوجات لهن ذمم مالية مستقلة، وهؤلاء الأشخاص يقدمون إقرارات الذمة المالية المتضمنة للثروات التي يمتلكونها، ولم يسبق اتهام أحدهم بالكسب غير المشروع، كما أن الشركات تدفع ما عليها من ضرائب.
والغريب أن يتم توجيه تهمة غسل الأموال لنفس الأشخاص المتهمين بالإرهاب، وهو ما لا يمكن تصوره؛ لأن المتهم بالإرهاب لا يقوم بغسل الأموال المتحصلة من الإرهاب، وإنما يعطي هذه الأموال الآخرين ليغسلوها بإدخالها في أنشطة مشروعة.
ورغم وضوح نص المهمة الذي أوردناه سالفًا: فإن اللجنة المالية الثلاثية المكلفة بفحص ملفات الشركات تجاوزت إطار مهمتها فلجأت إلى عدد من الإدارات الحكومية لطلب مستندات في محاولة لاهثة لإيجاد أي دليل للإدانة.
وفي المقابل فهي لم تسع إلى مناقشة المدعى عليهم فيما نسب إليهم من اتهامات، كما لم تقم بفتح الشركات ولا مناقشة المدراء الماليين، أو القانونيين لهذه الشركات، ولا التعرف على نشاط الشركات من خلال الاتصال بالموردين والعملاء المتعاملين معها لمعرفة طبيعة النشاط ونسبة الربح، ومعدل دوران رأس المال، ونوع التسهيلات المقدمة وحجم الديون على تلك الشركات... إلخ. وقد قدمت اللجنة تقريرًا مطولًا للمحكمة العسكرية تضمن تقديرات مبالغًا فيها عن حجم هذه الشركات ورأس مالها، وقد عمدت اللجنة إلى تكليف عدد من اللجان الفنية بتقييم أصول الشركات –وهو ما لم يتضمنه قرار التكليف بالمهمة –وكان من الواضح أن اللجنة المالية تنفذ التعليمات الموجهة إليها بتضخيم ثروات المدعى عليهم، حتى إنها قدرتها بأكثر من 448 مليون جنيه، بينما القيمة الحقيقية لا تتجاوز 24 مليون جنيه في أحسن الأحوال، وعلى سبيل المثال فقد قدرت اللجنة قيمة أحد المشاريع الذي لا يخص أحدًا من المدعى عليهم أصلًا، وجرى إقحامه في القضية بـ 65 مليون جنيه، وهو في حقيقته لا يساوي أكثر من مليوني جنيه. إن أحدث وسائل الحرب على الإخوان هو تضخيم ممتلكاتهم بشكل مبالغ فيه جدًّا، حتى إن بعض وسائل الإعلام ادعت أنها تقدر بعشرات المليارات من الدولارات!
ولأن أعضاء اللجنة يعلمون جيدًا ضعف موقفهم، فقد عمدوا عند مناقشتهم أمام المحكمة إلى اللف والدوران ونادرًا ما كانوا يجيبون على أي سؤال إجابة مباشرة حتى لو كان المطلوب: نعم أو لا، حتى أرهقوا المحكمة والمحامين لكن مثابرة المحامين انتزعت منهم اعترافات بأنه:
- لا توجد مصادر تمويلية غير مشروعة لأي من الشركات.
- لم يثبت تمويل أي نشاط إخواني أو طلابي.
- لم يثبت تلقي أي شركة أموالًا من الداخل أو الخارج.
- أنها شركات ناجحة تحقق أرباحًا وتدفع الضرائب.
- لا توجد أي مستندات تفيد إنفاق هذه الشركات لأي مبالغ موجهة للمجال الخيري أو الجمعيات الخيرية، أو تبرعات لدور الأيتام.
- كما لم يثبت أن أيًّا من هذه الشركات استأجرت شققًا مفروشة تستعمل كسكن للطلاب.
وقد يستغرب القارئ البندين الأخيرين، فعمل الخير يحسب لهذه الشركات لا عليها، ولكن في حالتنا؛ فإن الشركات تواجه اتهامات يمكن في حال ثبوتها أن يترتب على ذلك مصادرة رأس المال، أو جزء منه، أو توقيع
غرامات فادحة.
أيقنت المحكمة العسكرية أن التقرير المالي لا يمكن أن يعول عليه، وأنه خلط كثيرًا من الأوراق بعضها ببعض، بحيث أصبح من الصعب على المحكمة ذاتها تبين أي وجه للحقيقة، سوى ما انكشف من تحيز اللجنة ضد المدعى عليهم ومخالفتها للأعراف والتقاليد التجارية والمحاسبية، فقررت المحكمة في 16/10/2007م ندب الخبراء أنفسهم لإعداد تقرير جديد يحدد «الشركات التي يشوبها مظاهر تلاعب عن غيرها، مع تحديد حصة ونصيب كل منهم وزوجته وأولاده القصر كل على حدة في كل شركة من الشركات التي يسهم فيها واقعيًّا، وإجمالي ذلك في حالة مشاركته في أكثر من شركة، على أن تشمل أموال كل منهم المبالغ النقدية المضبوطة بالشركات أو محال الإقامات حتى نهاية عام 2006م، وعلى أن تفرز المبالغ المضبوطة لدى الشركات وتحديد نصيب كل منهم وزوجته وأولاده القصر منها».
ويستدل من نص القرار إصرار المحكمة على البحث عن دليل إدانة، وقد لعبت اللجنة المالية على نفس الوتر الذي لعبت عليه تحريات مباحث أمن الدولة، وهو أن هذه الشركات ليست ملكًا لأصحابها؛ وإنما هناك شركاء أو ملاك مستترون والمقصود بهم جماعة الإخوان المسلمين، وقد استماتت اللجنة في إثبات ذلك، حتى إنها اعتمدت على أوراق وميزانيات –غير موقعة ولا موثقة – تم استخراجها من أجهزة الحاسب التي استولت عليها مباحث أمن الدولة، أي أنه يمكن التلاعب في الأرقام التي بها، أو على أوراق –غير موقعة – مذكور بها أسماء لأشخاص ليسوا من الشركاء، وعلى فرض صحتها فإنه ليس هناك ما يمنع الحصول على قروض من أشخاص وردها لهم فيما بعد مع الأرباح، والغريب أن اللجنة تعيب على الشركات أنها لا تقترض من البنوك بالربا، وتقترض من أشخاص طبيعيين بلا أي فوائد ربوية!
ورغم كل ذلك؛ فإن إجمالي ما يملكه المدعى عليهم وزوجاتهم وأولادهم القصر، كما جاء في التقرير التكميلي للجنة لا يزيد عن 24 مليون جنيه، مما يدل بيقين على المبالغة التي تضمنها التقرير الأول في تقدير قيمة ممتلكات المدعى عليهم. وقد استعان الدفاع باثنين من المحاسبين القانونيين وخبراء الضرائب اللذين أدليا بشهادتهما أمام المحكمة العسكرية، وقدما تقريرًا مكتوبًا لها تضمن العشرات من المخالفات والملاحظات على التقريرين الماليين المقدمين للمحكمة من خبراء الكسب غير المشروع.
وبثبوت بطلان التقرير المالي وزيف ما فيه ينهار آخر أركان تلك القضية الملفقة بعد أن انهارت محاضر التحريات والأحراز وشهادات ضباط أمن الدولة، رغم كل التضييقات التي واجهتنا وواجهت هيئة الدفاع من المحامين، فهل يأخذ العدل مجراه؟ وهل تتحقق العدالة بعد كل هذا الظلم الذي تعرضنا له؟ سنظل آملين في ذلك منتظرين لوعد الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: 38). وقد تم تأجيل جلسة النطق بالحكم إلى 25 من مارس الفائت، ثم تأجيلها مرة أخرى إلى 15 من أبريل الجاري، أي ما بعد انتهاء انتخابات المجالس المحلية، وزوال جزء من الاحتقان السائد حاليًا بسبب عمليات القبض على المئات من الإخوان الراغبين في الترشح في الانتخابات أو من يدعمونهم، وهو ما قد يكون في صالح القضية.. وما علينا سوى الانتظار، وعلى كل حال: «انتظار الفرج عبادة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل