; رسالة القاهرة: أسدلت الستارة ولم تنته الرواية بعد | مجلة المجتمع

العنوان رسالة القاهرة: أسدلت الستارة ولم تنته الرواية بعد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1982

مشاهدات 66

نشر في العدد 564

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 23-مارس-1982

  • الفصول الناقصة:

في صبيحة السبت العاشر من جمادي الأولى 1402هـ الموافق السادس من مارس 1982م، أعلنت المحكمة العسكرية في القاهرة الأحكام التي صدرت على الشباب في قضية مقتل السادات، حيث حُكم بالإعدام على خمسة وبالأشغال الشاقة المؤبدة على خمسة، وبالأشغال الشاقة خمس عشر سنة على ثمانية، وبالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات على ثلاثة، وبالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات على واحد، ثم الحكم بالبراءة على اثنين..

وبذلك أسدلت الستارة على الرواية دون أن تتم فصولها، فالمحاكمة ظلت سرية، برغم أن قضية مقتل السادات لا تتصل من قريب أو بعيد بالأسرار العسكرية بل هي قضية سياسية دينية ووطنية، ومن حق الرأي العام في العالم الإسلامي بوجه عام أن يعرف تفاصيلها، والرأي العام المصري بوجه خاص كذلك، إذن فالفصول الناقصة هي ذات الأهمية الكبرى أما الفصول التي عرضت على المشاهدين، فهي الفصول الثانوية الهامشية..

ونود أن يدرك القارئ أن قضية القتل السياسي ليست مطروحة في هذا المقال، وقد نُفِّذ قضاء الله ولا مرد له، ولكن الذي يهمنا بالدرجة الأولى - هو أن الإسلام قد فرض عليه أن يكون طرفًا أو خصمًا أصيلًا في القضية، مما مَهَّد لبعض الأقلام الغوغائية أن تخوض في الإسلام بغير فقه، وتتهجم -بلا أدب- على بعض كبار فقهاء المسلمين ومُفكريهم مثال ابن تيمية وأبي الأعلى المودودي وغيرهما..

لذلك فإن العدالة تقتضي -في مثل هذه القضية- أن يعرض التليفزيون المحاكمة على الهواء مباشرة، ليُتسنى للرأي العام أن يصدر حكمه، بعد أن يستمع إلى الدوافع التي أدَّت بالشباب إلى قتل السادات، لقد قال خالد الإسلامبولي المتهم الأول: «لو لم نقتل السادات، لكان فرضًا على كل مسلم أن يقتله»، وصرح أصغر المتهمين سنًا لجريدة سعودية، وهو ناصر عبد العليم الطالب بالسنة الثانية الثانوية، صرح بقوله: «كانت أمنيتنا الوحيدة أن تُذاع المحاكمات على الهواء مباشرةً، ليعرف الشعب حقيقة الطاغية الذي قتلناه»

لا بُد أن يكون المتهمون قد أثاروا كثيرًا من الخبايا مما لا نعلم شيئًا منها، فمثلًا ذكر المتهم الثالث وممن حكم عليهم بالإعدام، وهو عطا طايل حميدة المتخرج من كلية هندسة الإسكندرية، أن من بين الدوافع أن الطائرة التي انفجرت منذ شهور حيث استشهد الفريق أحمد بدوي ورفاقه من كبار الضباط كانت نتيجة حادث مدبر، ومعنى هذا اتهام السادات...

  • المتهمون والتحدي:

بغض النظر عن عشرات التهم التي وجهها الشباب إلى السادات ونظامه، وبطانته وحاشيته، حتى لقد قالوا في المحكمة: نحن المجني عليهم ولسنا الجناة.. ومن نكد الدنيا أن يقف المجني عليهم في قفص الاتهام، بينما الجناة يعيثون في الأرض فسادًا.. وبغض النظر عن أن الشباب طلبوا شهادة رئيس الجمهورية وغيره من كبار المسئولين، وبالطبع رفضت المحكمة العسكرية طلبهم.. بغض النظر عن هذا وذاك، فهناك أمر مثير للغاية فالقضية -كما قلنا- قضية سياسية دينية -والإسلام طرف فيها- على الأقل من وجهة نظر المتهمين - لذلك طلب المتهمون باستدعاء شيخ الأزهر والمفتي وبعض المشتغلين بالإسلام على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي، وأبدى الشباب استعدادهم للمناقشة، وبكل أسف رفضت المحكمة طلبهم..

ومعنى هذا أن القضية بالنسبة للإسلام ستظل مُعلقة بإرادة السلطات التي تتوهم أن وسائل إعلامها كفيلة بأن تقضي على الرأي بالتمويه والتزوير، واستجداء أقلام بعض ذوي العمائم الضخام ليجتروا كلامًا مثيرًا للسخرية وليس للضحك فقط، ولقد قال أحدهم: إن قول الله سبحانه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (سورة المائدة: 47) خاص باليهود والنصارى، لأن الآيات نزلت في إطار الحوار مع أهل الكتاب، وبذلك لا تنطبق أوصاف الكفر والظلم والفسق على وُلاة أمور المسلمين إذا لم يحكموا بشريعة القرآن، ولقد سبق للشيخ الشعراوي أن قال للشباب المسلم في إحدى محاضراته: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (سورة المائدة: 47) بالبناء للمعلوم، إذن فالمسئولية إنما تقع على عاتق ولاة الأمور، ولو قال سبحانه «ومن لم يحكم..» بالبناء للمجهول، لوقعت المسئولية على عاتق المسلمين، وعلى صفحات الأهرام قال: «صحيح أن الحكومة لم تحرم الخمر -وهي مقصرة- لكن الحكومة أيضًا لم تشرع الخمر، ويبقى الواجب علينا ألا نشرب الخمر..» ولله في خلقه شئون!!

لقد تمنى المتهمون الشباب أن يناقشوا أمثال الشيخ الشعراوي، لكن المحكمة رفضت لأنها واثقة من أنه ليس في مصلحة القضية هذا الطلب، وأعتقد أن الشيخ الشعراوي وأمثاله أذكى من أن يستجيبوا، إن حق الدفاع للمتهم حق أقرته سائر القوانين الوضعية، ومن الواضح أن القانون في إجازة منذ 23 يوليو 1952 حتى اليوم وبخاصة إذا كانت القضية سياسية والمحكمة عسكرية.

والحق أن الدفاع بذل جهودًا جبارة، ولكن هذه الجهود شجبتها المحكمة العسكرية بما لها من سلطات مُطلقة لا تخضع للقانون، لقد أنهت مهمة الدفاع من تلقاء نفسها، وقد رفع المحامون عن المتهمين مذكرة إلى رئيس الجمهورية بسبب تعسف المحكمة، ولا حياة لمن تنادي بل إن المحكمة كانت تتحكم في محامي المتهمين، فتستبعد منهم من شاءت ولا معقب لمشيئتها...

  • ثم صدرت الأحكام:

قال أصغر المتهمين سنًا: «لقد أصبحنا نشعر أنه سوف يحكم علينا بأحكام تملى عليهم من أعلى» وهذا نفس اعتقاد الرأي العام هنا منذ بداية المحاكمة، ويتهامس الناس ولا يملكون سِوَى الهمس عن اجتماع رئيس الجمهورية بكبار رجال القوات المسلحة قبل صدور الأحكام بثلاثة أيام، ومدى صلة هذا اللقاء بالأحكام التي صدرت؟

بل أن الصحفي المُدعي المدلل أنيس منصور كتب منذ أسابيع في مجلة أكتوبر التي منحها السادات ثلاثة ملايين من الجنيهات من أقوات الشعب المصري البائس المطحون،

 كتب يقول:

«إن أهم حدثين في عام 1982، «جلاء إسرائيل عن سيناء وإعدام قتلة السادات» وخاصمته المحكمة واكتفت بأن اعتذر إليها»

والحقيقة أن تاريخ المحاكمات السياسية يشهد بأن الأحكام لا تصدر من ضمير القضاة الذين أقسموا اليمين وإنما تصدر لهم من الجهات العليا، ففي محاكمات عام 1954 حيث كان القاضي أمثال جمال سالم، وبعض الأعضاء وأمثال السادات حيث أعدم عبد القادر عودة ورفاقه الخمسة، وحكم بالسجن على زهاء الألف مُددًا تتراوح بين خمس سنوات وخمس وعشرين سنة، قسم الإخوة إلى مجموعات، وكل مجموعة تصدر قيادة الثورة برئاسة عبد الناصر لها أحكامها إجمالًا، مثلًا مجموعة الإسكندرية 2000 سنة، توزعها المحكمة على أفراد المجموعة، ولم تنس المحكمة أن تضع في مركز الصدارة الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (سورة النساء: 58).

خلاصة القول:

إن الستارة قد أسدلت على رواية قتل السادات، دون أن تمثل فصولها ودون أن تظهر كل شخصياتها على المسرح، ومن يدري فلعل الأيام القليلة القادمة ستبدي لنا ما كنا نجهله وما ذلك على الله بعزيز.

الرابط المختصر :