العنوان الإسلام وتربيَة الطفل (الحلقة الثانية)
الكاتب علي القاضي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1979
مشاهدات 91
نشر في العدد 438
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 27-مارس-1979
- كيف تنشأ الأخوة على الحب والمودة دون حقد أو حسد؟
عناية الإسلام بالطفل ظهرت منذ أربعة عشر قرنًا في صورة متكاملة لم يظهر لها نظير حتى الآن وتبدأ العناية بالطفل في الإسلام من قبل أن يولد- بل من قبل أن تتكون الأسرة- وذلك بإعداد البيئة الصالحة لاستقباله- الأسرة التي تحقق له الاطمئنان والسكن والراحة والعناية المناسبة ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21) ولذلك فقد طلب من الرجل أن يختار المرأة الصالحة التي تحقق التربية المثالية طبقا لتعاليم الإسلام والرسول الكريم يعبر عن ذلك تعبيرًا قويًا بعد أن يستعرض الأسباب التي جعل الرجل يختار المرأة على أساسها فيقول صلوات الله عليه «فاظفر بذات الدين تربت يداك» ومثل ذلك في اختيار الرجل فإنه يطلب من أسرة الفتاة أن يهتموا بالخلق والدين فذلك أهم شيء في هذه الحياة وإلا فإن النتيجة ستكون وخيمة بالنسبة للفرد وبالنسبة للأسرة وبالنسبة للمجتمـع كله وذلك حين يقول «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». ولأن صفات الوراثة تظهر في الأبناء فإن الإسلام يعطي للمسلمين مؤشرات تساعده في اختيار العناصر الصالحة لتكوين الأسرة يقول الرسول الكريم «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس» ويقول في حديث آخر محذرًا المسلمين من الاهتمام بالمظهر وترك المخبر وذلك حين يقول «إيكم وخضراء الدمن» ويفسر الرسول الكريم خضراء الدمن بأنها المرأة الحسناء في المنبت السيء.. فالمرأة إذا لم تنشأ في بيئة طيبة ولم ترب تربية طيبة لا يمكن أن تخرج أبناءها إلا مثلها- ومن هنا كان لا بد من التحذير والتحذير الشديد ففضلًا عن أن ابنها سيرث بعض صفاتها فهو يراها المثل الأعلى فيقتدي بها.. ثم أن العلاقة الزوجية في الإسلام لا بد وأن تقوم على المودة ومع ذلك فضمانًا لكيان الأسرة طلب أن يصبر الرجل على ما يكره من زوجته يقول الرسول الكريم «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» رواه مسلم.
والإسلام عنى بعد ذلك بصحة الطفل الجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية.
الصحة الجسمية:
إذا حملت الأم فإن الإسلام يعني بهذا الحمل بعد أن أعد له جو الأسرة الذي يشيع فيه الحنان وأداء الواجب وذلك بعنايته بأن تكون تغذية الطفل كاملة حتى أن الأم إذا خافت على نفسها أو على جنينها فإن عليها أن تفطر في رمضان- وبعد الولادة فإن الرضاعة من حق الطفل وكذلك الحضانة حتى ولو اختلف الأبوان فإن حق الطفل محفوظ ولا يقبل من أحد الوالدين محاولة الإضرار بالآخر في الطفل ثم أن على الأب حق الإنفاق على الطفل وأمه طوال مدة الحمل والرضاعة وفي ذلك يقول الله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ (البقرة:۲۳۳) فإذا ما كان الأب غير قادر على الإنفاق فإن بيت المال يتحمل ذلك كاملاً وقد فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكل مولود من بيت المال.. فإذا ما كبر الطفل فإن من حقه على أهله أن يعلموه الكتابة والسباحة والرماية وركوب الخيل يقول عمر بن الخطاب «علموا أولادكم السباحة والرماية ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا» والرسول الكريم يرسم الطريق في ذلك فيقول «لاعب ابنك سبعًا وأدبه سبعًا وصاحبه سبعًا ثم الق حبله على غاربه» ويقول «إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع» ابن حبان ويقول «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول» النسائي.
الصحة العقلية:
كما يعنى الإسلام أيضًا بالصحة العقلية فيجعل منذ البداية حق تعليم الطفل القراءة والكتابة على الوالد يقول الرسول الكريم «حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية وألا يرزقه إلا حلالاً طيبًا» وعقب غزوة بدر جعل النبي الكريم فداء أسرى المشركين أن يعلم كل واحد منهم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة- وعمر بن الخطاب يقول «علموا أولادكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم» والقرآن الكريم يطلب من الناس جميعًا أن ينظروا إلى مظاهر قدرة الله في الخلق وفي نظام الكون بدراسة الماء والهواء والكائنات الحية وسير الكواكب وما إلى ذلك ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (يونس: 101).
الصحة النفسية:
ويفرغ الإسلام جانبًا كبيرًا للصحة النفسية بالنسبة للطفل فهو يعطيه حاجاته من العطف والحنان والاطمئنان والانتماء- ولقد أطال النبي الكريم السجود مرة لأن الحسين ركب على ظهره وقال في ذلك «إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله» ودخل عامل على عمر بن الخطاب فأنكر عليه مداعبته لأبنائه فقال له كيت أنت مع أهلك قال: إذا دخلت سكت الناطق فقال عمر: اعتزل عملنا فإنك لا ترفق بأهلك فكيف ترفق بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ودخل أحد الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يداعب الحسن والحسين رضوان الله عليهما ويركبان على ظهره فقال الصحابي: نعم الركب ركبتما فقال النبي عليه السلام: ونعم الفارسان هما. وكان النبي عليه السلام يزور أبا طلحة وكان لابنه طائر مات فحزن الطفل عليه فكان النبي عليه السلام يداعب الطفل ويقول له: «يا أبا عمير ما فعل النغير» والأطفال الذين هم في حاجة إلى رعاية أكثر من غيرهم طلـب القرآن رعايتهم والعناية بهم فقال ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (الضحى:9) وجعل من علامات الكفر بالله زجر اليتيم ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ* فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ﴾ (الماعون:1-2) ويقول الرسول الكريم «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما» البخاري.
والإسلام يطلب من المسئولين في الأسرة ان يسووا بين الأبناء في المعاملة يقول الرسول الكريم: «اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم» الشيخان وقد رفض النبي الكريم أن يشهد على إعطاء رجل حديقة لأحد أبنائه وسأله: أكل ولدك نحلته هكذا فقال الرجل لا: فقال النبي عليه السلام في حزم «اغرب عن وجهي فإني لا أشهد على جور» وبهذا ينشأ الإخوة على المودة والمحبة بدون حقد أو حسد وتكون صحة الإخوة النفسية سليمة.
وهو يربط الطفل بالله سبحانه وتعالى منذ البداية فيؤذن للطفل في أذنه عند ولادته ويختار له الاسم الحسن الذي سيلازمه طوال حياته ثم العقيقة التي تدل على شكر الله الذي أنعم وبهذا تحس البيئة بأن هذا القادم نعمة من نعم الله ويحس الطفل عن طريق الحكاية مثل هذا الإحساس وهذا كله يجعل الطفل يحس بالأمن والاطمئنان النفسي فما دام مرغوبًا فيه وما دام الله معينًا له فهو في اطمئنان دائم ومن هنا كانت وصية النبي الكريم للغلام عبد الله بن عباس حين قال له: «يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعون لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» .
الصحة الاجتماعية:
وينمي الإسلام في الطفل الآداب الاجتماعية وذلك حين يوصي المسلمين بأن يعلموا أبناءهم آدأب السلوك الاجتماعي فيقول النبي عليه السلام لأبي حفص عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله وكان يأكل معه وكانت يده تطيش في الصفحة «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» متفق عليه- ويطلب من الأطفال أن يستأذنوا عند الدخول حتى ولو كان من يستأذن عليهم أقرب الناس إليه وذلك في الأوقات التي يتحلل الإنسان فيها من القيود فيقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (النور: ٥٨) ويقول عليه السلام «مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع» أبو داوود.
خاتمة:
حددت هيئة الأمم المتحدة المبادئ العامة لحقوق الطفل على النظام الآتي:
١- مبدأ يدعو إلى أن يكون للطفل حق التمتع بوقاية خاصة وأن تتاح له الفرص والوسائل لكي ينشأ من النواحي البدنية والروحية والاجتماعية على نحو طبيعي وفي ظروف تتسم بالحرية والكرامة- وطلب جعل منهج قائم بذاته لمادة الأمومة ورعاية الطفل لطالبات شعبة الحضارة ورياض الأطفال والتربية الدينية وتدريـب الطفل على الآداب التي تفيده في تنشئة نفسه.
٢- ومبدأ يدعو إلى أن يتاح للطفل التمتع بمزايا الأمن الاجتماعي والتغذية الكافية والمأوى والعناية الطبية.
٣- مبدأ يدعو إلى حق التعليم الإجباري والوقاية والإغاثة في حالة الكوارث.
وهكذا يجد العالم المتحضر نفسه في حاجة إلى أن ينظم للطفل حقوقه المهدرة وأن يطالب بتنفيذها والإسلام قد فرغ من هذا كله منذ أربعة عشر قرنًا.. بل إن الإسلام جعل مصلحة الصغير مقدمة على مصلحة الكبير في جميع الحالات فالابن يتبع خير الأبوين دينًا والابن يثبت نسبه كما يثبت حقه في الرضاعة والحضانة والرعاية- والطفل الذي لا يستطيع أبوه الإنفاق عليه فإن الدولة مكلفة بذلك وهكذا فرض عمر بن الخطاب لكل مولود نصيبه من بيت المال.
كأي طفل آخر فخطا الوالدين لا تنصرف نتيجته إلى الابن حتى ولو لم يكن الطفل قد ولد فإنه روح لها احترامها وهكذا أجل النبي الكريم إقامة الحد على الغامدية حتى ولدت وأتمت إرضاع طفلها.
وبهذا كله يظهر التخطيط الكامل لتربية الطفل ورعايته وإعداد البيئة الصالحة له التي تضمن له الاستقرار الدائم في كنف الأسرة- ومن هنا فقد جعل الإسلام أبغض الحلال إلى الله الطلاق كما يقول النبي عليه السلام «وجعل أساس البيوت الوفاء» كما يقول عمر بن الخطاب- ثم جعل مسئولية الأسرة كاملة عن تربية الأبناء فالأب راع ومسئول والأم راعية ومسئولة عن رعيتها وكل فرد راع ومسئول عن رعيته.
والمسلمون اليوم لا يسيرون على هدى الإسلام ولا يطبقون تعاليمه فالدول الفقيرة المسلمة تزداد فقرًا والدول الغنية تزداد غنى- وجميع الدول الإسلامية تنتشر فيها الأمية انتشارًا واضحًا الأمية الدينية والأمية الثقافية والأمية الاجتماعية والأمية الصحية وهذا ما يجعلها تتعثر في خطواتها وما يجعل كل شيء يأتي عن طريق غير إسلامي- مع أن الإسلام فيه كل ما يغني وما يريح الناس جميعًا من المشكلات المختلفة وما يعطي للطفولة حقوقها كاملة.
وحبذا لو أعدنا إلى طفولتنا رعاية الإسلام الكاملة في ظل مفاهيم الإسلام الكاملة حتى نسير في الطريق السليم الذي يجعل مستقبل المسلمين مشرقًا يرتفع فيه شأن المسلمين كما ترتفع فيه راية الإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل