; قرون استشعار استعمارية عند دارفور | مجلة المجتمع

العنوان قرون استشعار استعمارية عند دارفور

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الجمعة 13-أغسطس-2004

مشاهدات 50

نشر في العدد 1613

نشر في الصفحة 17

الجمعة 13-أغسطس-2004

يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين قد ضبطوا الساعة على لحظة بعينها يحين فيها موعد افتراسهم للسودان، ويبدو -أيضًاـ أن خطى الاستعدادات العسكرية تسابق عقارب الساعة انتظارًا للحظة القريبة المناسبة. 

وربما يفسر ذلك بعضًا من أسرار تلك الفزعة الدولية، التي تزداد حركة ولغطًا ودعاية واتهامًا للسودان بشأن ما يجري في إقليم دارفور.. بل إن السباق الدولي المحموم إلى هناك بدت مظاهره على الحدود ... بريطانيا تعلن استعدادها لتجهيز قوة عسكرية للذهاب وفرنسا دفعت بالفعل قوة من جيشها إلى الحدود التشادية مع دارفور وواشنطن تعد العدة انتظارًا لساعة الاقتحام الكبير... 

ولم نشهد فرنسا تحتج على واشنطن في موضوع دارفور كما شاهدناها في موضوع العراق، لأن التنسيق والاتفاق تم على تقاسم الأدوار وربما الحصص من الغنيمة السودانية التي يشحذون السكين لذبحها. لا قدر الله!! 

في الكوارث الإنسانية.. يكون التحرك الطبيعي والأكثر إلحاحًا نحو التخفيف من الكارثة وإنقاذ الضحايا وإعادة تأهيلهم لاستئناف حياتهم.. ومن هنا كان من المنطقي أن نشاهد قوافل الإغاثة وجسور الإنقاذ الجوية تنطلق من واشنطن وباريس ولندن صوب دارفور لإنقاذ أهلها من الهلاك والشتات والفقر، ولكننا لم نشهد شيئًا من ذلك وأعتقد أننا لن نشهد إلا عينات للتمثيل الدعائي.

إن المشهد برمته يجسد حالة مزرية من النفاق والمتاجرة السياسية الرخيصة بتلك الكارثة الإنسانية. 

لقد امتطت الولايات المتحدة صهوة مجلس الأمن وأمسكت بعصًا غليظة مهددة السودان وطالبة منه أن يضرب الأرض بعصا سحرية لمعالجة كارثة دارفور خلال شهر واحد دون أن تدفع أي دولة من الدول التي تزعم أن قلبها يتقطع على المشردين حزنًا وكمدًا دولارًا واحدًا لحل المشكلة.

 أليس ذلك غريبًا..؟

 أولم يكن من الأغرب أن تتعامى واشنطن وباريس ولندن عن كوارث أشد هولًا يشيب

لهولها الوِلدان على بعد كيلومترات من دارفور وتركز أنظارها على دارفور وحدها؟! إن من يدقق النظر في خريطة الجوار السوداني سيكتشف بسهولة كوارث إنسانية ومذابح ونكبات لا تساوي دارفور بجوارها شيئًا، فعلى الحدود السودانية الأوغندية هناك مئات الآلاف من المشردين الذين قتل ذوونهم وأحرقت قراهم ومدنهم بأكملها على أيدي منظمة جيش الرب، الكنسية الإرهابية.. لكن أحدًا في العالم لم ينبس ببنت شفة.. لأن القاتل هو الكنيسة والمقتول مسلمون؟! 

وعلى الحدود السودانية الإريترية ظل السودان نفسه يعاني مما يقرب من مليوني لاجئ إريتري فارين من جبروت الحكم الإريتري عاشوا حياة مليئة بالمصاعب ومازال بعضهم هناك.. ونفس الأمر بالنسبة للاجئين من إثيوبيا...

وليس خافيًا، أن من المشاكل المزمنة التي أثقلت كاهل السودان طوال السنوات الماضية موجات الهجرة الجماعية إلى أراضيه من دول الجوار. وقد أواهم السودان حسب طاقته، وكان بإمكانه أن يصنع منهم جيوشًا حارقة لأنظمة تلك الدول ولكنه لم يفعل. 

لماذا دارفور إذن؟!

 لأنها الثغرة الأخيرة المناسبة للنفاذ إلى السودان كله.. فقد تم إغلاق ثغرة الجنوب بنجاح معقول.. وتم إغلاق بقية الثغرات على الحجج والمماحكات الاستعمارية ولم تبق إلا دارفور.. ولو أعطيت الحكومة السودانية الفرصة الكافية والمساعدة اللازمة لتم إغلاق تلك الثغرة ... فكان لابد من المباغتة ووضع السودان أمام قرارات ومواقف تعجيزية حتى يكون هناك مبرر دعائي لحضور القوات الأجنبية إلى السودان. 

ومن يقلب في سجل التدخلات الاستعمارية، خاصة الأمريكية. في الدول سيجد الإجابة بسهولة عن سر هذه الحركة الاستعمارية المحمومة نحو السودان. 

فهناك مقولة استعمارية بريطانية قديمة تقول الحركة تكون حيث يكمن النفط... والحرب الأمريكية الشهيرة ضد فيتنام في منتصف القرن الماضي كانت دوافعها ثروات النفط الراقدة على السواحل الفيتنامية، وغزو أمريكا لكولومبيا وبنما وأفغانستان والعراق.. وصراعها الكبير عند بحر قزوين وتواجدها المكثف في منطقة الخليج.. كلها وراءها دوافع السيطرة على منابع النفط. ومازالت مقولة الإستراتيجي مايكل كولون: إذا أردت أن تحكم العالم فعليك السيطرة على النفط.. كل النفط، هي التي تحكم حركة الإمبراطورية الأمريكية. 

وفي دارفور اكتشفت قرون الاستشعار الأمريكية والبريطانية والفرنسية أن ثروة السودان النفطية في تزايد «ينتج ٢٠٥ آلاف برميل مرشحة أن تصل إلى نصف مليون» ويقول دوجلاس جونسون مؤلف كتاب الأسباب الجذرية للحرب الأهلية السودانية.. إن لدى السودان على الأقل ملياري برميل من النفط القابل للاستخراج ... وبالطبع لم يخف على قوى الاستعمار الحديث أن ثروة كبيرة كهذه من النفط إذا تلاقت بثروة السودان من الموارد المائية والزراعية الهائلة والثروات الطبيعية الأخرى المتنوعة لوضعت السودان - كأكبر قطر عربي مساحة. على أعتاب الدول العملاقة. وذلك خط أحمر لدى الاستعمار على دولة إسلامية... 

ومن هنا تسارعت حركة كل القوى الاستعمارية المتباينة عبر دارفور لقطع الطريق على السودان وشل حركته.. ليبقى مشلولا دون قدرة على النهوض. 

لكن سؤالًا مهمًا يظل ملحًا هنا وهو ألم تقصر نظم الحكم السودانية المتعاقبة في دارفور وغيرها.. أولم تجرم القوى السياسية السودانية التي تصفق بل تشارك في الحملة الدائرة على وطنها.. وهل يبلغ الحد بالكيد السياسي إلى درجة تفضيل الاستعمار على الحكم الوطني حتى ولو كان مجرمًا؟

ثم إلى متى يظل النظام العربي مشلولًا مستسلمًا لعملية التهامه قطعة قطعة؟!

الرابط المختصر :