; دفاعا عن الشيخ المظلوم | مجلة المجتمع

العنوان دفاعا عن الشيخ المظلوم

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997

مشاهدات 69

نشر في العدد 1261

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 05-أغسطس-1997

الأقوال التي أدلى بها الشيخ محفوظ نحناح- زعيم حركة مجتمع السلم «المجتمع الإسلامي سابقاً» - في الجزائر في المقابلة التي نشرتها صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية في ١٩ يوليو الماضي لا يمكن قراءتها دون التوقف عندها أو التعليق عليها، فزعيم إسلامي بحجم الشيخ محفوظ ورجاحة عقله، كان يجب أن يتوقف كثيرًا قبل التشكيك في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وقيادتها التي شتتها النظام العسكري الحاكم في الجزائر ما بين النفي والمعتقلات، في الوقت الذي كانت تستعد فيه لحكم البلاد عبر صناديق الاقتراع.

لقد وجدت الجبهة الإسلامية للإنقاذ تعاطفًا شعبيًا عارمًا معها تمثل في نصرها الساحق الذي حققته في الانتخابات البلدية التي جرت في أبريل عام ١٩٩٠م، على الرغم من أنه لم يكن قد مضى على تأسيسها سوى سنتين، ثم تلاه نصر معزز في الانتخابات البرلمانية التي جرت في ٢٦ ديسمبر عام ۱۹۹۱م حيث حصدت أكثر من ۸۸% من مقاعد الجولة الأولى قبل أن تتدارك المؤسسة العسكرية المتفرنسة نفسها، وتطيح بالرئيس الشاذلي بن جديد الذي سمح بإجراء الانتخابات فأوقفت الجولة الثانية، وألغت النتائج، وأصدرت فرمانًا بحل الجبهة، والزج بقياداتها وعناصرها بالآلاف في غياهب السجون، وتبع ذلك ما نراه الآن، فقد دخلت البلاد في حرب هوجاء أحرقت أخضر الجزائر ويابسه، وتسببت في مقتل أكثر من ٧٠ ألف مواطن، والحبل كما يقولون على الجرار.

يحاول الشيخ نحناح إيجاد مبررات للإجراء الذي اتخذه النظام الجزائري بإلغاء الانتخابات وحل الجبهة، ويورد في معرض تبريره أنه لو لم يتم إلغاء الانتخابات لعرفت الجزائر المصير ذاته الذي عرفته أفغانستان وبوروندي، وانهارت الدولة الجزائرية، أليست عشرات الألوف هذه من القتلى وعمليات الذبح الجماعي التي تتم يوميًّا في الجزائر بهمجية ووحشية القرون الحجرية دليلاً على أن ما يحدث في الجزائر فاق في بشاعته وظلمه ما حدث ويحدث في أفغانستان وبوروندي!

لم يكن الشيخ نحناح منسجمًا مع مبادئ الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها، وكان حريًّا به أن لا يزج بنفسه أو بالحركة الإسلامية التي يقودها في قفص النظام المتعلمن، كان حريًّا أن يدفعه واجب العدل ومنطق العقل إلى الانحياز للطرف المظلوم، ولا يجرمنه شنآن الجبهة الإسلامية وعباسي مدني على عدم إنصاف أخيه المظلوم.

لقد وضعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ استراتيجية واضحة للوصول إلى الحكم، تمثلت في المشاركة في أنشطة المجتمع السلمية، ومارست حقها السياسي والمدني عبر الانتخابات البلدية والبرلمانية، فكيف بهاجم الشيخ النحتاح هذه الاستراتيجية وهو يمارسها؟ أما إذا كان المقصود هو لجوء الجبهة إلى العنف لحل أزمتها مع المؤسسة العسكرية، فهي جريمة بدأها النظام والجيش ومازال، فالجيش الجزائري هو الذي بدأ العنف ضد مسيرات احتجاجية سلمية ومرخصة، نظمتها الجبهة ضد قانون الانتخابات في ٢٥ مايو عام ۱۹۹۱م، وبعد عشرة أيام فوجئ المتظاهرون وهم نيام في ساحات العاصمة بقوات الجيش تقتحمهم، وتعتقل وتقتل منهم، وأعلن حظر التجول في العاصمة وضواحيها، وزج بقيادات الجبهة في السجون، وعلى رأسهم الشيخان عباسي مدني وعلي بلحاج.

ولأن حكومة سيد أحمد غزالي التي خلفت حكومة مولود حمروش كانت تتوقع عدم حصول الإسلاميين على أكثر من ٣٥% من مقاعد البرلمان، فقد قررت إجراء الانتخابات البرلمانية في أواخر ذلك العام، وفي ذهنها أن اعتقال قيادة الجبهة سيضعف من شعبيتها ومكانتها، إلا أن القيادة البديلة بزعامة الشاب عبد القادر حشاني استطاعت أن تدير العملية الانتخابية، وتكتسح الانتخابات كما هو معروف، وقد فوجئت الحكومة بالنتيجة، وأذعنت لضغط المؤسسة العسكرية، وأطلقت شرارة الحرب القبيحة.

وحتى هذه اللحظة تنفي الجبهة صلتها بالمذابح وأعمال القتل الوحشية التي تجري في البلد، وهي تهمة برأها منها سياسيون جزائريون محايدون، كرئيس الوزراء الأسبق عبد الحميد الإبراهيمي وغيره كثيرون، فليس للجبهة أي علاقة بالجماعات المسلحة التي تخوض الحرب مع الجيش منذ أكثر من خمس سنوات، وإن كان بعض هذه الجماعات قد خرج من رحم الجبهة، وهو درس على كثير من الدول أن تتعلمه في علاقاتها مع الحركات الإسلامية المعتدلة وذات المناهج الإصلاحية المتدرجة، فالعنف يولد عنفًا أشد، وإزاحة هذه الحركات عن المسرح السياسي سيفرخ مجموعات وخفافيش تعمل في الظلام، وتستمرئ القتل وإشاعة الفوضى، وتجد من يفتي لها بإباحة ذلك. 

على أن الثابت الذي يدلل عليه المنطق والتقارير الصحفية التي تتسرب من الجزائر ويخشى أصحابها من نشرها، هو أن غالبية أعمال القتل، وخصوصاً تلك المذابح الهمجية والوحشية التي يتم فيها ذبح الأطفال والنساء بالمناشير والبلطات هي من أعمال مليشيات ما يسمى بالحرس البلدي، أو مليشيات الدفاع الذاتي التي تدعمها الحكومة، وبعضها مجموعات أمازيغية «بربرية» تسعى لإقامة دولة مستقلة للبربر، وليس لأحد أن يقنع عاقلاً فينا بأن الإسلاميين قد يفكرون مجرد تفكير بذبح الأطفال الرضع والنساء ذبح النعاج، وبالطريقة التي تتم الآن في الجزائر، كما أن كثيرًا من الضحايا هم من عائلات وأطفال الإسلاميين أو مؤيديهم، وفي هذا السياق لم تكن أصابع الموساد الإسرائيلي بعيدة عما يدور في الجزائر، فلم يعد سرًّا أن الأحزاب البربرية تلقت في عام ١٩٩٢م باخرة محملة بأسلحة إسرائيلية، أفرغت حمولتها في ميناء بجاية تحت حماية الأسطول السادس الأمريكي.

وقد سجل المرصد الوطني لحقوق الإنسان- وهو منظمة حكومية جزائرية- تجاوزات كثيرة ومختلفة ارتكبتها أجهزة الأمن الحكومية، من بينها حالات اختفاء ووفيات مشبوهة، حيث لم يعد خافيًا بأن بعض أجنحة السلطة تمارس حرب تصفيات ضد أجنحة أخرى.

لقد أبدت الجبهة الإسلامية للإنقاذ من خلال قياداتها المسجونة وفي الخارج حرصًا على وقف أعمال العنف، وطرحت مبادرات لحل الأزمة، إلا أنها لم تلق آذانًا صاغية من النظام، وكان من تلك المبادرات مسعى عباسي مدني في أغسطس عام ١٩٩٤م، وأبريل عام ١٩٩٥م، ورسالة رابح كبير المعروفة بالبيان رقم ١٦ الذي دعا فيه إلى إدانة العنف الإجرامي الذي يستهدف الجزائريين والأجانب، كما أرسل قائد جيش الإنقاذ مدني مرزاق رسالة إلى الحكومة في ٢٣/١٠/١٩٩٥م طالبها فيها بإطلاق سراح قيادة الجبهة المعتقلين، أو الشيخ عباسي مدني على أقل تقدير، من أجل تحقيق الهدنة المطلوبة، ووقف العمليات، وتحقيق السلم الشامل، واستجابت الحكومة للرسالة؛ فأفرجت عن مدني بعد حوالي سنتين من تلك الرسالة.

الأصل أن يفرح الشيخ نحناح للإفراج عن مدني وحشاني، انطلاقًا من الأخوة الإسلامية التي تربى عليها في مدرسة الإمام الشهيد حسن البنا، لا أن يعتبر الإفراج عنهما عاملًا سيزعزع البنية القيادية للجبهة؛ لأن بعضهم سيعتبره إجراء تهدئة، والبعض الآخر سيعتبره خيانة، أما فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ مصطفى مشهور فقد كان كبيرًا في موقفه عندما بعث برسالة تهنئة إلى الفاضل والمجاهد الكبير عباسي مدني بمناسبة الإفراج عنه.

([1]) رئيس تحرير مجلة فلسطين تايمز- لندن.

 

الرابط المختصر :