العنوان «مضارب بني نفط».. عودة إلى المسرح الجاد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990
مشاهدات 63
نشر في العدد 959
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 20-مارس-1990
- مسرحية "مضارب بني نفط" لوحات متفرقة يربطها إطار واحد.
مع أواخر الثمانينيات شهد المسرح في
العالم العربي انحسارًا واضحًا في مستواه الفني، بعد أن كان هذا الفن الأدبي
الرفيع وسيلة تُستخدم لمحو الأمية الحضارية، وتشارك في عملية التغيير الاجتماعي
وبناء الإنسان، تحول هذا الفن إلى وسيلة تزيد من الأمية الحضارية، وتهدم الإنسان؛
فقد أصبح تجارة استهلاكية هدفها بيع أكبر عدد من التذاكر، ومعيار نجاحها المدى
الزمني لاستمرار الإقبال على شباك التذاكر. ولم نعد نرى في هذه الأيام مسرحًا
بالمفهوم الأدبي، ما نراه هو بذاءة لفظية وسلوكية على المسرح لاستنفار كل معطيات
الضحك عند الإنسان، فالحوار عبارات زئبقية لا يستطيع الرقيب شطبها، ولكنها تحمل
مدلولات بذيئة. والحركة فوق خشبة المسرح تصرفات بهلوانية وأراجوزية، ولقد انتهز
تجار المسرح الحالة القمعية للإنسان العربي ورغبته بالهروب من واقعه؛ فجعلوا
المسرح أداة للهروب من الواقع كما تفعل المسكرات والمخدرات، وبدلًا من أن يعيدوه
إلى وعيه، ويحاكوا واقعه، ويحركوا عقله ومشاعره، تحولوا إلى وسيلة تخديرية. ولقد
وجدوا في فئات اجتماعية معينة من الحرفيين أو الشباب المنفلت أرضًا خصبة لزراعة
مخدراتهم وحشيشهم.
وفي الكويت برزت هذه الظاهرة بشكل حاد؛
حيث تحول المسرح إلى أعمال تهريجية بهلوانية، يلبس فيها الرجال ملابس النساء،
ويكشفون عن بطونهم وسيقانهم، ويتحدثون بالأسلوب الزئبقي عن الجنس، وأصبحنا نسمع عن
"فناتك" و"الكورة مدورة" و"الو" وغيرها.
وأخطر من ذلك كله المؤامرة التي يقوم بها تجار
المسرح على الطفل بالأعمال المخربة التي تسمى مسرح الطفل، وكل هذا تحت سمع الدولة
وبصرها.. وبإذن من وزارة الإعلام، وبغياب عن وزارة التربية ووزارة الأوقاف والمجلس
الأعلى للثقافة والفنون والآداب. وبدلًا من أن تحمي وزارة الإعلام العمل المسرحي
من هذا العبث، تقدم له المساعدات المجانية، وتساهم في الدعاية لهذه الأعمال.
ولقد كانت فرقة المسرح الكوميدي إحدى
الفرق القليلة في العالم العربي التي أبت أن تحول أعمالها إلى كباريه أو مدينة
ملاهي. والتي- كذلك- رفضت أن تجعل من أبطالها مهرجين وبهلوانات، ورفضت أن تكون
معولًا في هدم المجتمع، لذلك قدمت أعمالًا جيدة ذات مضامين إصلاحية وحضارية مثل
"دقت الساعة" و"حامي الديار"، ويوم أن قدمت عملها قبل الأخير
"هذا سيفوه" الذي أثار ضجة تغيرت الصورة، فقد جاءت هذه المسرحية لتسيء
إلى الحركة الوطنية في الكويت، وتقدم مجتمع كويت الخمسينيات في صورة مهزوزة لا
تعكس خيرًا في المجتمع، يومها شعر المهتمون بالمسرح الجاد بالإحباط، ووجدوا أن
المسرح كله تحول إلى تجارة استهلاكية، أو بوق من أبواق الدعاية المضادة للحركة
الوطنية. وتأتي مسرحية "مضارب بني نفط" لتعيد المسرح الكوميدي إلى مساره
الصحيح. فقد جاءت المسرحية بمضامين ذات أهمية كبيرة في الجانب الحضاري والتنموي
للمجتمع الكويتي.
مسرحية "مضارب بني نفط" عبارة
عن لوحات متفرقة، يربطها إطار واحد، وهو رجل أمي يرغب في استثمار أمواله بدخول حقل
الإنتاج المسرحي "غانم الصالح"، لذا يتفق مع مؤلف جاد "جاسم
النبهان" لكتابة نص مسرحي، وتبدأ اللوحة الأولى "نقد المسرح"
وبحوار بين المؤلف والمنتج.
يتم محاكمة المسرح في الكويت من خلال
هذا الحوار، والذي يكشف نكوص المسرح عن أهدافه ومهامه الأساسية، وتحوله إلى تجارة
استهلاكية تعرض "أي كلام" للناس، كما يتم إدانة العاملين وراء هذه
التجارة.
ويعرض المؤلف على المنتج مشروع مسرحيته
الجادة، ويدعوه لمشاهدة المشهد الأول منها، وهو مشهد السوق في الكويت؛ حيث تبدأ
اللوحة الثانية. وفي هذه اللوحة تسلط المسرحية ضوءها على القيم الاستهلاكية التي
تهيمن على المجتمع الكويتي، وتقف عند بعض من مظاهر الظاهرة الاستهلاكية؛ حيث تبين
مدى تغلغل المظاهر الكذابة في الإنسان الكويتي، وتأثيره على سلوكياته ونمط حياته.
كما تكشف مساهمة تجار السوق في تكريس هذه الظاهرة تحت مسميات مختلفة، تارة تسمى
"الأقساط"، وتارة تسمى "المرابحة" وغيرها من مسميات. وتأتي
اللوحة الثالثة لتناقش مشكلة الإصلاح الإداري في الكويت، والتي تطلق عليه الجهات
الرسمية "تطوير إداري"، وتنتقد المسرحية بعض الأمراض الإدارية في الجهاز
الحكومي، كما تعلق على محاولات التطوير التي يقوم بها جهاز التطوير الإداري في
ديوان الموظفين.
وفي اللوحة الرابعة يتم تسليط الضوء على
المشكلة التعليمية في دولة الكويت، من خلال حوار بين وكيل الوزارة "سعد
الفرج" وإحدى المدرسات أبناء الأسر المتنفذة. وتعالج المسرحية جانبًا واحدًا
من هذه المشكلة. أما اللوحة الخامسة فتكون حول الديوانية الكويتية التي تعرض
مجموعة نماذج بشرية للكويتيين. كما تقدم صورة لبعض العلاقات الاجتماعية من خلال
هذه الديوانية. وفي اللوحة الأخيرة يتم مناقشة قضية عودة الحياة النيابية
والتجمعات الأخيرة التي تمت في بعض المناطق.
ملاحظات حول المسرحية:
المسرحية من حيث المضمون عمل جاد، يضاف إلى الأعمال الجادة التي جعلها المؤلف خطًّا عامًّا لأعماله
الأخيرة، فهي لا تحاكي الغرائز بل تحاكي العقول. كما أنها لا تختار المقولات
السهلة، بل تختار المقولات الصعبة التي هي موضع حوار المثقفين.
المسرحية من حيث النص الأدبي ضعيفة، فهي مجموعة مشاهد ترتبط برابط ضعيف، وتعتمد على
"الديالوج" الحوار الثنائي في كثير من الأحيان. وتخلو من الحركة
المسرحية التي تعتمد على تفاعل الأحداث، إذ أن الحدث الرئيسي هو الحوار. ولو أراد
كاتب المسرحية أن يحولها إلى عمل إذاعي فلن يجد مشقة إذ أن معظم المشاهد تخلو من
الحركة المسرحية.
المعالجة المسرحية للمقدمة الموضوعية فالمقدمة تريد أن تقول: إن هناك مجموعة ظواهر خطيرة في المجتمع الكويتي يجب
معالجتها والانتباه إليها، ومن أبرزها العمل المسرحي، القيم الاستهلاكية، القضية
التربوية، نمط الحياة الاجتماعية، القضية السياسية. وجاءت معالجة هذه القضايا بشكل
مباشر كالذي تطرحه المقالات الصحفية. وجاء بعض هذه المعالجات ناقصًا مثل المعالجة
للقضية التربوية والقضية السياسية. ويفترض أن للمسرح خصوصيته في المعالجة، فهو
يعتمد على الحركة وتفاعل الحدث بقدر ما يعتمد على الحوار. وتتصف معظم الأعمال
الجادة للمؤلف عبد الأمير التركي بميلها الخفيف للمعالجة المباشرة من خلال الحوار
الثنائي. ولكن في هذا العمل كانت هذه الصفة هي السمة الغالبة.
المعالجة الموضوعية للقضايا التي تقدمها
المسرحية فقد سلطت الضوء على بعض الجوانب المسببة لهذه الظواهر، ولكنها أغفلت جوانب
أخرى. فالقيم الاستهلاكية ليست وليدة الأقساط أو المرابحة فحسب، وليست وليدة
الإعلان التجاري، بل إنها وليدة قيم اجتماعية جديدة وافدة، ووليدة نظام اقتصادي
تبعي لا يحمل أية هوية. ووليدة غياب خطة طويلة المدى لبناء الإنسان. وكذلك القضية
التربوية، فليست مشكلتها هي الأشخاص، ولا غياب التنشئة السياسية، بل تكمن خطورة
القضية التربوية في جمود بنية التعليم في الكويت، وعدم ملاءمتها للواقع الكويتي.
وتكمن كذلك في غياب الخصوصية الكويتية للنظام التعليمي، ناهيك عن جوانب أخرى ليس
مكانها هنا. أما بالنسبة للقضية السياسية فقد كانت هناك جرأة من المؤلف في تناول
موضوع عودة الحياة النيابية والتجمعات الأخيرة في نفس الفترة التي تمت فيها
الأحداث. ونحن رغم تحفظنا على المعالجة الموضوعية لهذه القضية، إلا أننا نشكر المؤلف
على جرأته ونقول: "ليس بالإمكان أحسن مما كان".
الأداء التمثيلي لقد كان ضعف النص عاملًا مؤثرًا على أداء الممثلين. فرغم أن أبطال المسرحية
يعتبرون هم من الصف الأول من ممثلي الكويت، إلا أن ضعف النص لم يمكنهم من إبراز
قدراتهم ومهاراتهم. فالنص "كما قلنا" لا يعتمد على تفاعل الأحداث، بل
يعتمد على الحوار، لذلك ضاعت كافة جهود الممثلين في خلق حركة على المسرح تقنع
المشاهد بالعمل المسرحي. ولعله من المهم أن نشير إلى إمكانات "كنعان
أحمد" التمثيلية الكوميدية.
في الختام تبقى هذه المسرحية
على ضعفها من أفضل الأعمال الكوميدية الجادة التي قدمتها الفرق المسرحية الكويتية
هذا الموسم. فلقد كان النص والإخراج يمثلان روح الالتزام بالجدية. وحتى الكوميديا
التي قدمتها هذه المسرحية كانت خالية من التهريج والبهلوانية والابتذال اللفظي. ولحرصنا
على ألا يتحول المسرح إلى أداة هدم للإنسان نؤيد كل خطوة جادة تعمل على البناء.
ونرى أن مؤسسات الدولة الرسمية مطالبة بأن تقف وراء هذه الأعمال الجادة؛ حتى تقدم
أعمالًا مدروسة وأكثر نضجًا. والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل