العنوان المدينة المنورة .. مزارات وتاريخ (٤) مسجد الفتح.. غزوة الأحزاب
الكاتب محمد عبدالله فرح
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1950
نشر في الصفحة 52
السبت 30-أبريل-2011
- يقع مسجد الفتح في منطقة تسمى «السيح» على جبل «سلع» وتم بناؤه أثناء غزوة «الأحزاب».
- تم حفر الخندق من الغرب جهة جبل «سلع» إلى الشمال الغربي جهة جبل «أحد » بطول 3 كيلومترات وعرض ٤ - ٦ أمتار.
- فشل هجوم الأحزاب على المدينة ورحلوا عقب حصار دام نحو ٢٨ يوما ... بعد أن أرسل الله عليهم الملائكة يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب.
سبب الغزوة أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير، وساروا إلى خيبر، فخرج نفر من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق.. وغيرهم، وقاموا بتحريض الأحزاب وتجميعهم على رسول الله ، وعندما علم الرسول بخروج الأحزاب للهجوم على المدينة أسرع وندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم في الأمر فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق وقال: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا فأعجبهم ذلك، وقام الرسول ﷺ إلى تنفيذ خطة حفر الخندق، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعا .
وعن أنس رو قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا بالمهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال ﷺ : «اللهم إن العيش عيش الآخرة.. فاغفر للأنصار والمهاجرة»، فقالوا مجيبين له: «نحن الذين بايعوا محمدا.. على الجهاد ما بقينا أبداً»، وفيه عن البراء بن عازب قال: رأيته ﷺ ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب ويقول:
«اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى رغبوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا»
وتم حفر الخندق من الغرب جهة جبل «سلع» إلى الشمال الغربي جهة جبل «أحد»، وكان طوله حوالي ثلاثة كيلومترات، وعرضه ٤ - ٦ أمتار، وعمقه بطول الرجل وهو رافع يديه إلى أعلى.
وصف المعركة
وأقبلت قريش في أربعة آلاف، حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلاف حتى نزلوا بذنب نَقْمَي إلى جانب «أحد» ..
وخرج رسول الله في ثلاثة آلاف من المسلمين، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع، فتحصنوا به، والخندق بينهم وبين الكفار، وكان شعارهم :«حم لا ينصرون»، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة.
﴿ولما رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾)الأحزاب 22)
وأما المنافقون وضعفاء النفوس فقد تزعزعت قلوبهم لرؤية هذا الجيش ﴿وإذ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾(الأحزاب 12).. ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام المدينة، وجدوا خندقاً عريضاً يحول بينهم وبينها، فالتجؤوا إلى فرض الحصار على المسلمين، وكره فرسان من قريش أن يقفوا حول الخندق من غير جدوى في ترقب نتائج الحصار، فإن ذلك لم يكن من شيمهم، فخرجت جماعة فيها عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب.. وغيرهم، فتيمموا مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، ودعا عمرو إلى المبارزة، فانتدب له علي بن أبي . طالب، وقال كلمة حمي لأجلها - وكان من - شجعان المشركين وأبطالهم - فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي ، فتجاولا وتصاولا حتى قتله علي رضي الله عنه ، وانهزم الباقون وفروا هاربين.
محاولات الاقتحام
وقد حاول المشركون في بعض الأيام اقتحام الخندق محاولة بليغة، أو لبناء الطرق فيها، ولكن المسلمين كافحوا مكافحة مجيدة ورشقوهم بالنبل، وناضلوهم أشد النضال حتى فشل المشركون في محاولتهم.
وفات بعض الصلوات عن رسول الله ﷺ والمسلمين، ففي الصحيحين عن جابر رماله، أن عمر بن الخطاب الله جاء يوم الخندق، فجعل يسب كفار قريش، فقال: يا رسول الله ، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي ﷺ: «وأنا والله ما صليتها»، فنزلنا مع النبي ﷺ بطحان فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب .
ففي البخاري عن علي رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال يوم «الخندق»: «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس».
نقض العهد
وفي أثناء ذلك قام كعب بن أسد سيد بني قريظة وصاحب عقدهم وعهدهم بنقض عهده مع الرسول ﷺ ، وكان قد عاهد رسول الله ﷺ على أن ينصره إذا أصابته حرب، وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين، ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين.. وانتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين فبادر إلى تحقيقه، حتى يستجلي موقف بني قريظة فيواجهه بما يجب من المواجهة العسكرية، وبعث لتحقيق الخبر السعدين؛ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وعبدالله بن رواحة، وخوات بن جبير، وقال: « انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقاً فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تَفُتُوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس»، فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون، فقد جاهروهم بالسب والعداوة، ونالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا : من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ، ولا عقد.. فانصرفوا عنهم، فلما أقبلوا على رسول الله ﷺ لحنوا له، وقالوا : عَضَل وقارَة : أي إنهم على غدر كغدر عضل وقارة بأصحاب الرجيع.
وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين بني قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ وصاروا كما قال الله تعالى : ﴿ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ باللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالَا شَدِيدًا ﴾ (الأحزاب 10،11).
ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.. وحتى قال بعض آخر في ملأ من رجال قومه إن بيوتنا عورة من العدو، فائذن لنا أن نخرج، فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة.. وحتى همت بنو سلمة بالفشل وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةِ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾ ( الأحزاب 12،13)
أما رسول الله ﷺ فتقنع بثوبه حين أتاه غدر بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلا حتى اشتد على الناس البلاء، ثم نهض مبشرا يقول: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره»، ثم أخذ يخطط المجابهة الظرف الراهن:
بعث الحرس إلى المدينة؛ لئلا تؤتى النساء والذراري على غرة.
عمل رسول الله ﷺ على تخاذل الأحزاب، وتحقيقاً لهذا الهدف أراد أن يصالح عيينة بن حصن، والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، حتى ينصرفا بقومهما، ويخلو المسلمون لإلحاق الهزيمة الساحقة العاجلة بقريش ولكن رفض السعدان سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة ذلك، فقالا : يا رسول الله، أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: «بل شيء أصنعه لكم»، فقال له سعد بن معاذ :
يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى (ما يصنع للضيف من طعام ) ، أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا والله ما لنا بهذا حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، قال الرسول : »فأنت وذاك » .
جاء نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي رضي الله عنه وهو من غطفان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني ما شئت، فقال رسول الله ﷺ: «إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا . ما استطعت، فإن الحرب خدعة»، وبالفعل نجح نعيم بالتخذيل بين بني قريظة وقريش فتخاذل الفريقان ،ودبت الفرقة بين صفوفهم وخارت عزائمهم.
الدعاء أثناء الغزوة
كان المسلمون يدعون الله تعالى: «اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، ودعا الرسول ﷺ على الأحزاب وقال: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم».
عن جابر بن عبدالله، أن النبي ﷺ «دعا في مسجد الفتح ثلاثا، يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء؛ فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه » (رواه أحمد)، وأرسل الله عز وجل على المشركين جندا من الريح : فجعلت تقوض خيامهم
ولا تدع لهم قدراً إلا كفأتها، ولا طنبا إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار، وأرسل جندًا من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف.. وخرج الأحزاب من المدينة بعد حصار دام نحو ثمانية وعشرين يومًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل