العنوان رمضان شهر القرآن
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009
مشاهدات 55
نشر في العدد 1866
نشر في الصفحة 18
السبت 22-أغسطس-2009
(*) أكاديمي
سعودي-المشرف على موقع التاريخ
www.altareekh.com
ها قد أقبل رمضان ببركاته وأنواره، وخيراته وجلاله، وهو خير شهور السنة
وأعظمها، وسر عظمته نزول القرآن فيه، قال تعالي:﴿ شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾(سورة البقرة: أيه رقم185)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾(سورة القدر: أيه رقم1)، وقال جل من قائل:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا
كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾(سورة الدخان: أيه رقم3)
فهذا الشهر شرف وعظم بإنزال القرآن فيه، هذا الكتاب العظيم الذي أخرج العرب
الأوائل من الظلمات إلى النور، ومن العتو والنفور إلى الطاعة والإقبال ومن الشرك
إلى التوحيد، ومن التعلق بسفساف الأمور ودناياها إلى مصاولة جلائلها وعظائمها، ولم
يكن هذا التغيير قاصرا على العرب فقط، بل إن كل أمة استضاءت بنور القرآن وهديه كان
لها نصيب جليل من التغيير بقدر ما أقبلت على هذا الكتاب العظيم.
هدي النبي مع القرآن
وقد كان هدي رسول الله ﷺ مع القرآن في رمضان أن يعارض به جبريل في ورد سنوي جليل، فكان ﷺ يقرأ القرآن على جبريل عليه السلام، ثم
يقرؤه جبريل عليه السلام على النبي ﷺ، فيما يعرف في علوم القرآن بـ«العرضة»، وسن
النبي ﷺ لأصحابه قيام الليل جماعة بالقرآن، وقد أم بهم بضع ليال ﷺ.
ولما كان زمان خلافة الفاروق رضى الله عنه جمع الصحابة على عشرين ركعة
يؤمهم فيها أبي ابن كعب وتميم الداري رضى الله عنهما فيما عرف بصلاة التراويح، وقد
كان السلف يقبلون على القرآن في رمضان ما لا يقبلون على غيره.
أحوال السلف مع القرآن
وكان مالك الإمام رحمه الله تعالى إذا جاء رمضان أقبل على القرآن وترك ما
سواه وقد ثبت من وجوه عن الإمام الشافعي أنه ختم القرآن في رمضان ستين ختمة، وقد
كان الإمام الكبير ابن عساكر رحمه الله تعالى قد اعتكف طوال رمضان ليصل إلى ما وصل
إليه الإمام الشافعي فلم يقدر إلا على تسع وخمسين ختمة، وهذا الإمام ابن الحداد
المالكي الإسكندري يقرأ القرآن في رمضان أربعين مرة.
والأخبار عن سلفنا في الإقبال على القرآن والإكثار من قراءته كثيرة جدًا،
وحسبي أن أختمها بما قالته صفية زوج عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما سئلت عن
حال ابن عمر في رمضان فقالت: لا تقدرون عليه إنما هو القرآن ينشره ويقرأ فيه.
بركة هذا الشهر العظيم
والناظر لحال الناس في هذه الأزمان في رمضان يرى عجبا، فهذه المساجد تمتلئ
بالمصلين الذي يحرصون على البقاء فيها مدة طويلة بين الصلوات وقبلها وبعدها
القراءة القرآن، وأكثر هؤلاء قلما يرون في المساجد في غير رمضان!! وصلاة التراويح
تجمع الناس على وجه عجيب، وربما امتلأ بهم المسجد، وكثير من هؤلاء لا يؤمون
المساجد إلا لماما في غير رمضان !! وهذا من بركة هذا الشهر العظيم.
وهناك مسألة مهمة وهي الإكثار من الختم في رمضان والتنافس فيه، فإن كثيرا
من الناس يختم مرة ومرتين وثلاثا، وربما ختم بعض الناس أكثر من ذلك، فهل هذا هو الأفضل
والأحسن؟
عنوان القرآن
إني أرى -والله أعلم -أن يقتصر المرء على ختمة واحدة في رمضان، يتلوها
بتدبر وتمهل ومكث، وينظر في المعاني والتفسير وينظر في شأنه مع أوامر القرآن
ونواهيه فذلك خير له من ختمات متتابعات لا يكاد يلوي على شيء من التدبر والتفكر
والتفهم وقد سئل أحد السلف عن عنوان القرآن فقيل له: إن لكل كتاب عنوانا فما عنوان
القرآن؟ فقال وأحسن رحمه الله: عنوان القرآن هو قوله تعالى:﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(سورة ص: أيه رقم29) فالتدبر هو عنوان القرآن الأول والأعظم، و به
ساد الأوائل وفازوا، وبه وضعت الأسس العظيمة للحضارة الإسلامية الجليلة.
فما الفائدة التي تعود على المرابي وهو يقرأ قوله تعالى مرة ومرتين وثلاثا
في رمضان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ
فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾(سورة البقرة: أيه رقم278:279)، يقرؤها ويسمعها مرارا، ثم هو لا يرعوي ولا
يكف، وما الفائدة التي تعود على شارب الخمر وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ
وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴾(سورة المائدة: أيه رقم90)، ثم لا ينتهي ولا يرعوي، والشيء نفسه يقال عن الزاني
والعاق. إلخ.
والأمة اليوم بحاجة إلى إحسان قراءة القرآن في رمضان، وإلى جودة النظر في
آياته، وإلى الانتقال من النظر إلى العمل ومن القراءة باللسان إلى العمل بالأركان،
وقد أحسنت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها جوابا حين سألها السائل عن خلق النبي ﷺ فقالت له: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم، فقالت: كان خلقه القرآن ﷺ، فأين نحن من هذا؟
إن القرآن يحثنا على مكارم الأخلاق وكثير منا ساءت أخلاقه، والقرآن يحثنا
على النظر في الكون والأمة الإسلامية اليوم تعاني من التخلف عن الركب ومن التبعية
لغيرها في كل شؤونها تقريبًا، وإن القرآن الكريم ينهى المسلمين عن الوقوع في
الفواحش وأكثر عواصم بلاد الإسلام اليوم تعج بالموبقات والفواحش من خمر وزنا وربا،
وإن القرآن الكريم يأمرنا بتحقيق عقيدة الولاء والبراء وكثير من المسلمين حكاما
ومحكومين ضعفت هذه العقيدة في نفوسهم حتى والوا الكفار وعادوا الصالحين
والمجاهدين! وأن القرآن العظيم يأمرنا بوضوح أن نعد العدة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ
مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾(سورة الانفال: أيه رقم60)، وأننا لن
تتغير أحوالنا إلى الأحسن والأفضل حتى نغير مابنا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(سورة الرعد: أيه رقم11)، ثم نحن هؤلاء لا نتغير إلا
قليلًا، ولا نعد لأعدائنا ما ينبغي من عدة ولا نقيم مجتمعنا على ما يجب أن نقيمه
على من الدعائم القويمة.
ختم القرآن مرة واحدة بتدبر وتمكن خير للمسلم من ختمات متتابعات بلا تمعن
واعتبار
اتخاذ القرآن عونًا وقوة وسندًا يساعد الدعاة على إصلاح المجتمع ودعوته إلى
الخير والرشد والعفاف
إن الناظر للناس اليوم في إقبالهم على صلاة التراويح
وفي إقبالهم على قراءة القرآن في المساجد قد لا يري فرقًا كبيرًا في ظاهر أمرهم
وبين حالهم وحال سفلنا رضي عنهم، لكن الفرق الهائل هو التدبر والتفكر والتفهم، ثم العمل بهذا التدبر والتفكر
والتفهم والوقوف التام عند حدود القرآن وتعظيم شأنه إلى الغاية من التعظيم، هذا هو
الفرق الذي يلوح لي، وإلا فماذا نقول عن هذه الملايين الكثيرة التي تفزع إلى
المساجد صلاة وقراءة للقرآن، ونرى خشوعا، ونسمع بكاء فما هو الشيء الذي ينقص هذه
الجموع إذن إني أراه التدبر والتفكر، والتفهم، والعمل بعد ذلك، والوقوف عند حدود
الله تعالى.
إلى صفوة الأمة
ثم إني لابد لي من كلمة للدعاة والعاملين والصالحين الذين هم صفوة الأمة
ولباب القوم: إنكم تريدون إصلاح المجتمع ودعوته إلى الخير والرشد والطهارة والعفاف
وهذا أمر جليل عظيم، فاتخذوا من القرآن عونًا وقوة وسندًا، وأقبلوا عليه وانهلوا
من معينه، وكونوا أول أخذ بأوامره، وأول منته عن نواهيه، فأنتم الذين ترنو إليكم
الأنظار وترمقكم الأبصار، فالله الله في الذي استؤمنتم عليه واستحفظتموه، واعلموا
أنه لا مخرج لنا جميعا، ولا كاشف لما نحن فيه إلا العمل بالقرآن العظيم.
وكلمة للحكام
إن الله استرعاكم رعية فماذا صنعتم في رعيتكم؟ إن الملايين التي تحكمونها
اليوم ستقف غدا بين يدي الله تعالى، تشكوكم إن لم تحكموهم بالقرآن، ولم تأخذوهم
بهديه فلن ينفعكم الاحتفال بليلة القدر إن أعرضتم عن القرآن سائر أيام السنة.
وكلمة لقادة الجماعات الإسلامية
إن القرآن يأمر بالاجتماع والاعتصام بحبل الله تعالى والبعد عن كل أسباب
النزاع والفرقة، وبين بوضوح أن هذا هو سبيل النصر﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(سورة الأنفال: أيه رقم46)، فاتقوا الله تعالى في هذه الأمة، وكونوا أول
أخذ بهذا القرآن ومعتصم به فإنه يقيكم من الزلل في التصورات والأعمال والأفكار،
ويعصمكم من مؤامرات أعدائكم وتربص خصومكم.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن قرأ هذا الكتاب فأحسن العمل، واتقى الخلل،
وقصر من الأمل، واستعد للأجل إنه ولي ذلك والقادر عليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل