; المجتمع التربوي (العدد 1257) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1257)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1997

مشاهدات 64

نشر في العدد 1257

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 08-يوليو-1997

وقفة تربوية

أركان الحكمة

يقول الإمام ابن القيم الجوزية: «للحكمة ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة، وآفاتها وأضدادها: الجهل، والطيش، والعجلة، فلا حكمة لجاهل، ولا طائش ولا عجول، والله أعلم» (مدارج السالكين 2 \ 480)، فالحكمة التي هي كما قيل: «فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي» لا بد لها من أركان وأسس تقوم عليها حتى تكون نتيجتها بمثل هذه الدقة بالأداء، لتعود على صاحبها بهذا الخير الكثير كما ذكر الله تعالى: ﴿يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ ﴾ (سورة البقرة: 269)، هذه الأركان كما ذكرها الإمام ابن القيم هي:

1- العلم: فلا يقوم بعمل إلا ويعلمه، وإذا كان جاهلًا به، يسعى لتعلمه، ولا يقول قولًا إلا ويعلم معناه، وأثره على الآخرين، ومتى يقال، ولا يقدم على شيء من أمور الدنيا والآخرة، إلا ويسعى لتعلم تفاصيله، متى يجنب نفسه الوقوع بالخطأ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا بعلم.

2- الحلم: فيتحلى بالصبر على ما يلاقيه من أذى الناس وجهلاتهم، ليس ضعفًا منه بل تعقلًا ألا يصيب بذلك معصية، وترفعًا من النزول إلى من نزلت أخلاقه، يقول أبو حاتم البستي: «لو لم يكن في الحلم خصلة تحمد إلا ترك اكتساب المعاصي، والدخول في المواضيع الدنسة، لكان الواجب على العاقل ألا يفارق الحلم ما وجد إلى استعماله سبيلًا» (روضة العقلاء 209).

3- الأناة: فلا يتسرع باتخاذ الأحكام أو القرارات خاصة فيما يتعلق في أمور الدنيا، قبل أن يتبين ويتثبت، ويدرس الأمور بإيجابياتها وسلبياتها، ومصالحها ومفسداتها، ويستشير أصحاب الخبرات، وأصحاب الدين والورع والتقوى، فالاستشارة في الأمور من أبرز صفات الحازم، حيث تقول العرب «أول الحزم الاستشارة».

والحزم من أبرز صفات العقلاء، ومن استشار في أموره قلت أخطاؤه، لأنه يستفيد من تجارب الآخرين، ما أحرى الدعاة والمصلحين والحكام والمربين أن يتفكروا بهذه الأركان ليقللوا من أخطائهم فينعكس أثر ذلك على من يعولون ویربون.

أبو خلاد

***

الضوابط الشرعية لانتقاء النقول (2 من 3)

الكرامات.. ومصادمة الشرع والعقل

بقلم: عبد الحميد جاسم البلالي

 عدم سؤال الجنة يخالف كتاب الله U والمبالغة في البكاء والامتناع عن الطعام يخالف هدى النبي .

ذكرنا في الحلقة الأولى القسم الأول من هذه الضوابط وهو «مصادمته لنص في كتاب الله والسنة»، والقسم الثاني وهو «مصادمته لصريح العقل»، والذي ينقسم إلى عدة اقسام ذكرنا منها:

أ- ختم القرآن.

ب- صلاة النافلة.

ج- إجراء الكرامات.

ونكمل في هذه الحلقة ما جاء في مسألة الكرامات من نقول تصادم صريح العقل والضوابط الشرعية التي وضعها العلماء:

ومن أمثلة ذلك ما جاء في صفة الصفوة «عن أبي حمزة نصير بن الفرج الأسلمي، وكان خادمًا لأبي معاوية الأسود قال: كان أبو معاوية قد ذهب بصره، فكان إذا أراد أن يقرأ فتش المصحف وفتحه فيرد الله عليه بصره، وإذا أطبق المصحف ذهب بصره».(1)

ومن أمثلة ذلك أيضًا ما أورده الذهبي في سير الأعلام في ترجمته للتابعي أيوب السختياني، قول عبد الواحد بن زيد: «كنت مع أيوب السختياني على حراء، فعطشت عطشًا شديدًا، حتى رأى ذلك في وجهي، وقلت له: قد خفت على نفسي، قال: تستر علي؟ قلت: نعم، فاستحلفني، فحلفت له ألا أخبر أحدًا ما دام حيًا، فغمز برجله على حراء، فنبع الماء، فشربت حتى رويت وحملت معي من الماء».(2)

يقول الإمام الذهبي معلقًا: «لا يثبت هذا»، فصاحب الكرامة لا يدعيها، ولا يختارها حيث يشاء، ولا يفتخر بها، بل تأتي دون إرادة منه، ولا تأتي إلا للصالحين، وهؤلاء المروي عنهم لا نشكك في صلاحهم، بل نشكك في رواية الرواة وزياداتهم، ومن أمثلة ذلك كثير، خاصة في كتب تراجم الصوفية، مثل كتاب حلية الأولياء، وكتاب إحياء علوم الدين وغيرها من الكتب.

د- الامتناع عن الطعام:

يسوقون ذلك على أنه من الكرامات، ولا يصح هذا لا نقلًا ولا عقلًا، ومن أمثلة ذلك ما أورده الإمام الذهبي في سير الأعلام: «عن أبي أسامة قال: سمعت الأعمش يقول: قال إبراهيم التيمي: ربما أتى علي شهر لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا، لا يسمعن هذا منك أحد، وقال: ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب».(3)

وكان  ينهى أصحابه عن الوصال في الصوم فيقولون له: «إنك تواصل، فيقول: «لست كهيئتكم إني أبيت - وفي رواية: إني أظل - عند ربي يطعمني ويسقيني».(4)

ونهى عن الوصال في حديث أبي سعيد الخدري، قول النبي : «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر».(5)

فقد نهاهم عن ذلك رحمة بهم، ولأن ذلك خاص به r، فإن الله هو الذي يطعمه ويسقيه، بينما هم لا يملكون هذه الخاصية، فربما سبب لهم ذلك الجوع الشديد، وربما الضعف الشديد الذي لا يستطيعون من خلاله القيام بالعبادة بقوة وصحة، فلا يفقهون منها شيئًا، كما أن الانقطاع عن الطعام كل هذه المدة لا يمكن أن يبقي أحدًا على الحياة.

هـ- كثرة الأذكار:

لا شك أن الإكثار من الأذكار أمر مطلوب شرعًا، وقد جاء الكثير من الأحاديث يحث على ذلك، ولكن الروايات التي تذكر بعض الصالحين وكثرة ذكرهم لله تتجاوز المعقول، ومن أمثلة ذلك ما جاء في كتاب «صفة الصفوة» عن سعيد ابن عبد العزيز قال: قلت لعمير بن هاني: أرى لسانك لا يفتر من ذكر الله U، فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف إلا أن تخطئ الأصابع».(6)

فإنه يوجد في الأربع وعشرين ساعة 86,400 ثانية وواضح أنها ليست مائة ألف، هذا إذا لم يذهب لصلاة الفريضة والطعام والنوم وقضاء حاجاته، فهل يعقل مثل هذا الأمر؟.

و- المبالغة في البكاء:

هدي النبي r في البكاء أنه كان يخفيه ولا يظهره أمام الناس، وكذلك كان هدي الصحابة والتابعين، ولا يظهر إلا إذا غلبهم ولم يستطيعوا مغالبته، هذا هو الأصل في هذه المسألة، لكن قومًا جاءوا من بعد هذه القرون الخيرة، وابتدعوا في البكاء ما لم يفعله من كانوا خيرًا منهم، وجاء الرواة وزادوا في إبراز مثل هذه الروايات حتى خرجت عن المعقول، فلا يصدقها إلا من فقد عقله، ومن أمثلة ذلك ما أورده الإمام ابن الجوزي في كتابه «اللطف في الوعظة» قوله: «كان عطاء السلمي يبكي في غرفته حتى تجري دموعه في الميزاب إلى الطريق، فقطرت دموعه يومًا فصاح رجل: يا أهل الدار ماؤكم طاهر؟ فقال عطاء: اغسل فإنه دمع من عصى الله تعالى»(7)، ألهذه الدرجة يستخف الرواة بعقولنا؟ إن مما يؤسف له أن يستخدم مثل هذه النقول بعض الوعاظ الخطباء على منابر الجمعة.

القسم الثالث: مصادمته لهدي النبي r:

الضابط الثالث من الضوابط الشرعية لانتقاء النقولات ما يخالف هدي النبي r، والأصل في ذلك أن كل ما خالف هديه r فهو مردود كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وقد امتلأت كتب الرقائق بمثل هذه الروايات المخالفة لهديه r، ومن أمثلتها:

أ- عدم سؤال الله الجنة:

فقد أورد ابن الجوزي في كتابه سلوة الأحزان ما جاء في ترجمة التابعي صلة ابن اشيم «أنه كان يقول: إلهي أسألك أن تجيرني من النار فإن مثلي لم يستجرئ أن يسألك الجنة»(8)، وهو مخالف لما بينه الله تعالى في كتابه الكريم حيث قال: ﴿ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠﴾ (سورة الأنبياء: 90).

ويقول الرسول r: «اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل».(9)

ويقول له: «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه سر الجنة»(10)، فالذي أمرنا به الإله تعالى وأمرنا به نبيه r أن نسأله الجنة، ونستعيذ به من النار، هذا هو هديه r، مخالف له فهو مردود على صاحبه.

ب- ختم القرآن:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله r: «اقرأ القرآن في كل شهر» قال: قلت إني أجد قوة، قال: «فاقرأه في عشرين ليلة»، قال: قلت: إني أجد قوة، قال: «فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك».(11)

وروي عن وهب بن منبه عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن النبي r أمره أن يقرأ القرآن في أربعين.(12)

قال محمد بن إسماعيل: قد قال بعضهم: في ثلاث، وفي خمس، وأكثرهم على سبع.

قال رحمه الله: الاختيار عند أكثر أهل العلم الترتيل في القراءة، قال إسحاق بن إبراهيم: لا نحب للرجل أن يأتي عليه أكثر من أربعين يومًا، ولم يقرأ القرآن، للحديث.

وقال بعض أهل الحديث: لا يقرأ في أقل من ثلاث، وروي عن عبد الله بن عمرو أن النبي r قال: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث».(13)

هذه هي سنة النبي r في ختم القرآن الكريم، فقد قال بعبارة واضحة «لم يفقه من قرأ القرآن في ثلاث»، ولن يكون هناك من هو أورع أو أتقى أو أحرص من النبي r في ذلك.

ومما جاء في الروايات والأخبار في كتب الرقائق عن ذلك ما أورده الإمام الذهبي في ترجمته عن التابعي سليم بن عتر أنه «كان يختم كل ليلة ثلاث ختمات، ويأتي امرأته ويغتسل ثلاث مرات، وإنها قالت بعد موته: رحمك الله، لقد كنت ترضي ربك وترضي أهلك».(14)

وبالرغم من مخالفته لهدي النبي r إلا أنه أيضًا لا يعقل ويستحيل تصديقه كما ذكرنا في الضابط الثاني، والأمر الملفت للنظر في هذه الرواية هو جرأة زوجة التابعي وقلة حيائها إلى هذه الدرجة لتقول ما قالت، فهل يعقل أن امرأة تابعي يقل فيها قلة الحياء إلى هذه الدرجة؟

ج- يشتهون ولا يأكلون:

يعتبر بعض مصنفي كتب الرقائق بأن ذلك ميزة إيمانية، وجزءًا من الشخصية الزاهدة، فيبرزون مثل هذه الروايات التي يمتنع أصحابها عما أحل الله من الطعام، ليس ورعًا، بل اعتبار ذلك من فتنة الدنيا التي يجب الابتعاد عنها.

فمما أورده الإمام ابن الجوزي في الحديث عن الإمام مالك بن دينار «عن عثمان بن إبراهيم قال: سمعت مالك بن دينار يقول لرجل من أصحابه إني لأشتهي رغيفًا بلبن رائب، قال: فانطلق فجاء به قال: فجعله على الرغيف، فجعل مالك يقلبه وينظر إليه ثم قال: أشتهيك منذ أربعين سنة، فغلبتك حتى كان اليوم، وتريد أن تغلبني؟ إليك عني، وأبى أن يأكله».(15)

وهذا مخالف بلا شك لهديه r ولا يمكن أن يصنف بأنه من الزهد في شيء، بل تأثرًا بعبادة الهنود والصينيين من الرهبان وغيرها، ونستبعد أن تكون رواية صحيحة عن الإمام مالك بن دينار، أما هديه r في الطعام فقد لخصه الإمام ابن القيم في كتابه القيم «زاد المعاد» حيث قال:

«وكذلك كان هديه r، وسيرته في الطعام، لا يرد موجودًا، ولا يتكلف مفقودًا، فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافه نفسه، فيتركه من غير تحريم، وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، كما ترك أكل الضب لما لم يعتده، ولم يحرمه على الأمة، بل أكل على مائدته وهو ينظر، وأكل الحلوى والعسل، وكان يحبهما، وأكل لحم الجزور، والضأن والدجاج، ولحم الحباري، ولحم حمار الوحش، والأرنب، وطعام البحر، وأكل الشواء، وأكل الرطب والتمر، وشرب اللبن خالصًا ومشوبًا، والسويق، والعسل بالماء، وشرب نقيع التمر، وأكل الخزيرة، وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق، وأكل القثاء بالرطب، وأكل الإقط، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكثر الثريد، وهو الخبز باللحم، وأكل الخبز بالإهالة، وهي الودك، وهو الشحم المذاب، وأكل من الكبد المشوية، وأكل القديد، وأكل الدباء المطبوخة، وكان يحبها، وأكل المسلوقة، وأكل الثريد بالسمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطيخ بالرطب، وأكل التمر بالزبد، وكان يحبه، ولم يكن يرد طيبًا، ولا يتكلفه، بل كان هديه أكل ما تيسر، فإن أعوزه، صبر حتى إنه ليربط على بطنه الحجر من الجوع، ويرى الهلال والهلال والهلال، ولا يوقد في بيته نار».(16)

(1 ) صفوة الصفوة 4 \ 272.

(2 )سير أعلام النبلاء 6 \ 23.

(3 )سير أعلام النبلاء 5 \ 61.

(4 ) البخاري 4 \ 179 في الصوم.

(5 ) البخاري 4 \ 181.

(6 ) صفة الصفوة 4 \ 123.

(7 ) اللطف في الوعظ، 67.

(8 ) سلوة الأحزان، 95.

(9 ) سبق تخريجه.

(10 )سبق تخريجه.

(11 ) أخرجه البخاري 9 \ 84 في فضائل القرآن: باب في كم يقرأ القرآن، ومسلم (1159) (182) في الصيام: باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.

(12 ) أخرجه الترمذي (2948) في القراءات: باب في كم يختم القرآن، وقال: هذا حديث حسن غريب، قلت: وإسناده صحيح.

(13 ) أخرجه أبو داود (1394) في الصلاة: باب تحزيب القرآن والترمذي (2950) في القراءات: باب في كم يختم القرآن، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح.

(14 ) سير أعلام النبلاء 4 \ 132.

(15 ) صفة الصفوة 3 \ 275.

(16 ) زاد المعاد 1 \ 147، 148 - الرسالة.

المجتمع التربوي

كيف تكون محبوبًا؟ (2)

بقلم: علي بن حمزة العمري(1)

تناولنا في المقال السابق بعض الأسباب المؤدية إلى اكتساب محبة الآخرين، وذكرنا منها أداء الواجبات، وثمرة أداء النوافل، وتلاوة القرآن، والتصدق بالابتسامة، وكلها مقدمات وأسباب لاكتساب محبة الله، والتي يعقبها محبة الخلق، ونكمل هذه الأسباب بالعامل الخامس وهو:

5- الأخوة في الله:

وما يتبعها من الجلوس معًا لذكر الله والزيارة في الله، والبذل والصدقة في سبيل الله، وفي هذا يقول النبي r: «وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين، في والمتباذلين في»،(2) وهي أمور عظيمة تدركها أخي المحب: المحبة لله، والتجالس لله على ذكر الله، والتزاور لله، والبذل والصدقة لله.

6- إصلاح السريرة:

إنه التأثير الذي يقذفه الله تبارك وتعالى في نفوس الخلق لمحبة ذلك الإنسان، لأن له نية حسنة، وقلب يقظ، دائم التفكر في عمله، مراقب لقوله، في خطواته وخلواته، وخواطره وتفكيراته، إنهم «رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات، يحفظ الله بهم الأرض، بواطنهم كظواهرهم بل أجلى، وسرائرهم كعلانيتهم بل أحلى، وهممهم عند الثريا بل أعلى، إن عرفوا تنكروا، وإن رئيت لهم كرامة أنكروا، فالناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، تحبهم بقاع الأرض، وتفرح بهم أفلاك السماء».(3)

وهو التوجيه نحو تصفية الأحوال والأعمال الذي نادي به أبو سليمان الداراني إذ قال: «من صفى صفي له، ومن كدر كدر عليه، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره».

وكان شيخ يدور في المجلس ويقول: «من سره أن تدوم له العافية فليتق الله U».(4)

وإنه والله لتفاوت ما في القلوب من صفاء وإخلاص، فالعبد حامل في سريرته أحد طريقين: «إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر»(5)، أو «من أصلح سريرته، فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر».(6)

وهي النتيجة التي بينها النبي r للعبد ليلتمس الهدى في مسار الحياة، إذ قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنًا ما كان».(7)

وبعد «فخذ برأس الأمر يا أخي، ولا تستغرب كثرة التوصية بهذه المعاني التي مرت عليك عند الابتداء، فإنها تلزمك عند التوسط أيضًا وعند الانتهاء».(8)

7- الزهد في الدنيا:

قف وتأمل عند هذا الحديث طويلًا، فعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي - t - قال: «جاء رجل إلى النبي r فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: أزهد في الدنيا يحبك الله، وأزهد فيما عند الناس يحبك الناس».(9)

ووالله إن الزاهد لسعيد في دنياه، وسيسعد في أخراه بإذن الله، فلن تغريه شهوة، ولن يخوض في فتنة، ولن يحزن على دنيا، ولن يألم على قوات شيء منها، وقد ضرب لنا سلفنا الصالح أروع الأمثلة في ذلك، فأحبهم جميع الخلق ولم يروهم، ووالله إنه لما وقر في قلوبهم من محبة الله، بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة «ولنتأمل حال هذين الإمامين العظيمين بين عظماء الأئمة في الإسلام الذين لا يحصون كثرة»:

عبد الله بن عمر - y - لم يكن ممن خاض في الفتنة التي حصلت بين الصحابة y أجمعين، بل اعتزلها وتركها وإنه ليتذكر موعظة رسول الله r: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»(10)، فعرضت عليه الإمارة، وتولية أمور الدنيا، لكنه تركها وزهد فيها، فهو حبر من أخبار الأمة، وعظيم من عظمائها، لا يزال التاريخ يشهد له ويثني على فضله.

وشخصية أخرى تلمست الخطأ، وارتقت إلى العلا، إنه الإمام المبجل أحمد بن حنبل، فمن عجيب ما روي عنه ما قاله النيسابوري: إن أمير البلاد قال لي: «اذهب إلى أحمد بن حنبل فإذا جاؤوا بإفطاره فأرينه، قال: فجاءوا برغيفين من خبز وخيارة، فأريته للأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه».(11)

وما صادر السلف الصالح هذه المواقف لأنفسهم، بل سار على ركبهم أئمة الخير والدعوة في القرون المتأخرة، الذين ذاع صيتهم وأحبهم الناس شرقًا وغربًا، وإنه والله لزهدهم في الدنيا، وحبهم للآخرة.

وهاك حال عالمين من هذا الزمان:

الإمام الشهيد الشيخ حسن البنا - رحمه الله - أحد أعلام الدعوة المعاصرة، والتي نافح عنها كثيرًا، وقد قدم الخير الكثير، والعمل النبيل لأمته، والذي أسس جيلًا من الشباب طابت فروعه وسوقه.

لقد كان وقته مقسمًا بين طلبات دعوته، ومناجاته لربه، وحاجات أهله، ففي عبادته «كان يكثر من تلاوة القرآن في الصلاة، خصوصًا في الفجر والعشاء، وكان يقوم الليل كل ليلة تقريبًا، وكان يصوم في أوسط الشهر».(12)

وكان يجلس سويعات في منزله لقضاء حاجات أهله وولده، ومن ثم ينطلق لحركته ودعوته، لقد كان هذا الإمام إمامًا في الزهد حقًا إذ «إنه كان يتصدق كثيرًا، ويسعد بتفريج الكربات من ماله، أو من مال الدعوة، ولا نعلم أنه كان له مال تجب فيه الزكاة»(13)، نعم، وقد صدق النبي r «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس».

الشخصية الثانية، الرجل صاحب قلم سيال، نور الله بصيرته، وفتح عليه من فضله، فخرجت كلماته ينابيع حكمة، ومشاعل نور في كتابه المنير «الظلال»، إذ كلما قرأه القارئ وجد فيه الحكمة، وحسن الكلمة، حتى انتشرت كلماته شرقًا وغربًا، وتخاطفت الأيادي لاستلام كتبه شمالًا وجنوبًا.

فكما أحسن في حياته، أحسن الله في خاتمته، ونرجو أن يكون كذلك شهيدًا عند الله، إنه المفسر الشهيد سيد قطب رحمه الله.

وإن من دواعي نشر صيت هذا الإمام الفذ زهده في دنياه، وتأمله في أخراه، ومن عجيب القصص المروية عنه في ذلك «أن زاره ذات يوم رجل يدعى أحمد عبد الغفور عطار فوجد عنده أثاثًا جديدًا جميلًا، ثم زاره مرة أخرى فوجد أثاثًا قديمًا فاستغرب، وبعد إلحاح منه على سيد قطب ليعرف حقيقة الأمر أجاب بأنه باع الأثاث الجديد وقدم ثمنه مساعدة لأحد إخوانه ليتمم مصروفات زواجه».(14)

لقد زهد في الدنيا فقدم روحه لله، وزهد فيما عند الناس، فحقق الله محبته في نفوس الناس «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس»، هكذا نحسبه، والله المستعان.

8- حسن الخلق:

وهو من أعظم المسالك وأوقعها في نفوس المحبوبين التي هي مجبولة على محبة صاحب الخلق الحسن.

ومن هنا عليك أن تتنبه لهذه الجواهر من الفوائد والنفائس المكنونة في داخل قلبك، فهيا لنخرج هذه الجواهر المكنونة في داخلنا لنصل إلى درجة المحبة(15):

1- يقولون إن أردت أن تأسر قلب محدثك، فاجعله يتحدث وأحسن الاستماع له «فإذا أردت أن يحبك الناس، فكن مستمعًا جيدًا، وشجع محدثك على الكلام عن نفسه.

2- اضبط نفسك أن تلتزم بالمواعيد، فالدقيق في موعده يحب ويحترم.

3- كن كريمًا إذا زارك الضيف وأحسن اللقاء به.

4- تبادل الهدايا مع محبيك، فإنه مغذ قوي للمحبة، وفي الحديث «تهادوا تحابوا».(16)

5- بث الحماس والتشجيع للعمل الذي يقدمه محدثك، لأن هذا المدح والثناء والتحميس «يختزن في ذاكرة محدثك وتتجاوب أصداؤه في صدره على مر السنين نغمًا حلوًا لا ينسى».

6- غض الطرف عن الهنات، ولا نتعقب زلات اللسان، وسقطات الكلام.

وبعد.. فيا أخي.. فما هو إلا توفيق الله لك أن يسهل لك تلك المسالك ليكرمك بمحبته، ومن ثم عباده لك، فأسأل ربك أن يرزقك حبه والعمل الذي يقربك لحبه، ففي الحديث أن النبي r قال: «أتاني ربي U - يعني في المنام - فقال لي: يا محمد، قل اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك».(17)

***

كلمة إلى الدعاة

رسالة إلى مجاهد

إليك يا أخي في الله اكتب هذه الكلمات، وأسال الله أن تعين في تثبيتك وترفع من همتك، مع إنني أعلم بأنك في غنى عن هذا كله.

أخاطبك وروحي تهفو إليك، أتمنى أن أكون في سرية معكم، أو أن أكون مرابطًا في ثغر لحراستكم، فأنتم هناك خير منا جميعًا، وأعجز عن أن أعبر عن مدى شوقي إلى الجهاد، ذلك الفرض الذي نام عنه كثير من المسلمين وظنوا أنهم بتقدمهم العلمي والمادي سيحققون الانتصار، فلا تراهم إلا وقد تأخروا، فلا هم من الذين جاهدوا فنصروا الدين، ولا هم من الذين تقدموا في العلوم والمادة، أنت تعلم ما نعيشه في هذه الأيام من تخلف وذلة، وضعف من غير قلة، وتشرذم وهوان، ليس ذلك إلا لأنهم تركوا الجهاد، فأقدم علينا، أشعل هذه الروح فينا... وأعلمهم بما قاله عمر بن الخطاب: «فإن ابتغينا العزة بغير الله أذلنا الله» وأعلمهم بأن النصر مع النصرة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ﴾ (سورة محمد: 7)، وأخبرهم:

أن بجهدهم وجهادهم
 
 نرقى إلى مستقبل وضاء
 

ولكنني أخشى أن ترى حالنا، وحال تفرقنا وتصارعنا، أن تفقد الأمل في هذه الأمة، فإياك إياك.... فإن من بينهم رجالًا لا يسمع لهم صوت ولا يعرفون إلا في مواقف الرجال، رجال نذروا أوقاتهم للجهاد، نعم... جاهدوا أنفسهم وثبتوا أمام الفتن، رجال تركوا الدنيا وراء ظهورهم، رجال جاءوا يبايعون على نصرة هذا الدين، تراهم في شباب لجنة الصحبة الصالحة، فوالله لو أطلعت عليهم لعجبت، شباب لم يجبرهم على مخالفة شهواتهم والعمل لنشر الأخلاق السامية والصبر على طريق الدعوة سوى أنهم عرفوا حقيقة نهايتهم، وعرفوا غاياتهم فشمروا، بينما أقرانهم تراهم في هذه الدنيا بين ملذاتها، دنت همتهم فدنوا بدنوها، وسفلت غاياتهم فسفلت أعمالهم، وإذا أعدت النظر إلى هؤلاء الشباب، شباب لجنة الصحبة الصالحة تذكرت قول الشاعر:

إذا كانت النفوس كبارًا
 
 تعبت في مرادها الأبدان
 

فتعال يا أيها المجاهد، تعال قدهم نحو معركتهم الحقيقية، تعال وأمض بهم وسترى فيهم فعال المغيرة بن شعبة، والنعمان بن مقرن، وطليحة بن خويلد، والقعقاع بن عمرو، تعال قدهم وطهر الدنيا من سموم الشيطان، تعال فإنهم قد أعدوا عدتهم، وأخذوا زادهم وأهبوا نفسياتهم، حتى وإن لم تأت، حتى وإن طالت الأيام، حتى وإن اشتدت الفتن عليهم، سيظلون على استعدادهم مدى الدهر، إلى أن يظهر الله هذا الدين، أو أن يموتوا وهم ثابتون على دعوتهم.

أيها المجاهد، إن كنت في زمن ماض أنت وإخوانك قد جعلتم العالم يستغرب منكم ويتعجب، فإن أحفادكم هنا قد أعادوا أمجادكم، فلتقر أعينكم، ولتطمئن إخواننا المجاهدين بأننا باقون على العهد. قال تعالى: ﴿ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ (سورة الفتح: 10).

يوسف مساعد سالم العبد الجادر

حاجتنا للقدوة

بعث الله محمدًا عبده ورسوله r ليكون قدوة للناس يحقق المنهج الرباني، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ﴾ (سورة الأحزاب: 21)، فالله فطر الناس على الحاجة للقدوة والبحث عن الأسوة ليكون لهم نبراسًا يضيء سبيل الحق، ومثالًا حيًا يبين لهم كيف يطبقون شريعة الله، لذلك لم يكن لرسالات الله U من وسيلة لتحقيقها على الأرض إلا إرسال الرسل يبينون للناس ما أنزل الله من شريعة.

وتتجلى حاجتنا للقدوة في مواقف غريبة علينا، لم نألفها بل ربما ألفنا غيرها، كما حصل عندما أراد الله لرسوله أن يتزوج امرأة زيد الذي كان رسول الله قد تبناه ليبين لنا عمليًا أن زيدًا ليس له شيء من حقوق البنوة الطبيعية أو تشريعاتها.

كما تتجلى حاجتنا للقدوة في المواقف التي تحتاج إلى التضحية، فكان الرسول r في الغزوات يتقدم الصحابة أو يوصيهم من مركز القيادة، وكان في غزوة الخندق يربط الحجر على بطنه ويحفر الخندق مع الصحابة ويرتجز مثل ما يرتجزون، فكان مثالًا للمربي القدوة.

كما تتجلى حاجتنا للقدوة في زمان وجد الناس فيه نكرات فجعلوهم قدوات فانقلبت لديهم الموازين رأسًا على عقب، فكان لزامًا وجود القدوات لتعود الأمور لنصابها.

وأخيرًا أخي الحبيب...

إن اختيارك لطريق الإيمان يجعلك بحاجة لأن تكون قدوة... قدوة لتنير الطريق.

خالد السبع

(1 ) باحث علمي - جامعة الملك عبد العزيز.

(2 ) رواه مالك في الموطأ، رياض الصالحين 296.

(3 )صيد الخاطر: ابن الجوزي 46.

(4 ) نفس المصدر، 49.

(5 ) نفس المصدر 162.

(6 ) نفس المصدر 207.

(7 ) رواه أحمد 3 \ 38 عن مسؤولية الأب المسلم في التربية، باحارث، 117.

(8 ) فضائح الفتن، الراشد، 27.

(9 ) رواه ابن ماجة، وانظر الحديث رقم (31) من الأربعين النووية.

(10 ) أحمد بن حنبل، الدقر، 22.

(11 )رواه البخاري، وانظر الحديث الأربعين من الأربعين النووية.

(12 ) الوقت عمار أم دمار؟ المطوع، 64.

(13 ) نفس المصدر، 64.

(14 )نفس المصدر، 52.

(15 ) راجع كتاب «كيف يكون الداعية شخصية محبوبة»، الشيخ جاسم مهلهل، 40.

(16 ) صحيح الجامع (3001)، ورواه أبو يعلى بسند جيد، عن المصدر السابق 40.

(17 ) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 471

121

الثلاثاء 26-فبراير-1980

باختصار (العدد 471)

نشر في العدد 402

90

الثلاثاء 04-يوليو-1978

قصة قصيرة (الحلم)

نشر في العدد 1117

183

الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

استراحة المجتمع- العدد 1117