; المجتمع التربوي (1588) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1588)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2004

مشاهدات 71

نشر في العدد 1588

نشر في الصفحة 54

السبت 14-فبراير-2004

 أيها العائدون.. أبشروا

علاء سعد حسن-  alaasaad19@hotmail.com

ايها العائدون من حج بيت الله الحرام يا من أقبلتم على ربكم سبحانه، دعاكم فلبيتم وناداكم فأقبلتم، وهتافكم الخالد لبيك اللهم لبيك.. يملأ أرجاء الكون.. هنيئًا لكم وطبتم وطاب مسعاكم وتبوأتم من الجنة منزلًا. واليوم وقد أكملتم مناسككم وأديتم فريضتكم وذكرتم الله كثيرًا وشهدتم منافع لكم.. وقفلتم إلىٰ بلادكم راجعين ولكنها رجعة ليست كأية رجعة اليوم ترجعون إلىٰ دياركم وأهلكم وفي قلوبكم نفحة نورانية من نفحات الله تعالى تزفكم بشرىٰ رسول الله r: «مَن حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَومِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» (متفق عليه)، وقوله r: «الحجَّ المبرورَ ليس له جَزاءٌ إلَّا الجنَّةُ»، (متفق عليه). 

إنها البشرىٰ لكل حاٍج وفى حجه، أن يعود بعد أداء الفريضة كيوم ولدته أمه إنسانًا جديدًا كأنه مولود جديد على الفطرة البيضاء النقية الناصعة لا ذنٌب ولا معصيٍة لا خطأ ولا خطيئة صفحة جديدة تفتح في عمر الإنسان فإذا هو مخلوق جديد لم يتلوث ولم يقس قلبه بطول الأمد، إنسان جديد.. جديد في شخصيته.. جديد في سلوكه، جديد في أخلاقه، جديد في طباعه وجبلته.. إنسان جديد كالطفل المولود في واللحظة، لا يحمل غلًا، ولا يعرف حقدًا أو حسدًا أو ضغينة، لا تأخذه العزة بالإثم لا يتكبر ولا يتجبر لا يعجب بنفسه، ولا يستبد برأيه ولا يتبع هواه ولا تستعبده شهوته، ولا يحتقر أحدًا من البشر، نفٌس زكيٌة بها طهر التوحيد ونقاوته على العهد الأول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172)، بها نطفة التوحيد التي فطر الله بني آدم عليها، وقد قوت فريضة الحج هذه النطفة وأنمتها وأنضجتها 

أخي الحاج: 

هل تعود من الحج فرحًا متهللًا ببشرىٰ رسول الله ثم تنخرط في الحياة وتعيش فيها كما كنت قبل أن تتم ولادتك من جديد، وقبل أن تخرج للدنيا خلقًا آخر بعد الحج؟! 

هل تعود فتمارس الحياة بنفس الطباع والأخلاق والسلوك بنفس الأخطاء ونفس المقومات الشخصية ونفس الإصرار على الذنب والمعاصي كما كنت قبل الحج هل ستعود لتسود صحيفة أعمالك التي بيضها لك المولى Uفي الحج بكثرة الذنوب والمعاصي والآثام؟! 

أخي الحاج:

 لقد أجهدك الحج وهو عبادة شاقة «فهو جهاد المرأة والشيخ»، وقد أخلصت نيتك فيه لله تعالى، فهل فهمت حكمة الحج وقدرته التغييرية فحافظت على نظافة صحيفتك ونصاعتها مهما طال الأجل لتلقى الله عز وجل مولودًا جديدًا كما خرجت من الحج؟ 

وليكن لك في الحج زاد مرة في العمر ينقل حياتك كلها ويغيرها إلىٰ الصلاح والخيرية.

 أنت اليوم جديد بطيك الصفحة حياتك السابقة وندمك على ما فيها من تقصير وتفريط وأخطاء، جديد يعزمك على ابتداء صفحة حياتك الجديدة البيضاء التي وهبك إياها المولىٰ Uبعد الحج بكل ما يحفظ عليها بياضها ونصاعتها وطهارتها.

 «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، إنها بشرى رسول الله rوهو لا ينطق عن الهوى.. فهو وعد الله تعالى يبلغنا به على لسان رسوله، ما أجمل وعد الله: ﴿وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ﴾ (التوبة: 111)، وما أروع بشرىٰ رسول الله r، وما أجمل الجزاء وأعظمه أيها الحاج الكريم..

 أنت اليوم من المبشرين بالجنة، لك فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لك فيها النعيم الخالد: ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (السجدة: 17)، هنيئًا لك وقد أقبلت على ربك ترجو رحمته وتخاف عذابه، تسأله جنته وتتعوذ به من ناره، هنيئًا لك أن عدت من فريضتك مغفورًا لك ذنبك ومبشرًا بجنة ربك، سلعة الله الغالية التي حفت بالمكاره.

 فاعلم أن العمر قد يطول بك أو يقصر فالآجال بيد الله علام الغيوب وأنه قد يطول عليك الأمد ... فالصبر الصبر والاستقامة الاستقامة على منهج الله وعلى طريق الله وعلى أوامر الله وعلى طاعة الله وعلى اجتناب معصية الله والثبات الثبات على هذه الاستقامة والصبر عليها والمرابطة حتى إلى منزلتك في الجنة، وكن على حذر أخي من أن تأمن مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا الكافرون، وليكن في روعك قول أبي بكر الله عنه وهو أول العشرة المبشرين الصديق رضي بالجنة: «والله لو أن لي قدمًا بالجنة وأخرىٰ خارجها لا أمن مكر الله».

 وخاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ثاني العشرة أن يكون من المنافقين لا يستقر له بال حتى يقسم له حذيفة بن اليمان - كاتم سر رسول الله r - بأنه ليس من المنافقين الذين أسر الرسول r بهم إليه. 

إن هذه المنزلة التي وصلت إليها وهذه البشرىٰ التي بشرت بها لتهون عليك مصائب الدنيا ومتاعبها وكدها وجدها.. مسلم علـى من الجنة.. فهو منطلق إليها، عامل لها، ساٍع إلىٰ سول لها لا يوقفه شيء من أمور الدنيا زخرفها، ولا يستخفه حقد حاقٍد ولا حسد حاسٍد فيصرفه عن بشراه ومنزلته ولا يرضىٰ عن تلك البشرىٰ بديلًا من الأرض مالًا كان أو جاهًا أو سلطانًا أو شهرة أو ذكرًا أو ثناء بين الناس هو مخبت لله مقبل عليه طائع ذاكر له شاكر لأنعمه صابر مرابط حتىٰ يلقىٰ رسول الله r على الحوض. فهنيئًا لكم أيها الوفد المبارك عودتكم إلى دياركم سالمين، وبشراكم - إذا فقهتم معنى الحج - رضوان ربكم والجنة.

 

 عِفَّةُ اللِّسان

ياسر الخولي

اهتم الإسلام كثيرًا بعفة اللسان وطهره وإبعاده عن قبيح القول وسيئ الألفاظ قال تعالي: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ۸۳)، وأحاط اللسان بملكين كريمين يكتبان كل ما ينطق به الإنسان: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18).

 وليس بعد هذا اهتمام بالنطق والكلام وليس المؤمن بصخاب ولا لعاٍن ولا فاحٍش ولا بذيٍء كما الحديث، لهذا كان غريبًا على الحس لإسلامي والذوق الإنساني أن نسمع أن البعض يستبيح النطق بألفاظ فاحشة قبيحة تجري علىٰ لسانه حتى يتعودها فيسمي لغيره بعض أعضاء التناسل للرجل والمرأة - مثلًا - بأسمائها الصريحة بل ويسمي العملية الجنسية كما يسميها بعض هؤلاء صراحة وإن اختلفت هذه التسمية من بلد إلىٰ آخر.

  ولم نسمع أن أحدًا صرح بذلك أو دعا إليها من قبل، والقرآن الكريم حين تحدث عما يكون بين الأزواج قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (المائدة: 6)، فسماها الملامسة وسماها أحيانًا الرفث حين قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ( البقرة: 187)، ولم يأت بلفٍظ صريٍح قبيح في هذا الشأن أبدٍا، وكذلك في السنة المطهرة لم نسمع بالتصريح بلفظ قبيح في هذا الشأن أبدًا، ويرى المفسرين أن المقصود بالغيب في قوله تعالي: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ (النساء: 23)، يري أن من هذا الغيب ما يكون بين الزوجين من ألفاظ خاصة لا تحكىٰ لأحد وحتىٰ الآن لا تكاد الفتاة المتزوجة تحكي لأمها أو لغيرها ما يكون بينها وبين زوجها صراحًة أو تسمي لها أي شيء. 

يروىٰ عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فطلَّقني فبت «أي طلقني ثلاثًا» فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وإنَّ مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فتبسم رسول الله r وقال: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» قالت: وأَبُو بَكْرٍ وخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بن العاص بِالْبَابِ ينتظر أن يُؤْذَنَ لَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلا تزجر هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ الله؟ - صلى الله عليه وسلم -، ومَا يَزِيدُ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى التَّبَسُّمِ. «انتهى الحديث».

 فكان خالدًا - رضي الله عنه - استنكر ما سمع من المرأة رغم أنها قالت وإنَّ مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فحسب ولم تزد وكذلك ما قاله الرسول r لها حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ.. تعبير في غاية الأدب عن الصلة بين الزوجين.

 وفي حديث أم زرع المعروف؛ حيث اجتمعت إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا، فتحدثن جميعًا وكانت آخرهن حديثًا أم زرع، وفي نهاية الحديث قال رسول الله rلعائشة: «كنتُ لكِ كأبيِ زرعٍ لأمِّ زرع»، ولم يرد في حديثهن الطويل تصريح بلفظ واحد من تلك الألفاظ القبيحة التي لم ترد في لغة ولا دين وتعف عنها ألسنة المسلمين وعلىٰ مثل هذا الأدب سار الفقهاء فترىٰ مثلًا أنهم عند الحديث عن بعض نواقض الوضوء بخروج شيء من أحد السبيلين قالوا: «حتّى يسمعَ صوتاً، أو يجد ريحاً» وتجنبوا النطق باللفظين الكريهين وهذا من أدب الإسلام وعفة اللسان.

 

 من مظاهر الفوضوية في الدعوة

محمد علي

كثيرة هي السلبيات ومظاهر الفوضوية في العمل الدعوي، وليس من الصواب أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونتهرب منها، بل علينا أن نعترف بها ونواجهها بشجاعة ونسعى لحلها، ومن أبرز تلك السلبيات:

  1. الانتقاء العشوائي: فالداعية يهتم بمن جاء إليه، ودخل تحت سقف مسجده دون تأمل أو تفكير عميق هل يصلح هذا المدعو أم لا؟ إلى أي مرحلة سأصل معه؟ ومن ثم نجد من يمشي مع صاحبه سنين عددًا، ثم يصاب بالإحباط؛ لأنه فوجئ بأن صاحبه هذا لا يمكن أن يستمر بحال أفلا وعيت من قبل أيها الداعي؟ 

  2. هل لديك ورقة وقلم: إن سير الدعوة بدون تخطيط على الورق معناه الفوضى وعدم الانضباط وانظر في واقعنا: لو سألت أحد الدعاة ما المرحلة التي بلغها من تدعوه لما عرف كيف يجيبك، ولو طلبت منه أن يشرح لك تصوره التفصيلي للمرحلة القادمة لما أجابك إلا بعموميات لا تفصيل فيها.

  3. لا أدري ماذا أقول وهذا شعور يدل علىٰ فوضوية الداعي، فحين يكون مع المدعو في سيارة أو في مجلس تجده صامتًا لا يدري ماذا يقول؟ أو تجده يرمي الكلام على عواهنه دون وعي أو تفكير، وفي أحسن الأحوال تخطر في باله قصة أو فكرة فيقولها دون أن تكون منتظمة إطار متناسق مع غيرها من الأفكار والقصص. 

  4. عناصر الاجتماعات كثيرًا ما يحتار الداعية، ولا يدري ما الموضوعات التي يجب نقاشها في الاجتماعات.

  5.  ماذا أعطيه تسأل الداعية أحيانًا ماذا أعطيت المدعو ليقرأه أو ليسمعه فتجد خلطًا عجيبًا من العناوين وتجد أشياء غير جيدة، وتجد أشياء لا تناسب المستوىٰ الفكري والإيماني للمدعو، وتجد أن بعض الجوانب فيها يطغى على بعض. 

  6. عدم التجانس التربوي: وهذه ظاهرة خطيرة، وصورة سيئة من الفوضوية لدى الدعاة، فحين يغيب النظام وتحل الفوضوية تتأمل في طرائق التربية فتجد أن الداعية الذي تميز في الجانب الإيماني يغترف من بضاعته للمدعو فيغرقه بالإيمانيات، أما الفكر والثقافة والمهارات العملية فتجده أبعد ما يكون عن محاولة تعلمها، فضلًا عن تلقينها لصاحبها وتجد الداعية الذي تميز بالفكر والاطلاع يفرق صاحبه في بحر من القراءات والتحليلات على حين أنه لم يزر معه مقبرة ولم يصل معه ركعتي قيام وهكذا تصبح لدينا النهاية تضخمات في جوانب معينة علىٰ في حساب إهمال جوانب أخرىٰ. 

  7. الداعية وتضييع العمر: فالعمر الوظيفي المفترض قضاؤه مع المدعو سنتان يمكن خلالهما البلوغ بالمدعو إلىٰ قمة عالية ولكن عندما توجد الفوضوية نجد أن السنين تمر بدون حساب، فيقضي المدعو أربع سنوات أو خمسًا وهو «محلك سره». 

  8. الداعية السائق: حيث يتحول الداعية - عند الفوضوية - إلىٰ مجرد سائق للمدعو يقوم بتوصيله وإرجاعه وكفى، فهو مرتبط يقوم بتوصيل بالمرور على «سين» للذهاب إلى الملعب ومع «صاد» لمراجعة المستشفى ومع «عين» لزيارة أقاربه ... وهكذا يتحول العمل الدعوي إلىٰ مجرد مرور وإحضار، وتوصيل وإرجاع، أما التربية والتوجيه فقد ضاعا في زحمة «المشاوير».

الرابط المختصر :