; نقوش على جدار الدعوة.. من أمارات الأخوَّة | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة.. من أمارات الأخوَّة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997

مشاهدات 80

نشر في العدد 1248

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 06-مايو-1997

 

الأخوة إحدى السمات البارزة في الدين الإسلامي الذي يعتبر الإيمان محوره وجذعه، والأخوة فرعه وغصنه، وقد بدأنا هذا الموضوع في الأسبوع الماضي، ولم نشأ أن نتركه إلا بعد أن نوفيه بعض حقه، ولذا فإننا نجعله حديثنا اليوم كذلك. 

ولا يعرف الرجال إلا في الملمات، ولا تظهر معادنهم إلا في الشدائد، وشدائد العاملين في حقل الدعوة الإسلامية كثيرة متشعبة، إذ يصدق عليهم الحديث: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل»، ومؤازرة الذين أحاطت بهم الشدائد، وحل بهم البلاء أمر واجب، لا تبرأ الذمة إلا بالقيام به، وإلا فإن عون الله يكون عنا بعيدًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، ومفهوم الحديث يوحي بأن امتناع العبد عن معاونة أخيه مدعاة لأن يتخلى الله سبحانه عن عوننا، وأي عون يريده المرء في حال اليسر والسلامة والصحة؟ إن العون في كل الحالات حسن، ولكنه في وقت الشدائد أكثر حسنًا وأشد نفعًا؛ لأنه يكون كالغيث الذي يصيب أرضًا عطشى، فتهتز وتربو، وتحيا بعد ممات، وتنبت بعد جدب، وكذلك عون الإنسان لأخيه في شدته يحيي نفسه، ويشد أزره، ويقوي عضده، فلا تقضي عليه الشدة، بل يقاومها بكل ما استطاع؛ لأن له مددًا وسندًا في إخوانه الذين لا يبخلون عليه بشيء معنوي يستطيعون أن يقدموه، وفي ذلك يعرف فضل الإخوان، ويعلى قدر الإنسان: 

وليس أخي من ودني رأي عينه      ولكن أخي من ودني وهو غائب 

ولو كانت معونة الآخرين في إفساح صدورنا لهم لينفسوا عما يكنون مما ألم بهم، وما يكظمون مما يلاقونه في سبيل دعوتهم لربهم لربما أغنت عن غيرها من المعونات وخففت عن الناس بعض الأحزان في الملمات:

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة     يواسيك أو يسليك أو يتوجع

إن هؤلاء الأوفياء الذين يقدمون للناس السلوى أو المواساة والعزاء هم الظل الذي يستريح فيه سالك الصحراء عند الهجير، وهم الماء الذي يرتوي به الظمآن، فيجدد نشاطه ويوقظ آماله، ويرفع من جديد فيه روح التحدي للمعوقات، ومواجهة ما قد ينزل به من خطوب، ويلاقيه من كروب، والناس مهما علا قدرهم وكثر نصيرهم محتاجون إلى من يسمع منهم شكواهم ويخفف عنهم بلواهم، وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو إلى الله بعد رحلة الطائف التي لاقى فيها ما لاقى من الأذى فقال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس»، وقد كان صلى الله عليه وسلم ملاذ البائسين، يسمع شكواهم ويزيلها، ويأتيه الجائع المحروم، والفقير المهموم والغارم المكروب، فيسمع منهم ويزيل عنهم كربهم ويشفي صدروهم مما نزل بها من آثار الشدائد والحرمان.

وما من إنسان يخلو -في بعض الأحيان- من الاحتياج إلى الشكوى ليخفف عن نفسه بعض الآلام: 

شكوت وما الشكوى لمثلي عادة      ولكن تفيض الكأس عند امتلائها

وهذا السماع والإنصات للشكوى والعمل على تذليلها وإزالة آثارها أقل ما يقوم به الأخ نحو أخيه، والصديق نحو صديقه.

ومن أحق بهذا التنزه عن الظلم من الإخوة الذين جمعتهم آصرة الإيمان والحب في الله والبغض في الله؟ إن هؤلاء الإخوة هم من أقرب الناس إلى القلوب، وأدومهم مودة؛ لأنهم عرفوا حلاوة الإيمان: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إلى الله مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». 

ومن ظلم الإنسان لنفسه ولأخيه في نفس الوقت أن يتجافى عنه وقت الخطر، وأن يتحامل عليه عند العسر، وأن يعرض عنه وأخوه يمد إليه يدًا، ويقول بحاله ما يغني عن كل بيان بلسان، إنه لظلم ينبغي أن يتنزه عنه المسلمون العاملون:

وظلم ذوي القربي أشد مضاضة   على النفس من وقع الحسام المهند

ومن الواجب على هؤلاء العاملين للإسلام تتبع احتياجات إخوانهم والعمل على سدها ما دامت في حدود القدرة والاستطاعة دون أن يكلفوا هؤلاء بذل ماء الوجه في طلب ما يريدون، بل يكفيهم أن يعلموا مصيرهم وأن يعرفوا أحوالهم ليغيروا سلوكهم نحوهم: 

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب 

وأسأل الله أن يعيننا على أداء واجباتنا نحو إخواننا، والحمد لله رب العالمين.

أخوكم

جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل