العنوان قضايا على بساط النقد.. بين الإسلام و العامية والفصحى.. الحلقة الأولى
الكاتب الأستاذ إبراهيم النعمة
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1974
مشاهدات 206
نشر في العدد 229
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 10-ديسمبر-1974
قضايا على بساط النقد..
بين الإسلام... و العامية والفصحى
الحلقة الأولي
نستطيع أن نقول بأن هناك قدرًا من التلازم والترابط بين الإسلام والعربية الفصحى، وكلما كانت العربية متألقة في سموها، مؤدية رسالتها، كان الإسلام كذلك في سمو وعزة ومنعة قد أحاط أقطاره بسياج من القوة والعظمة. وكلما كان الإسلام كذلك كانت العروبة متلألئة في سماء الإبداع، محلقة في أجواء العظمة بما تلاقيه من عناية بالغة حيث يعكف الناس على دراستها واستخراج جواهرها ولآلئها وتكتب بها العلوم، وتدون بها الفنون، ويتعامل المجتمع بهذه اللغة الجميلة. وكان الإسلام والعربية الفصحى هكذا على مدار التاريخ بين مد وجزر، بين قوة الإسلام وضعفه، وقوة العربية وضعفها إذ قوة أحدهما قوة للآخر وبالعكس ولأن تعلم العربية جزء من الإسلام، والمسلم الذي يتعلم العربية يكون قد أدى عبادة من العبادات التي يتقرب بها إلى الله- عز وجل- وكلما ازداد تفقهًا فيها ازداد تفقهًا في الإسلام، وتقربًا إلى الله يقول الإمام الشافعي- رضي الله عنه - في رسالته: «فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر کتبه كان خيرًا له» «١» ويقرر ابن تيمية أن العربية من الإسلام وأن تعلمها فرض واجب، وذلك حيث يقول: «... وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» «٢»
ويقول ابن تيمية كذلك: «فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله» «۳»
ويؤكد الثعالبي هذا المعنى فيقرر أن الإقبال على تعلم العربية وتفهمها من الإسلام. ويعلل رأيه بأن اللغة العربية أداة العلم ومفتاح التفقه في الإسلام وذلك حيث يقول: «.. والإسلام خير الملل والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين» «٤»
والعربية هي لغة الإسلام الرسمية، فالقرآن لا يسمى قرآنًا إلا بالعربية الفصحى، والصلاة لا تجوز إلا بها كذلك «٥»، وهي من أوائل مقومات أمتنا التي كانت ولا زالت ركنًا ركينًا في مجتمعنا، ورابطة متينة تربط أمتنا الإسلامية بعضها ببعض حيث نجد الكاتب في الغرب يؤلف كتابه بالعربية فيتلقاه أهل الشرق بالدرس والتمحيص لا يستعصي عليهم فهمه فكان ذلك عاملًا من عوامل وحدة الفكر الإسلامي ومن هنا ركزت الحركات التبشيرية والاستشراقية جهودها نحو إضعاف وتوهين العقيدة الإسلامية والتشريع الإسلامي مستفيدة من الغفلة التي سيطرت على العالم الإسلامي وخاصة قبل مائة عام أو أكثر فطفقت هذه الحركات والمؤسسات تخطط الخطط و تحيك الدسائس في الليالي الليلاء مبيتة هجومًا شاملًا كاسحًا مهمته الانقضاض على العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة لافتراسه ليتمتع المستعمرون بخيراته ، وليكونوا هم قادة المسلمين وموجهيهم... ولم يجد هؤلاء من سبيل يوصلهم إلى مآربهم المريبة أحسن ولا أنجح من محاربة العربية الفصحى في معقلها وذلك بتشجيع العامية السوقية أو استبدال الحروف العربية باللاتينية. يقول القس زويمر: «إنه لم يسبق وجود عقيدة مبنية على التوحيد أعظم من عقيدة الدين الإسلامي الذي اقتحم قارتي آسيا وأفريقيا الواسعتين، وبث في مائتي مليون من البشر عقائده وشرائعه وتقاليده، وأحكم عروة ارتباطهم باللغة العربية» «٦»
ومن هنا أيضًا لاقت العربية هجومًا شديدًا شرسًا تتجلى بعض حقيقته بما فعله كمال أتاتورك من إحلال التركية مكان العربية واستبدال الحروف العربية باللاتينية، حيث صار يحمل الناس على ذلك حملًا حتى كادت أواصر المجتمع التركي المسلم أن تنفصم عن المجتمع العربي، وخسر الأتراك الحضارة التي أسهم فيها المسلمون في أكثر من ثلاثمائة وألف سنة الأمر الذي جعل المستشرق الألماني «كامغماير» يقرر بشماتة أن الإسلام لم يعد له وجود في تركيا وذلك حيث يقول:
«إن القرآن الكريم العربي وكتب الشريعة الإسلامية قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية» «۷»
وواجهت العربية هجومًا أشد حين شن الاستعمار الغربي حملاته على الشرق الإسلامي ابتداء من سنة ۱۷۹۸م, يوم احتلت الحملة الفرنسية مصر، ويوم احتلت الجزائر سنة ۱۸۳۰م. ثم ما فعله الاستعمار الإنجليزي ثم الإيطالي وغيرهما بالبلاد الإسلامية التي احتلوها ولا تزال أذيال تلك الحملات إلى أيامنا هذه مبرقعة في كثير من الأحيان، و حاسرة عن وجهها الحقيقي في أحيان أخر.
من أوائل الذين حملوا لواء الدعوة إلى العامية «ولهلم سبيتا» الذي نزل مصر ودرس لغتها العامية وكتب كتابًا سماه «قواعد اللغة العامية في مصر» الذي ظهر سنة ۱۸۸۰م وصف فيه الكتابة العربية بالعقم والتعقيد وحملها لومًا وتثريبًا، ودعا إلى الكتابة بالعامية وزعم أن العربية الفصحى بالنسبة للجيل الذي عاصره من المصريين غريبة كغرابة اللاتينية بالنسبة للإيطاليين. وخرج علينا بنصيحة شفيقة!! وهي أن التزام الفصحى جهد عقيم لا ينمي أدبًا ولا يطوره. إنه يقول: «وطريقة الكتابة العقيمة، أي بحروف الهجاء المعقدة، يقع عليها بالطبع أكبر قسط من اللوم في كل هذا. ومع ذلك فلن يكون الأمر سهلًا لو أبيح للطالب أن يكتب بلغة، إن لم تكن هي لغة الحديث الشائعة، فهي على كل حال ليست العربية الكلاسيكية القديمة الشائعة بدلًا من أن يجبر على الكتابة بلغة هي من الغرابة بالنسبة إلى الجيل الحالي من المصريين مثل غرابة اللاتينية بالنسبة إلى الإيطاليين وبالتزام الكتابة العربية الكلاسيكية القديمة لا يمكن أن ينمو أدب حقيقي ويتطور» «۸»
وبعد هذا الاقتراح الذي افترحه «سبيتا» بسنة واحدة وهي سنة ۱۸۸۱م, كتبت مجلة المقتطف المصرية تقترح أن تكتب العلوم باللغة الحديثة غير أنها لم تشر إلى ما قاله «سبيتا».
ولا ريب في أن مجلة المقتطف تحمل الأفكار الغربية، لكنها في حملها تلك الأفكار على خوف ووجل وحذر فلم تصرح بكل ما تريد نشره وإنما كانت متبرقعة متخفية في عرضها الأفكار الغربية شأنها شأن الحركات التبشيرية التي تندس بين المسلمين باسم التطبيب والتعليم بملابس الرهبان... على أن هذا البرقع شفاف فضفاض لم يلبث المتأمل فيه الحقيقة كما هي مكشوفة عريانة. وإذا علمنا أن المقتطف كانت تستمد بقاءها من أكبر مؤسسة تبشيرية هي «الكلية السورية الإنجليزية» والتي سميت فيما بعد بالجامعة الأمريكية أدركنا خطورة الأفكار التي تنشرها هذه المجلة وشبيهاتها «٩»
إن أعداء الإسلام هم أعداء الإسلام مهما اختلفت جنسياتهم وألوانهم وتنوعت أساليبهم في حرب الإسلام، فإذا رأوا ثغرة ينفذون منها للطعن في الإسلام لم يبخلوا بجهودهم الجهيدة في هذا الشأن. فالدكتور «كارل فولرس» الألماني «۱۰» عمل على نشر الدعوة إلى العامية كذلك فألف كتاب «اللهجة العامية الحديثة في مصر» سنة ١٨٩٠م, وقام بترجمته إلى الإنجليزية «بوركيت» سنة ١٨٩٥م, «۱۱» ولا بد لنا أن نشير إلى ما قام به القاضي «سلدن ولمور» الإنجليزي أحد قضاة المحكمة الأهلية بالقاهرة في هذا الشأن . فقد كتب سنة ١٩٠١م, كتابًا سماه «العربية المحكية في مصر» دعا فيه أن تتخذ العامية المحكية لغة أدبية. ويتخذ «ولمور» أسلوبًا ماكرًا في تحفيز الهمم للتسليم بقبول اللغة العامية فيزعم أننا إن لم نسر في هذا الطريق «فإن لغة الحديث ولغة الأدب ستنقرضان، وستحل محلهما لغة أجنبية نتيجة لزيادة الاتصال بالأمم الأوروبية» «۱۲» بل حث «ولمور» الصحفيين على الكتابة بالعامية فكتب سنة 1902م, كتابًا أطلق عليه اسم «لغة القاهرة» «۱۳» وقد افترح أن تكون الكتابة باللغة اللاتينية. أما مجلة المقتطف فقد أشادت بهذا الكتاب في باب التقريظ الأمر الذي جعل الناس ينتبهون إلى هذه الدعوة وخطورتها على مستقبل العربية والإسلام. وفي هذه المناسبة کتب حافظ إبراهيم قصيدته «اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها» ومنها:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني
عقمت فلم أجزع لقول عداتي
ولدت ولما لم أجد لعرانسي
رجالًا وأكفاء وأدت بناتي
وسعت كتاب الله لفظًا وغاية
وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
ومنها:
أيطربكم من جانب الغرب ناعب
ينادي بوادي في ربيع حياتي
ولو تزجرون الطير يوما علمتم
بما تحته من عثرة وشتات
ومنها:
أرى كل يوم بالجرائد مزلقًا
من القبر يدنيني بغير أناة
وأسمع للكتاب في مصر ضجة
فأعلم أن الصائحين نعاتي
أيهجرني قومي- عفا الله عنهم-
إلى لغة لم تتصل برواة
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى
لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة
مشكلة الألوان مختلفات «١٤»
وكان المبشر والمهندس «وليم ويلككس» الذي قدم من الهند إلى مصر سنة 1882م, مقتفيًا أسلوب من تقدمه في الدعوة إلى العامية ومحاربة الفصحى. ومن ذلك إلقائه محاضرة عنوانها: «لم لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن» دعا الناس فيها إلى الكتابة بالعامية وقد نشرها في مجلة الأزهر التي كان يصدرها «ويلككس» والأستاذ أحمد الأزهري سنة ١٨٩٣م.
وهى غير مجلة الأزهر المعهودة وردد نفس النغمة التي رددها المبشرون من قبله وهى تشبيهه للفصحى باللاتينية، والعامية بالإنجليزية.
ومما يدعو إلى الأسى والأسف أن هذا المستشرق الصفيق كان يجهر برأيه ويعلن صوته في كل مكان يراه مناسبًا حتى نشر إعلانًا في مجلة الأزهر التي نشر فيها محاضرته يغري الناس بالأموال ليقبلوا على العامية في مصر وهاكم الإعلان بنصه وفصه:
«من قدم لنا هذه الخطبة باللغة الدارجة المصرية وكانت موافقة جدًا، يكافأ بإعطائه أربعة جنيهات أفرنكية، وإن كثر المتقدمون، فيعطى هذا المبلغ لمن يحوز الأولية» «١٥».
وخطأ «ويلككس» خطوة عملية في ذلك فترجم قطعًا من روايات شكسبير إلى العامية سنة ۱۸۹۲م, منها قطعتان من رواية «هنري الرابع» وقطعة من رواية «هاملت». كما ترجم أجزاء من الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد إلى اللغة العامية المصرية كإنجيل متى وإنجيل مرقص وسفر التكوين والمزامير وأعمال الرسل. أما كتابه «الأكل والإيمان» فقد ألفه باللهجة العامية سنة ١٩٢٦م.
كل هذا حدث في وقت «دنلوب» الذي اختصر تعليم اللغة العربية اختصارًا مخيفًا، وفرض التعليم بالإنجليزية فقط.
وكان للمستشرق الفرنسي «لويس ماسينيون»ـ وهو موظف في قسم الشؤون الشرقية في وزارة الخارجية الفرنسية- نشاط كبير في نشر العامية بالتعاون مع تلامذته في المغرب والجزائر وتونس ومصر وسوريا ولبنان. إنه يعترف بالدوافع التي دفعته وأمثاله إلى البحث في شؤون الشرق الإسلامي فيقول: «لم نبحث في الشرق إلا عن منفعتنا، لقد دمرنا كل ما هو خاص بهم، فدمرنــا فلسفاتهم ولغاتهم وأدبهم.
والشرقيون ليسوا من السذج حتى يعتقدوا بكرم أخلاقنا، وقد تحققوا بالشواهد إننا نرغب أن نبقيهم ضعفاء» «١٦» ولما هبط هذا المستشرق دمشق في أوائل الاحتلال الفرنسي لها كان مما قاله لبعض أعضاء المجمع العلمي: «إن إهمال الأعراب ييسر تعليم اللغة العربية على الأجانب، ويكون في الوقت نفسه تجديدًا يليق بمؤسسة كالمجمع» «۱۷»
وكرر «ماسينيون» دعوته هذه سنة ۱۹۲۸م في أندية الشباب العربي في باريس غير أنه لم يلاق أذنًا صاغية له بل لاقت دعوته ردًا عنيفًا. وكان للمستشرق الإنجليزي «مرغليوث» الذي أوفدته وزارة المستعمرات الإنجليزية من لندن إلى دمشق والقدس وطهران قبيل الحرب العالمية الثانية جهود جهيدة في محاربة الحرف العربي ومحاولة استبداله بالحرف اللاتيني. ومما قاله «مرغليوث» للأستاذ محمد كرد علي حين التقى معه في بيته بدمشق بعد أن ناظره في هذا الأمر بحضور الأستاذ سعيد الأفغاني قال له «مرغليوث»: «وأنه ـ أي مرغليوث- مسافر إلى طهران لدراسة أسباب تأخر الشاه عن المبادرة إلى فرض الأحرف اللاتينية » «۱۸».
ولم يأت المستشرق «كولون» بجديد حين ردد عبارات من سبقوه من المبشرين والمستشرقين وكان ممن تصدى له ولقنه درسًا بالغًا العالم المغربي
عبد الله كنون.
دعا إلى العامية كذلك باول وفيلوت اللذان اشتركا في تأليف كتاب «المقتضب في عربية مصر» سنة ١٩٢٦. وكان الكتاب بالإنجليزية. ولم يهمل المستشرق «فنسك» اللغة العامية حيث أصدر عدة رسائل كتبها بحروف أوربية في اللغة المصرية القديمة «۱۹» كما أصدر الكابتن «وليم تمبل جردنر» كتابه «اللغة العامية المصرية» كما دعا إلى العامية كذلك فولارز وبوريان وماسبيرو وكارلو لندبرج وسلامة والخوري مارون غصن والدكتور أنيس فريحة وسعيد عقل أحمد لطفي السيد الخولي وعبد العزيز فهمي وجورجي صبحي ولويس و..
ولقد كتب الغربيون في كل لهجة من اللهجات العامية المحلية فكتبوا باللهجات العراقية والسورية والمصرية والتونسية والمراكشية... فالمستشرق «لويس ماسينيون» كتب كتابه «لهجة بغداد العامية» باللغة الفرنسية وطبع بمصر سنة ۱۹۱۳م.
وكتب «إمانويل ماتسون» كتاب «لغة بيروت العامية» بالفرنسية سنة ۱۹۱۱م. وكتب بين سميل كتاب «لغة مراكش العامية وقواعدها» بالفرنسية. وكتب لويس مرسير «عربية مراكش» بالفرنسية وطبع بباريس سنة ١٩٢٥م.
وكتب «عامية دمشق» بالألمانية وطبع في «هانوفر» سنة ١٩٢٤م, «٢٠» وكان لاحتلال فرنسا لساحل الشام سنة ١٩١٩م, أثر كبير في تشجيع الناس على العامية ورمي الفصحى بالقصور والتعقيد والصعوبة وما إلى ذلك؛ تمهيدًا لتركها والاستغناء عنها بالعامية. فلم يترك الفرنسيون وسيلة إلا اتبعوها لحمل الناس على العامية في الشام أيام حكمهم.... إنهم فكروا وقدروا وخططوا فأحبط الله مكرهم وكيدهم ثم نكصوا على أعقابهم خاسئين.
ولا أرى بأسًا من ذكر بعض ما دبروه لتعلموا كنه الغارة التي وجهت ضد العربية. فمن أساليبهم:
١- جعلوا بعثات التخصص في اللغة العربية محصورة بالجامعات الفرنسية فقط.
٢- جعلوا للذين حصلوا على شهادات من الجامعات الفرنسية في اللغة العربية من الامتيازات ما ليس لغيرهم حيث جعلوهم أصلاء في التدريس، في الوقت الـذي جعلوا غيرهم من الأساتذة الأكفاء القدامى في منزلة دون منزلتهم حيث جعلوهم «مؤقتين» في المدارس ولم يجعلوهم أصلاء.
٣- أصبح المستشار الثقافي الفرنسي مشرفًا على جميع مسابقات الإيفاد. فهو الذي يفتح أوراق الاختبار، وهو الذي يعين من يشاء. بل كان الجميع يعلمون علم اليقين أن ذلك الاختبار لا أهمية له حيث يعين من يرغبون بتعيينه قبل الامتحان.
ولما عاد هؤلاء الذين يسمون بالأساتذة من فرنسا كانت الكارثة الكبرى والفاجعة الممزقة إذ أسندت إليهم وظائف كثيرة مهمة لا تتناسب ومعلوماتهم السطحية. وصار كثير من الطلاب يصححون لأساتذتهم- خريجي فرنسا- ما يقعون فيه من لحن وأخطاء أما العلماء البارعون فصاروا في معزل عن التدريس في المدارس المهمة بل صاروا يحاربون حربًا لا هوادة فيها الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى انخفاض مستوى العربية في المدارس ثم لدى الناس.
لقد فكر هؤلاء وأولئك بوضع اتهامات للغة الفصحى كـي يبرروا تشجيعهم للكتابة بالعامية أو بالحرف اللاتيني.
وهذه الاتهامات التي وجهت للغة الضاد قديمًا وجهت إليها حديثًا كذلك فتعود الآن الحركات التبشيرية والاستشراقية والاستعمارية لتردد نفس النغمة التي رددها المبشرون من قبل إذ إنهم لم يجدوا جديدًا يتهمون بها لغة الضاد. ومن هذه الاتهامات:
١- رميها بالقصور وعدم الكفاية العلمية وعجزها عن أداء مهمتها إزاء المخترعات الحديثة.
٢- زعمهم الصعوبة والتعقيد في نطقها وحروفها وكتابتها.
٣- ارتفاع مستواها عن فهم الناس.
4 - التفاوت الكبير بين لغة النطق وطريقة الكتابة. وكذلك يفترون.
لقد كان لهذه الشبهات هيل وهيلمان في الفترة التي كان الاستعمار مهيمنًا فيها على بلادنا وتوجيهنا. أما الآن فقد تساقطت هذه الشبهات سقوط أوراق الشجر في فصل الخريف ولم يعد لها أهمية تذكر أمام الأبحاث العلمية التي أكدت صلاحية الفصحى قديمًا وحديثًا حيث استطاع البعض أن يحصر من مواد العربية ٤٠٠,٠٠٠ أربعمائة ألف مادة. وقد احتوى معجم لسان العرب فقط على ٨٠,٠٠٠ ثمانين ألف مادة. «مادة لا كلمة ». بل قرر الخليل بن أحمد في كتابه العين أن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل ١٢,٣٠٥,٤١٢ «إثني عشـر مليونًا وثلاثمائة ألف من الأبنية وعدد الألفاظ العربية ٦,٦٩٩,٤٠٠ «ستة ملايين وستمائة وتسعة وتسعين ألفًا» ولا يستعمل منها إلا ٥,٦٢٠ لفظًا والباقي مهمل.
هذا في الوقت الذي نجد عدد الكلمات الفرنسية هو٢٥ ألفًا فقط «خمس وعشرون ألفًا» وعدد الكلمات الإنجليزية ١٠٠,٠٠٠ «۲۱» مائة ألف فقط . فكيف يزعم هؤلاء قصور هذه اللغة وفيها ما فيها من المفردات؟ وإذا أردنا مثالًا قريبًا يفند المزاعم التي تتهم العربية بعجزها عن أداء مهمتها إزاء المخترعات الحديثة نظرنا إلى الجامعة السورية حيث نجد الكتب الطبية مثلًا قد ترجمت وتترجم إلى العربية الفصحى وتدرس في الجامعة بنفس اللغة العربية الفصحى.
وقد نجحت جامعة سوريا بذلك أيما نجاح ومن قبل هذا نجح العرب في ترجمة العلوم اليونانية والهندية إلى العربية في الدولتين الأموية والعباسية حيث استطاعت العربية استيعاب الطب والفلك والكيمياء.
الرابط المختصر :