; حوار مع صديقي المعتقل | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع صديقي المعتقل

الكاتب أسامة أحمد البدر

تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006

مشاهدات 63

نشر في العدد 1690

نشر في الصفحة 52

السبت 25-فبراير-2006

لا أخفي أنني كنت في رهبة من لقائه.. خمسة وعشرون عامًا مرت على آخر كلمة كانت بيننا.. ومئات الأحداث تتالت علينا كأفراد وجماعة وبلاد.. وغيرتنا... فماذا فعلت به الخمس والعشرون من سنوات المعتقل؟ أما الشكل فقد تغير فيه الكثير.. الشعر شاب.. والوجه تغضن.. وانحناءة قليلة أخذت طريقها إلى ظهره... أما هو فقد كان كالعهد به اتزاناً وحيوية وعمق تفكير.

بادرته بالسؤال الذي ما زال يشغلني من الثمانينيات فقلت: أريدها منك صريحة واضحة.. ما الذي حدث؟!...

قال: كنا نشكل قوة عددية ولنا تعاطف جماهيري لا يستهان به ... كان لنا بين الطلاب الانتشار الأوسع... ثم بين الأطباء والمهندسين حتى أساتذة الجامعات ناهيك عن العمال والتجار.. في أواخر السبعينيات بدأنا ندرك أننا ندور في حلقة مفرغة.. نتوسع أفقيًا ولكننا جامدون نحو الأعلى... كوادرنا بدأت تنادي... ثم ماذا بعد؟!.. كيف ننضوي تحت لواء جماعة بهذا التاريخ العريق دون أن نوجه إلى فعل شيء ذي قيمة؟ لكن النظام يفرض طوقًا أمنيًا من نار ودخان.. وكسر الطوق معناه مواجهة ستفتح لدعوتنا آفاقاً أرحب بالتأكيد لكنها ستكلف الكثير .. وهذا ما حدث...

قطعت عليه استرساله في أمور أعرفها وقلت: وحصلت المواجهة.. وكانت الغلبة للدعوة في البداية حتى إن بعض أطياف المعارضة التف حولها.. وتعاطف معها الناس والتجار ورأوا فيها خلاصهم من نظام لا يمت لهم بقربي.. ولكن ماذا بعد؟!

قال: استنفر النظام كادره كله.. لا تنس نظام أمني من بدايته وأنه جاء على ظهر دبابة.. وأن ترسانته كانت معدة أصلًا لمواجهة العدو الصهيوني.

قلت: ألم يكن لكم رصيد في القوات المسلحة.. ألم تفكروا في تجنيده أو تحييده على الأقل؟!

هزَّ رأسه إلى الوراء وقال استحالة الجيش عقائدي يعتمد على الأقلية.. ومحال أن تتعاطف الأقلية معنا أو تقف على الحياد.

سألته والدعم الخارجي؟!.. هل كان مستحيلًا هو الآخر؟!

قال الدعم الإقليمي كان على أوسع الأبواب.. تموين وتمويل بلا حدود.. أما دعم الدول البعيدة فقد اشترطت له شروطًا لا تحتملها عقيدتنا ومصداقيتنا أمام جماهيرنا والمنتسبين إلينا..

قلت: واعتمدتم على المقدرات الذاتية إذاً؟!

قال: كانت مقدرات ضخمة دون مبالغة...

وهذا ما أوقع النظام بداية في أزمة حقيقية.. كان لدينا العدد والعدة والصدق والبسالة وحب الجنة.. شبابنا يندفع إلى الشهادة كأنها نزهة...

قاطعته لئلا يسترسل في هذا المنحى: وإذاً؟!

قال: دعني أشرح لك أمرًا تلمسه في أرض الواقع ولا تقرأه في الكتب.. إن التخطيط للحركة لم يكن في منتجع ..... وليس والقيادة مرتاحة.. بل تم في ظروف غاية في الإحراج من الناحية الأمنية ولأن المواجهة كانت محتومة بفعل أسلوب النظام الاستئصالي فقد كان لا بد لنا أن نتحرك.. كان هذا هو الجو الملبد بغيوم التضييق والاعتقالات التي لم تتوقف جيلًا بعد جيل!.. وفي هذه الظروف كانت قومتنا.. كنا نسعى لكسر الطوق وفتح ثغرة ننفذ منها نحو حركة أوسع... وفي حسبتنا أن قوى معارضة أخرى أو رجالًا طموحين من الجيش سيتحمسون معنا للخلاص. وقد فعل بعضهم ولكن ليس بالقدر الكافي... ربما لأن قومتنا فاجأتهم فلم يخططوا لها.

وبعد؟!

وبعد.. فقد حققنا انتصارًا أوليًا بفعل المفاجأة.. أغلقت الأسواق معنا... أذيعت بيانات المثقفين والأحزاب التي لم تنضو تحت عباءة النظام فتح الناس قلوبهم وجيوبهم وبيوتهم لإيواء المجاهدين.. ولكن كان هذا إلى حد معين فلما بلغت ضربة النظام درجة السحق.. تراجع الجميع وبقينا وحدنا؟!

- هل تريدني أن أفهم أن هذا هو السبب الوحيد وراء الانكسار؟!

بالطبع لا.. أكون دعائيًا لأضع أخطاءنا على شماعة من سوانا!... بل كان الخطأ المبدئي منا نحن لأننا ببساطة لم يكن لنا أن نحسب القوى الأخرى في ميزاننا أول ما قمنا حتى تعتمد عليها اعتمادًا كليًا وننسب انكسارنا إليها!.. الخطأ المبدئي كما قلت كان منا...

- كيف؟!

الخلل كان من الخطوة الأولى... الخطوة التي قلت إننا دفعنا إليها بسبب الحصار المفروض على حركتنا.. هذه الخطوة الأولى كان يجب أن تكون على مستوى من التخطيط والاستعداد يناسب خطورتها.. وهذا ما لم يكن متاحاً لأنه أكبر من طاقة أفراد أو مجموعات ملاحقة ومطلوبة وتعمل تحت الأرض أو تنام في المقابر!.. هذا هو الخطأ المبدئي الذي أعنيه.... ولو توافرت ظروف للحركة أكثر راحة لكانت النتائج أفضل بكثير!...

طبعًا لا أستطيع - كي أكون موضوعيًا - إلا أن أذكر وبصراحة أننا كجماعة كنا نفتقر إلى كثير من الخبرة والكفاءة في مثل هذه الحركات.. فليست لدينا كوادر تدربت في أمريكا اللاتينية مثلاً أو الشيشان أو أفغانستان.. ناهيك عن جو الفوضى وعدم الانضباط الكامل واللازم الذي تستوجبه المرحلة.. ولا أخفي عنك - وأقولها بكل أسى - مرضنا المزمن في الخلاف وتنافر الآراء إلى حد القطيعة الذي ابتلينا به وكانت خسارتنا لتلك الجولة بسببه في المقام الأول.!

- ولكن الخسارة كانت فادحة.

- وماذا كنا ننتظر؟! أن يربت النظام علينا ويقول اذهبوا فأنتم الطلقاء؟.. إن أي عمل فدائي كالذي قمنا به له إحدى نتيجتين: إما إلى فوق أو إلى تحت.. ومن رحمة الله بنا أن كلتا النتيجتين بالنسبة لنا كانت إلى فوق... إلى الجنة، فاستشهد من استشهد، ومن بقي كتبت له سنوات السجن في ميزان حسناته كما نسأل الله تعالى ذلك ...

- والآن.. هل ألقيتم السلاح... وانفض المولد ...؟!

- إذا قصدت بالسلاح البارود فأقول نعم.. لأنه لم يكن أبدًا الطريقة التي توصلنا إلى غايتنا ولولا أننا اضطررنا إليه بفعل سياسة النظام معنا لما حملناه. وأما الأسلحة الأخرى.. أعني الوسائل الأخرى فلم تلقها ولن تفعل لأنها عقيدتنا.. وحقنا.. فكما أن أي فكرة أو عقيدة أرضية من حقها أن تنشر فكرتها وتطبقها في الواقع فالأولى أن يكون هذا الحق للفكرة الربانية.. هذا حقنا.. وواجبنا ولا يتخلى عنه إلا من رضي بالدنيا بديلًا عن الجنة.. وما أبخسها من صفقة..

- إذا هل تنوي شيئًا!؟!..

- بالتأكيد! ... عن نفسي سأتخذ منهجًا منطلقه أن ندعى إلى السلطة بدل أن نطالب بها.. أعني أن تكون كوادر الحركة الإسلامية من الكفاءة والتأهيل على مستوى يرى فيه الجميع أنهم هم الحل وهم الأمل لإخراج المجتمع من أزماته المزمنة... وهذا لا يكون إلا بالتدريب المبرمج فكريًا وسلوكيًا.. وأعني بالتدريب السلوكي أن نتدرب على القدرة على الإقناع والاندماج في كل شرائح المجتمع لنتمكن من إبراز قدراتنا في التغيير وطرح الحلول والقدرة على تنفيذها... وهذا ليس عسيرًا لو تدربنا عليه... لأن المنهج موجود ... والإمكانات والصدق موجودان.. بقي الكفاءة والتخطيط وهذا ما يجب أن نملك القدرة عليه!

مع معتقل أمضى خمسة وعشرين عامًا لا تشعر بمرور الوقت... لكنك تشعر أن كل ما يقوله ما هو إلا معالم وإشارات يلزمها كثير من التفاصيل... والتي ستأتي من خلال الحركة بهذا العالم... ولكن الوقت المخصص للمقابلة ينتهي ... ونظل نتمنى أن تكون لنا مقابلات ومقابلات... وحوار مع صديقي المعتقل!

الرابط المختصر :