; وعد بوش لشارون الدلالات والتأثيرات | مجلة المجتمع

العنوان وعد بوش لشارون الدلالات والتأثيرات

الكاتب علاء النادي

تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004

مشاهدات 97

نشر في العدد 1598

نشر في الصفحة 30

السبت 24-أبريل-2004

يزيد من الالتفاف الفلسطيني حول المقاومة ويضع النظام العربي في مأزق المواجهة مع الرؤية الأمريكية

(*)خدمة مركز الإعلام العربي-القاهرة

لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن قضايا اللاجئين والمستوطنات والحدود -على خطورتها- مفاجأة: بالنظر إلى توجهات السياسة الأمريكية في ظل إدارة يلعب المحافظون الجدد، دورًا مؤثرًا في صوغ أفكارها، ورسم سياساتها. 

وربما كانت المفاجأة لدى الأطراف التي ظلت تناور وتراوغ وتحاول أن تسبغ على أوهامها وأغاليطها ثوب «الموضوعية» و«العقلانية»، هذا الفريق الذي يضم نخبًا سياسية وثقافية، إضافة إلى الكثرة الكاثرة من صانعي القرار الرسمي العربي.

فقد بقي هذا الفريق، وفي كل الوقائع يهول كل ما يصدر عن الإدارة الأمريكية ويصفه بـالنقلات النوعية والمستجدات الإيجابية، ولم يفت هؤلاء أن يذكروا أن هذه النقلات وتلك التحولات يجب إستثمار مفاعيلها، والسعي إلى تحفيزها وتطويرها من خلال التلاؤم مع مقتضيات ومتطلبات الموقف الأمريكي.

حدث هذا على سبيل المثال عندما أعلن الرئيس بوش عن رؤياه لقيام دولتين: فلسطين و «إسرائيل» ساعتها راح العقلانيون والواقعيون يبشرون بالتطور الحاصل في الموقف الأمريكي.

وقد تضمن ذلك-كالعادة- غمزًا ولمزًا في مشروع المقاومة، وكل من يصطف خلفه: قوى ونخبًا وجماهير، بأعتبار المقاومة وما تحتوي عليه من أدوات صلبة وفي طليعتها العمليات الإستشهادية لا تلاقي إستحسانًا من الإدارة الأمريكية، وأن رؤيا الدولة تحمل نفسًا إيجابيًا غير مسبوق في سجل السياسة الأمريكية، ومن ثم دعا هؤلاء إلى ضرورة قراءة المعطيات والتحولات بدقة وإتخاذ ما يلزم للإستفادة من هذه الفرصة السانحة .

لم يكن الواعون بثوابت السياسة الأمريكية حيال حليفها الصهيوني، متطيرين حينما أشاروا إلى أن كل ما أقدمت عليه إدارة الرئيس بوش من تحركات سياسية وما صدر عنها من رؤى وخطابات وخطط كانت تجري على قاعدة كسب الوقت وضخ جرعات تحذيرية من أجل تهدئة الأوضاع حتى يتم إنفاذ مخطط الإعتداء على العراق بأقل قدر ممكن من العوائق والعراقيل.

 وهذه منهجية دأبت السياسة الأمريكية على إنتهاجها، ويكفي أن نشير إلى جولات وزير الخارجية الأسبق وارن كريستوفر المكوكية ومؤتمر مدريد.

حمل حديث الرئيس بوش عن الدولة الفلسطينية كل صفات الهلامية والضبابية، فقد تعمد خطاب الرؤيا أن يدور في فضاء العموميات والمطلقات وأن يتجنب الحسم والوضوح، الأمر الذي جعل حديث الدولة غير ذي معنى، فهو لم يتحدث بشيء مفصل، أو بائن عن حدود تلك الدولة، وسيادتها، وأسقط قضايا اللاجئين، وبإختصار يمكن القول إن هذه الدولة في تلك الرؤيا لم يكن لها نصيب من الحضور إلا على مستوى الأسم والرسم، في حين غاب عنها كل جوهر ومضمون والآن تتمخض الرؤية لتكشف عن مكنون الموقف الأمريكي العاصف بكل ثوابت الحقوق الفلسطينية في حدودها الدنيا من لاجئين وحدود، وهو ما حدا برئيس الوزراء الصهيوني إلى وضع ذلك الموقف في عداد السوابق التاريخية.

وعود الرئيس الأمريكي لحليفه الصهيوني من شأنها أن تعكس مجموعة من التأثيرات على الصعيد الفلسطيني، وعلى المستوى الرسمي العربي، إضافة إلى تداعياتها على مستقبل عملية التسوية.

رؤية المقاومة

على الصعيد الفلسطيني يمكن القول إن الوعود الأمريكية ورغم فجاجتها، وأخطارها جاءت بردًا وسلامًا على قوى المقاومة لا يعني ذلك أن حركات المقاومة كانت تتمنى صدور مثل هذه التصريحات فلطالما حثت هذه القوى الإدارة الأمريكية على سلوك طريق العدل والحياد وأملت في سياسة أمريكية تتفادى الأزدواجية والأنحياز السافر للعدو الصهيوني لكن مثل هذه التصريحات تؤكد صوابية قراءة حركات المقاومة وصدقية توقعاتها .

فقد أعلنت قوى المقاومة مرارًا أن الموقف الأمريكي لا يمكن الوثوق به أو الأرتكان إليه، وأن القاعدة في تحصيل الحقوق ينبغي أن تتأسس على إمكانات الفعل الذاتي والأستمرار في مشروع المقاومة بأعتباره الباب الرئيس للولوج إلى إستجلاب الحقوق المغتصبة.

في وجه هذه الطروحات كان البعض يزدري مثل هذه الأقوال ويتهم المقاومة بالتحليق في فضاء الأحلام، داعيًا إلى ضرورة إبصار الواقع على حقيقته ذاهبًا إلى أن المتغيرات الدولية تحتم عدم نفض اليد من السياسة الأمريكية مراهنًا على أن خطابًا أكثر ليونة من الجانب الفلسطيني، وسياسات تجنح إلى السلم، وتتجنب التواجه الخشن مع العدو الصهيوني من شأنها أن تفضي إلى سياسة أمريكية أكثر حيادية ونزاهة.

ولقد ظل هذا التباين في المواقف عاملًا من عوامل الاحتقان ومصادر التوتر في الساحة الفلسطينية، باعتبار أن كل دعوة للاصطفاف والتوحد تحت عنوان المقاومة كانت تجابه بالرفض والممانعة من قبل الجناح النافذ في السلطة الوطنية.

وعود الرئيس الأمريكي تثبت أن العقلانية والموضوعية والواقعية كلها من نصيب قوى المقاومة وعلى الصعيد الإجرائي من المتوقع أن تؤدي هذه الوعود إلى وصول حالة الفرز على المستوى الفلسطيني إلى أقصى درجاتها، وأن يترتب على ذلك زيادة في مساحة ممكنات التوافق الوطني، وتقليصًا لعوامل الأختراق والأستقطاب، فالمطروح الذي إنطوت عليه الوعود الأمريكية لا يمكن أن يجاهر بالرهان عليه والتساوق معه في الساحة الفلسطينية إلا الفئة القليلة، التي ستضطر إلى مزيد من المجاهرة والإنكشاف.

لم تكن حركات المقاومة في حاجة إلى نوازل تزيد من التفاف الشارع الفلسطيني حولها واحتضانه لها، إلا أن الحاصل النهائي يشير إلى أن التصريحات الأمريكية ستقود إلى مزيد من الالتفاف والدعم من قبل الشارع الفلسطيني لقوى المقاومة.

فقد إتضح الآن ما الحقوق الفلسطينية وكيف يمكن الوصول إليها، كما إستبان حجم الخداع والزيف الذي دأب البعض على تسويقه فمع كل عملية إستشهادية كان الحديث يدور حول التوقيت الخاطئ والمردودات السلبية. وربما كان من تصاريف القدر الرحيمة أن يتأخر رد حماس ورد قوى المقاومة على جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، فلو قدر لهذا الرد أن يأتي- خاصة إذا كان نوعيًا- قبل صدور تلك التصريحات لأعاد العازفون تلك النغمة الممجوجة، وحملوا المقاومة وزر صدور مثل هذه التصريحات أما الآن فماذا عساهم أن يقولوا؟!

مزید من التلاحم الفلسطيني

رب ضارة نافعة فبالرغم من خطورة التصريحات الأمريكية، إلا أنها ستؤدي إلى توفر الواقع الفلسطيني على مزيد من «العواصم» في وجه «قواصم«.

على الصعيد الرسمي العربي ستلقى التصريحات الأمريكية بمزيد من التحديات على كاهل النظام الرسمي العربي، فحجم التباين ومستوى التناقض سيتعمق بين بعض نظم الحكم والجمهور.

إن أخطار تصريحات الرئيس الأمريكي لن تتوقف عند مستوى الإحراج الذي وجد النظام الرسمي العربي نفسه فيه، فالأمر له توابع أكثر خطورة وإيلامًا، فمضمون هذه التصريحات يصادر على المبادرات العربية المطروحة بأعتبار أن السقف السياسي لهذه المبادرات يتناقض والمدى المطروح أمريكيًا، وتبعًا لذلك فسيجد النظام الرسمي العربي نفسه أمام أحد أمرين إما أن يكف عن طرح المبادرات وإما أن يراعى في صوغها ورسمها محددات الموقف الأمريكي. 

وستضيق مساحة الفعل ومبررات الأشتغال ذلك أن المواقف الرسمية- في غالبها- ظلت تنافح عن ذاتها، وترد على الأتهامات الموجهة إليها بالتقاعس والتقصير، بأنها تسعى إلى التشاور مع الجانب الأمريكي، وأنها تحاول من خلال الدبلوماسية تقديم العون والمساهمة في إجتراح الحلول، كما كانت تدافع عن نفسها إزاء اتهامها بالسير في الفلك الأمريكي، وعدم بذل الجهد الكافي للتعاون مع الأطراف الدولية الأخرى، بأن مفاتيح الحل بالنسبة للقضية الفلسطينية في اليد الأمريكية، وأن مواقف القوى الدولية الأخرى ثانوية.

هذا السجال سيبدو بلا معنى في أعقاب التصريحات الأمريكية فسيجد الرسمي العربي ذاته حائرًا في تقديم المبررات والدفوع حول مستوى أدائه، وحجم إنجازه على صعيد القضية الفلسطينية.

على صعيد عملية التسوية يمكن القول إن تصريحات الرئيس الأمريكي حررت شهادة الوفاة الرسمية لخارطة الطريق التي ماتت سريريًا منذ أمد.

فبعد صدور هذه التصريحات سيغدو كل مسعى ومسلك للتعاطي مع تلك الخارطة من قبيل اللغو فالإدارة الأمريكية كانت تصر على أن الخارطة مشروع أمريكي بالأساس لتحريك الأوضاع وخلخلة الأمور على مستوى العملية السياسية والعدو الصهيوني من جانبه، ورغم تتصله من الخريطة نظريًا بأشتراطاته التي بلغت العشرات، وعمليًا بسياساته التي تعتمد الأحادية. وفرض حقائق الأمر الواقع، فإنه لا يرى جدوى وليس لديه إستعداد للتجاوب مع أي خطط ومقترحات لا تخرج من المعطف الأمريكي. 

التصريحات الأمريكية قوضت هيكلية خريطة الطريق والدعوة إلى الإستمرار في التعاطي مع الخريطة لا يعني سوى إضاعة الجهد، ففي ظل الموقف الأمريكي إما أن تعلن الأطراف الثلاثة الأخرى روسيا والإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إعتراضها على تلك التصريحات، وهو ما يحتوي على تضمينات ولو نظرية بخروج الجانب الأمريكي عن المسار، وما ينبغي أن يترتب على ذلك من إعادة النظر في أمر الخريطة المعنونة حرفيًا بخريطة الطريق للجنة الرباعية.. وإما أن تبتلع هذه الأطراف تلك التصريحات، وتلتف حولها، وهذا الموقف بحد ذاته يعطي دلالة قاطعة على مواقف تلك الأطراف ومستقبل الخارطة.

خطأ ترحيل القضايا الأهم

ما أعلنه الرئيس الأمريكي يؤكد الخطأ المتكرر الذي وقعت فيه منظمة التحرير والسلطة الوطنية لاحقًا حيث تم ترحيل وتأجيل القضايا المصيرية إلى مراحل التفاوض النهائي، وهذه الصيغة بحد ذاتها تحمل تنازلات، فالأمور الموكلة إلى التفاوض تعني أن هذه القضايا محل اختلاف وميادين للمساومة، أما الثوابت والقطعيات فلا يمكن أن تطرح للتفاوض، فهل أجلت إسرائيل الأعتراف بها، وتعديل ميثاق المنظمة إلى مراحل الحل النهائي؟

إذا كان من عبرة ينبغي إستخلاصها من تصريحات الرئيس الأمريكي، فإن العبرة الأساس هي ضرورة أن يصر الفلسطينيون على إدراج حقوقهم كثوابت في أي أطروحة تسوية، ودون ذلك سيتوالى التجريب والتمرين في حقوق أمة بأسرها يريد البعض أن يضيعها ويتلاعب بها كيفما شاء في أسواق المساومات وبأزارات المبادرات.

الرابط المختصر :