; متى ينتهي عصر الانتكاس العربي | مجلة المجتمع

العنوان متى ينتهي عصر الانتكاس العربي

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1983

مشاهدات 65

نشر في العدد 614

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 29-مارس-1983

  • هدم الخلافة الإسلامية كان توطئة لتهويد فلسطين.
  • الواقع العربي المتخلف هو نتيجة لغياب العقيدة عن واقع الحياة.
  • السلطان عبدالحميد: رفض السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين.
  • حاييم وايزمن: العدو المشترك «تركيا».

لا يختلف اثنان في ديار العرب على أن العصر الذي نعيشه مقارنة بما سبق من عصور يعتبر من أكثر العصور انتكاسًا بالنسبة للعرب على الرغم من كل مظاهر الحضارة الزائفة المستوردة.

ومظاهر الانتكاس الحضاري تبدو واضحة في كل مجالات الحياة العربية السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، في كل متكامل يؤثر بعضه في بعضه الآخر كما يؤثر الضرس المعطوب فيما جاوره من ضروس.

ففي المجال السياسي نجد المواطن العربي بوجه عام مغيبًا عن المشاركة في القرارات المصيرية التي تتعلق به وبمستقبله على المواطن العربي أن يتلقى النتائج التي تترتب على القرارات التي يصنعها بعض ساسته، وهذه النتائج في مجملها سيئة وعليه أن يتحمل -أي حتى يكون مواطنًا صالحًا فعليه أن ينهض بمسؤولياته في تحمل هذه النتائج المفروضة عليه، والتي لا يتحمل أي مسؤولية في حدوثها، ويكون حاله أشبه بحال «تيم» التي وصفها الشاعر بقوله:

وَيُقضى الأَمرُ حينَ تَغيبُ تَيمٌ

وَلا يُستَأمِرونَ وَهُم شُهودُ

وفي المجال الثقافي نجد معظم أجهزة الإعلام العربية وفي معظم برامجها تركز على الجوانب التافهة والهابطة من الأغاني والتمثيليات والأفلام والأخبار والمقالات التي تعمل جاهدة لصبغ الوجدان لدى المواطن العربي بصبغة غريبة عن الأصالة والإبداع، ثم هناك المناهج التعليمية المليئة بالحشو والمغالطات والتزوير، كما أن هناك مدارس التبشير المنتشرة في طول البلاد العربية وعرضها. 

وعلى سبيل المثال لا الحصر تذكر هذه الإحصائية المذهلة عن مدارس التبشير في الأردن وحدها كما ذكرها الأستاذ يوسف العظم في محاضرته بجامعة الكويت يوم 19/3/83: يوجد في الأردن «شرق الأردن» 146 مدرسة تبشيرية منها 50 مدرسة في عمان وحدها، وتضم هذه المدارس 32000 طالب منهم 83% مسلمون أي 26560 طالبًا. أما المدرسون في هذه المدارس فمنهم 1% مسلمون و99% مسيحيون، فإذا أخذنا في الاعتبار أن هذه المدارس تضم بعض أبناء القيادة في الوطن العربي أدركنا خطورة هذه المدارس على عقلية المواطن الذي يعد ليكون قائدًا من قواد هذه الأمة ورائدًا من روادها. وبطبيعة الحال فإن هنالك أحزابًا علمانية تنتظر هذا الطفل عندما يصبح شابًا وهذه الأحزاب العلمانية أسسها جميعًا في الوطن العربي نصارى، فالحزب القومي السوري الاجتماعي أسسه أنطون سعادة، وحركة القوميين العرب أسسها جورج حبش، وحزب البعث العربي الاشتراكي أسسه ميشيل عفلق. فهل تكون الصدفة وحدها هي التي جمعت هؤلاء الثلاثة وبقية قادة الفكر العلماني في الوطن العربي أمثال كلوفيس مقصود وقسطنطين زريق وإميل البستاني وسلامة موسى.. وكلهم من النصارى؟ وأما الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي فقد أسسها يهود من فلسطين ومصر والعراق، ومن أراد أن يتحقق فالمراجع في هذا الشأن كثيرة

وأما في المجال الاجتماعي، وهو غير منفصل عن المجال الثقافي ولا حتى السياسي، فإننا نجد الانحلال في مجال الأسرة والأخلاق رديفًا للانحطاط الثقافي والشعور بالنقص إزاء الغرب «الرأسمالي والشيوعي» وبالتالي محاولة تقليدهم في المظهر دون الجوهر، وفي الفساد دون العلم. وفي التحلل وليس التنقيب والبحث، فينشأ عن ذلك في الأسرة الواحدة أبناء وبنات يدينون بالتبعية الفكرية لهذا المعسكر أو ذاك، فينعكس ذلك على مظهرهم ومسلكهم، فينشأ الاحتكاك والتصادم بين الإخوة بعضهم مع بعض وبين جيل الأبناء وجيل الآباء مما يؤدي إلى التفكك الاجتماعي وغياب مفهوم الأسرة بمعناه العربي الإسلامي، فتصبح الحياة الاجتماعية فوضى

ومادامت هي كذلك فلا علاقة للنظم السياسية بها، بل هي تشجعها إلا أن تتحول الفوضى إلى ثورة على النظام أو بوادر ثورة.. عندئذ يضرب النظام ضربته ليظل في مأمن من الانهيار

وأما في المجال الاقتصادي فإننا نجد اقتصاد العرب رغم قوته الظاهرية لدى كثير من البلدان العربية إلا أن هذا الاقتصاد غير الموحد تابع لسيطرة الدول الكبرى التي تحصل على المواد الخام من البلاد العربية وتحصل على المال أيضًا وتستثمرهما -المواد الخام والمال- في بلادها ثم تصدر للبلاد العربية «بضاعة» استهلاكية كالسيارات والأدوات والملابس فتمتص ما دفعته من أموال ثمنًا للمواد الخام وتستثمر هذه الأموال من جديد في بلادها

وهكذا دواليك حتى يرتبط الاقتصاد العربي -إن جاز التعبير- بالاقتصاد الغربي ارتباط التابع بالمتبوع، فلا يستطيع فكاكًا

وتجربة الاقتصاد الإيراني مع أميركا ماثلة للعيان، ثم ترسل الدول الكبرى إلى البلاد العربية أسلحة لا لتقاتل بها إسرائيل وإنما لتقاتل بعضها بعضًا أو لتقتل بها شعبها أو لتصدأ في مخازنها دون استعمال، والشواهد على ذلك كثيرة.

هذه المجالات في الحقيقة ليست أسبابًا لمظاهر الانتكاس الحضاري العربي بمقدار ما هي نتائج لأسباب أخرى بل هو سبب واحد هو غياب العقيدة عن واقع هذه الأمة بل غيابها من النفوس قبل الواقع ولقد أشار الداعية الإسلامي الشهيد حسن البنا رحمه الله إلى هذا المعنى حين قال ما معناه: «أقيموا العقيدة في نفوسكم تقم في حياتكم». فلنسأل أنفسنا: هل نحن مسلمون بل هل نحن مؤمنون؟ وفرق بين الإيمان والإسلام لقوله تعالى ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (سورة الحجرات:14) وإذا كان الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل فهل سلوكنا مطابق لعقيدتنا؟ هل نحن حاضرون مع الله على الدوام أم إننا مثل ﴿كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُم﴾ (الحشر:19).

عندما احتل اليهود قطاع غزة عام 1956م وقف أحد علماء الدين على قارعة الطريق وألقى بعمامته الأزهرية إلى أعلى احتجاجًا على أن الله نصر الكفار على المسلمين، ونسي هذا «العالم» الحديث القدسي الذي يقول: «إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني» وفي عام 1967م عندما احتل اليهود القطاع للمرة الثانية اتخذ أحد علماء الدين من المسجد مكانًا ينظم فيه الشباب للجهاد. فهل يتساوى هذا العالم مع ذاك الجاهل ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون﴾ (الزمر:9)

هذه الحقيقة، وهي أن غياب الإسلام يؤدي إلى انحطاط المسلمين، وحضور الإسلام في نفوسهم وواقع حياتهم يؤدي إلى نهضتهم وسمو شأنهم عرفها أعداء الإسلام من الصليبيين واليهود والملحدين والوثنيين، ولذلك فقد عملوا مجتمعين ومنفردين على تغييب الإسلام من نفوسنا ومن واقع حياتنا، وذلك منذ أن تأمروا على الدولة العثمانية وهي آخر خلافة إسلامية، ظل أعداء الإسلام يتآمرون عليها من الخارج فلم يفلحوا في تحطيمها ثم انتقلوا إلى التآمر عليها من الداخل فأفلحوا هذه المرة في إنشاء جمعية الاتحاد والترقي التي تشكلت من الماسونيين ومن يهود الدونمة الذين تظاهروا بالإسلام وعلى رأسهم مصطفى كمال الملقب أتاتورك أي أبو الأتراك ومعه جمال باشا السفاح.. هؤلاء اليهود هم الذين عملوا على هدم الخلافة الإسلامية تمهيدًا لقيام «دولة إسرائيل» وقصة اللقاء المثير بين الخليفة العثماني عبدالحميد وزعيم اليهود هرتزل معروفة حين طلب زعيم اليهود من الخليفة السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين وعرض عليه ملايين الجنيهات من الذهب فرفض رفضًا باتًا وقال: «إن فلسطين ليست ملك يميني، بل هي ملك شعبي الذي رواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي وهذا أمر لا يكون».

هذا هو موقف الخليفة عبدالحميد رحمه الله من قضية فلسطين ولذلك تآمر عليه اليهود حتى أسقطوه وبسقوطه سقطت آخر خلافة إسلامية حافظت على فلسطين عربية إسلامية أما أدعياء العروبة الذين يتحدثون عن «الاستعمار التركي للبلاد العربية» فهم في الحقيقة يلتقون مع أعداء الله من اليهود والنصارى.

يقول الزعيم اليهودي حاييم وايزمن عام 1918م: إن المخاوف التي تساور العرب والتي يشيرون إليها سرًا أو علنًا نشأت من سوء فهمهم المقاصد الصهيونية أو عن الدسائس التي يدسها لهم العدو المشترك (تركيا) ولذلك لم أر مندوحة من تحذير الناس من تصديق أن اليهود يرمون إلى لاستئثار بالسلطة السياسية في البلاد».

وفي إحدى رسائله إلى الشريف حسين عام 1915م يقول مكماهون «نائب ملك بريطانيا»: «إنا نصرح مرة أخرى أن جلالة ملك بريطانيا العظمى يرحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع تلك الدوحة النبوية المباركة».

أرأيتم حرص بريطانيا على استرداد الخلافة إلى يد عربي صميم؟ أرأيتم اعتبار اليهود لتركيا عدوًا مشتركًا لليهود والعرب؟ كانت تركيا عدوا لليهود لأنها لم تسمح لهم بالاستيطان في فلسطين فلماذا هي عدو للعرب؟ ولماذا تردد هذا الكلام في كتبنا المدرسية حتى يومنا هذا؟ وهل كانت بريطانيا حريصة فعلًا على عودة الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع الدوحة النبوية المباركة أم أنها كانت تريد من العرب أن يقاتلوا الأتراك حتى يتمكن اليهود من الاستيلاء على فلسطين بل وأكثر من فلسطين؟

لقد كثر الحديث عن تخلف العرب في العهد العثماني فهل نهض العرب بعد زوال هذا العهد؟ أم أن التآمر على الإسلام بهدم الخلافة كان تآمرا على العرب بضياع فلسطين؟

واليوم نرجو من أميركا التي كانت أول دولة تعترف بإسرائيل أن تساعدنا على ماذا؟ تحرير فلسطين؟ لا انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة؟ أي أراض محتلة؟ إن كل شبر من فلسطين أرض محتلة.. أم من الأراضي المحتلة عام 1967م؟ ولماذا تبني المستوطنات تلو المستوطنات ثم تستولي على أراض جديدة بحجة دواعي الأمن وإقامة معسكرات الجيش ثم تحول تلك المعسكرات إلى مستوطنات مثلما حولت شارون من وزير حرب إلى وزير مستوطنات، وقد كانت هذه مهنته قبل أن يكون وزير حرب، إذ إن الحرب من أجل الاستيلاء على أراض جديدة والأراضي الجديدة يجري إعدادها لتكون منطلقًا لحرب جديدة وهكذا!

من يوقف هذا المد اليهودي الصهيوني وهذا الانتكاس والانحسار العربي؟ هل هي أميركا؟ اقرأوا التاريخ يا عرب! 

يقول وايزمن في مذكراته: «طلبت من ترومان أن يقسم النقب بيننا وبين العرب على أساس خط عمودي، فأمر ترومان مندوبه بأن يكون النقب كله لنا»! ونحن اليوم نطالب أميركا بجزء من فلسطين فهل تعيد لنا فلسطين كلها؟!

اصحوا يا عرب، فتحرير فلسطين لا يكون إلا بالجهاد، والجهاد لا يقوم به إلا مسلمون، والمسلمون لا يستحقون شرف الانتماء لأمة محمد إلا بشروط.. يقول جل من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110).

نأمل أن نكون.. وعندئذ يتوقف الانحدار.

الرابط المختصر :