العنوان من يوميات امرأة مسلمة: كيف ينبغي أن نفهم الحرية؟
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
مشاهدات 56
نشر في العدد 849
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
بينما كنت أتصفح إحدى الصحف اليومية وقع نظري على شكوى لمواطن فُصل من عمله لأنه
وجّه نقدًا لجهة العمل التي هو أحد موظفيها.
سأله المسؤول عن العمل أأنت من نشر المقال في الجريدة الفلانية؟ فأجاب المواطن:
نعم..
قال له رب العمل: «أنت مفصول وخلي الجرايد تنفعك».
فضرب بذلك مثلًا رائعًا لإنسان العالم الثالث! وجعله عبرة لكل من يعتبر!
وصاح المواطن بأعلى صوته: أنا سجين.. لأنه شعر لأول مرة أنه سجين ويجب أن يبقى
سجينًا إلى ما شاء الله.. ولكن مادام من أبناء العالم المصنف ثالثًا فليس هناك أمل
في الحرية!
مثال من السماء
حريتنا هذه التي أمرنا الله بالدفاع عنها وقبل أن يأمرنا بذلك ضرب لنا سبحانه
وتعالى أروع وأقدس مثال عليها.
عودوا معي إلى بداية خلق الإنسان، حين أراد الخالق العظيم أن يجعل في الأرض خليفة
له.. قال للملائكة وهو خالقهم إني جاعل في الأرض خليفة.. والمنتظر هنا أن تستجيب المخلوقات
لرغبة الخالق بدون نقاش فواجب المخلوق المطيع خاصة طاعة ربه في كل أمر.. ولكن الملائكة
تسأل: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (البقرة: 30).
ويرد الحق جلا وعلا: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
(البقرة:
30).
دليل رباني آخر
وكان هذا كافيًا لامتناع الملائكة عن أي سؤال آخر ولكن الإله العظيم شاء أن يقدم
دليلًا مقنعًا لمخلوقاته: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 31)! وتتراجع الملائكة أمام السؤال
وتجدد اعتراضها بقدرة خالقها وتجيب: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا
مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 32).. ويأمر الله عز
وعلا آدم بتقديم البرهان القاطع للملائكة.. ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ
بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ
إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا
كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: 33).
الحرية مطلوبة مع الخالق فكيف مع المخلوق؟
في هذا التصوير القرآني المختصر الرائع لا يخفى على القارئ المسلم أن الله يضرب
لنا مثلًا واضحًا للحرية.
فالملائكة المخلوقة مارست حريتها كاملة ليس مع مخلوقات مثلها إنما مع خالقها..
واستفسرت عن أمر شاء الله أن يكون، وأباح الله لها ذلك وفاقت عدالته ذلك بأن قدّم الدليل
على عمله وقدرته.
ألم يكن الله قادرًا على عقابهم وهو خالقهم؟ لو أن في ذلك ذنبًا ألم يكن قادرًا
على استبدالهم بأفضل منهم لو أنهم كانوا مخطئين؟ ولكنه لم يفعل ذلك سبحانه وتعالى لأنه
أباح لهم حق السؤال والاستفسار.
مثال سماوي رائع في الحرية
ومثل آخر يضربه لنا الحق سبحانه حين يأمر الشيطان بالسجود لآدم ويرفض الشيطان
أمر ربه ويعلل ذلك بأنه أفضل فقد خلقه من نار بينما خلق آدم من طين.. وبالإضافة لعصيانه
يطلب من ربه أن يمهل عقابه ويقول: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
(الحجر: 36) ويُنظره ربه ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ
الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: 37-38) ثم يزيد في معصيته لخالقه ويوجه له اتهامًا وتحديًا ﴿قَالَ
رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر: 39).. كل هذا كان معصية من مخلوق لخالقه وكل هذا كان عدلًا من
خالق لمخلوقه.
العاصي المتمرد والملعون يمارس حريته في التعبير أمام خالقه وصانعه وصاحب نعمته.
والمخلوق لا يستطيع ممارسة جزء من حريته أمام مخلوق مثله!
يتعامل الله مع مخلوقاته بالحرية!
يقول الله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا
إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23) ومع ذلك فإن ملايين
البشر تخالف قضاء الله.
ملايين البشر تعبد آلهة غير الله.. وملايين البشر تعق والديها ولم يقطع الله
الرزق على من خالف قضاءه.
لم يمنع عنهم الهواء.. ولا الماء.. ولا حريتهم في ممارسة ما يشتهون ووعد الحق
بأنه لن يُعذّب أحدًا إلا بعد محاكمة دقيقة لا يضيع فيها مثقال ذرة من خير ولا من شر.
وها نحن نمارس حريتنا كاملة.. حتى في المعصية لقضاء الله وها نحن واثقون أننا
لن ننال إلا ما جنينا.
كل هذه عبر وضعها لنا إلها لكي يعلمنا أن الحرية شيء مقدس، وأنه إذا كان الخالق
يمهل مخلوقاته فالأجدر بالمخلوق أن يمهل المخلوق.
هذا إذا أردنا أن نعتبر من نبع شريعتنا الذي لا ينضب.
متى نواجه أنفسنا بالحرية؟
ألا تتساءلون معي إلى متى سيظل عالمنا عالمًا ثالثًا؟
ومن يقول إننا لا نرغب في أن نكون مع ركاب العالم الأول.
ولكن هذا لن يتم حتى نستطيع أن نغير من نوعية الإنسان المسلم، فإذا كانت أمور
الحياة على وجه العموم تتطلب عاملًا ومسؤولًا، فإن نفسية المسؤول يجب أن تتغير وذلك
بقبول كل ما يرد من نقد.. وبمواجهة كل المشاكل والآراء بشيء من التخلي عن مركزية الذات..
لأن المسؤول حين يتخلى عن مركزية ذاته يثبت بذلك أنه يريد الأفضل لعمله الذي هو مسؤول
عنه.
وحين يستطيع العامل أن يقول كل ما يجول في نفسه بدون خوف من أحد.. أو بدون خوف
من أن يقطع رزقه.. أو تصادر حريته.. حين يشعر الأضعف بعدم وجود قيود تمنعه من الانطلاق
في أن يقول وحين يشعر الأقوى أنه مستعد لسماع أي رأي بدون أن يفقد أعصابه.. وبدون أن
يتورط في ما يفعله.. حينها نكون قد حققنا الخطوة الأولى لصناعة الإنسان القادر على
صنع حضارة إسلامية من جديد.
تلك الحضارة التي ستجعلنا نتقدم بخطى سريعة لكي نسود ونصبح عالما من نوع خاص
أفضل من الأول والثاني والثالث؟!
الحرية أداة للتعرف على الأخطاء
إن إصلاح الوضع أي وضع كان، لا يتم إلا بمعرفة الخطأ حتى يتم إصلاحه والخطأ قد
لا يستطيع المخطئ وحده أن يراه أو ربما كان يراه في زاوية واحدة بينما قد يراه آخر
من زاوية أخرى. لذا فقد كان ضروريًّا جدًّا أن نقول ما نراه أصلح وفي نفس الوقت نتقبل
سماع أخطائنا ونطبق هذا على كل نواحي الحياة.
الموظف المسؤول.. العامل ورب العمل.. التلميذ المدرس الزوجة والزوج.. الأولاد
والآباء.
لا مانع أبدًا أن يتفق الرئيس والمرؤوس على تنظيم فترة معينة يتحررون فيها من
قيود مراكزهم بتبادل الآراء والانتقادات بهدف الإصلاح.. والدليل خير البراهين.
عمر بن الخطاب يقدم نموذجًا رائعًا في الحرية
وليس هذا بدعًا من القول، فها هو عمر بن الخطاب الخليفة الراشدي الثاني يشدد
على حرية النقد والتعبير وإبداء الرأي قائلًا: لا خير فيكم أن تقولوها ولا خير فينا
إن لم نسمعها.
عمر نفسه القائل، من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقوّمه بسيفه، ولما وقف أحد المسلمين
وقاله له: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا، فقال عمر قولته المشهورة:
الحمد لله الذي جعل في أمتي من إذا أخطأت قومني.
إن الذي يرفض حرية التعبير أو يحارب النقد البناء إنما يتعدى بذلك على حق إلهي
منحه الله سبحانه وتعالى للبشرية كي تمارسه.
الحياة السليمة لا تقوم بغير حرية
لأن الله عندما منح الإنسان هذه الحرية ما منحه إياها عبثًا إنما لكون الحياة
لا تقوم بدونها، إذا قامت فهي عمومًا حياة نكد وقلق وحرمان وظلم وكراهية حتى إن حياة
الحيوان لتكون أفضل ألف مرة من حياة الناس الذي يصادرون حرية النقد أو يتهربون من محاربتها.