; الفارق بين الدعوة والتنصير (4).. شرعية ومشروعية الدعوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الفارق بين الدعوة والتنصير (4).. شرعية ومشروعية الدعوة الإسلامية

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008

مشاهدات 63

نشر في العدد 1822

نشر في الصفحة 66

السبت 11-أكتوبر-2008

عن الفارق الجوهري بين دعوتنا الآخرين إلى الإسلام، ودعوتهم لنا إلى شرائعهم تحدث الصحابي حاطب بن أبي بلتعة (23 ق.هـ - 30هـ / 586- 650م) في حواره مع المقوقس - عظيم القبط سنة 7هـ / 628م عندما حمل إليه رسالة رسولنا ﷺ: فلقد جاء في هذا الحوار ما يؤكد هذه الحقيقة.. حقيقة أن الدعوة إلى الإسلام هي دعوة إلى »إضافة« وليست دعوة إلى «انتقاص» أو «كفر» أو »«جحود» أو «ازدراء» كما هو الحال في دعوات الآخرين وتبشيرهم.. الأمر الذي يعطي الشرعية والمشروعية والمنطق والعدل للدعوة للإسلام على وجه الخصوص والتحديد، لقد بدأ المقوقس بسؤال حاطب:

- ما الذي يمنع صاحبك – »أي الرسول« -إن كان نبيًا- أن يدعو علي فيسلط علي؟! - فأجاب حاطب: منعه الذي منع عيسى ابن مريم أن يدعو على من أبي عليه أن يُفعل به ويُفعل!

فوجم المقوقس ساعة »أي فترة« ثم استعاد إجابة حاطب.. فأعادها عليه حاطب. فسكت المقوقس.

 وهنا استأنف حاطب الحوار، فقال للمقوقس إن لك دينًا »أي النصرانية« لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكننا نأمرك به» (1)

وهكذا... ومن اللحظات الأولى لخروج الدعوة إلى الإسلام من شبه الجزيرة العربية، كانت الدعوة إلى الإسلام بمثابة «الإضافة» لا «الانتقاص» مما لدى الآخرين.. وبمثابة المزيد من الاحترام المجمل ما عندهم، لا الازدراء لأي من الثوابت التي اجتمعت عليها طوائفهم ومذاهبهم وبمثابة إضفاء القدسية على جميع الرموز الدينية التي لم يتم تقديس جميعها إلا في إطار الإسلام.

 إن اليهودي كافر بالنصرانية وبالإسلام، وجاحد لهما، ومزدر لرموزهما وعقائدهما، فإذا دخل اليهودي النصرانية أضاف الإيمان بها والاحترام لها ما كان لديه.. وظل على كفره وجحوده وازدرائه للإسلام.. فإذا ما دخل النصراني إلى الإسلام فإنه يضيف إلى إيمانه واحترامه لليهودية والنصرانية الإيمان والاحترام للإسلام، ولكل مواريث النبوات والرسالات والشرائع والكتب التي مثلت هدي السماء إلى الإنسان، على مر تاريخ النبوات والرسالات.

 إن اليهودي هو أشبه ما يكون - إزاء الديانات السماوية- بالحاصل على «شهادة الإعدادية» فإذا دخل النصرانية كان كمن أضاف «شهادة الثانوية« إلى »الإعدادية«.... فإذا دخل النصراني إلى الإسلام كان كمن أضاف »الشهادة الجامعية» إلى «الإعدادية» و«الثانوية».

 ومن هنا كان الفارق الجوهري بين التبشير بالإسلام وبين التبشير بغيره من الأديان.. فارق الإضافة للإيمان والاحترام للرموز الدينية... بدلاً من الانتقاص والازدراء.

 إن الفيلسوف الفرنسي »روجيه جارودي« عندما اعتنق الإسلام قد أضاف إلى إيمانه بموسى وعيسى الإيمان بمحمد.. وأضاف إلى إيمانه بالتوراة والإنجيل الإيمان بالقرآن.. وأصبح داعية إلى ملة إبراهيم، الذي هو الأب لجميع هؤلاء الأنبياء.

بينما سلمان رشدي الذي -ارتد عن الإسلام- قد نكص عن الإيمان بالإسلام وكتابه وشريعته ورسوله.. وأحل ازدراءه لهذا الدين السماوي محل الاحترام الذي كان قائمًا قبل الارتداد...

ذلك أن التصديق بالوحي القرآني هو تصديق بمطلق الوحي الإلهي لجميع الأنبياء والمرسلين على امتداد تاريخ النبوات والرسالات: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا * وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا * رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗ﴾ (النساء: 163-165)، ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ (البقرة:285)

 ولهذه الحقائق الموضوعية والمنطقية والعقلية- كان الحق والعدل والإنصاف في منع الدول الإسلامية التنصير الرسمي في مجتمعاتها.. لأنه ليس حجرًا على الحرية المشروعة، وإنما هو حماية المقوم أساسي من مقومات الدولة والمجتمع.. وحرص على عدم الانتقاص من مجمل الإيمان بكامل الشرائع الدينية.. ومنع الازدراء أي من الديانات السماوية.. فبالإسلام يكتمل الإيمان بالدين الإلهي الواحد، والاحتضان للشرائع السماوية المتعددة والاعتراف بكل الكتب السماوية.. من صحف إبراهيم وموسى إلى إنجيل المسيح- عليه السلام.. إلى القرآن الكريم الذي نزل على الرسول الخاتم ﷺ، مصدقًا لما بين يديه من كتاب- مطلق كتاب ﴿أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ (المائدة:48)

الهامش

1- ابن عبد الحكم »فتوح مصر وأخبارها «ص 46، طبعة لندن سنة 1920م.

الرابط المختصر :