العنوان السلطة بين القمع والحرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
مشاهدات 78
نشر في العدد 463
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
* فقدان الحرية بمختلف معانيها وميادينها
* الاستئثار بالسلطة والتجبر في رقاب الناس
* نهب الخيرات وحرمان الشعب منها
* انحراف الحاكم عن عقيدة الأمة
* الإباحية تؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار
* الأنظمة التي رفعت شعار الاشتراكية والقومية والديمقراطية أساءت استخدام السلطة
* القمع والكبت يهيئ الجو لعشعشة الأفكار المنحرفة والحركات المتطرفة
* خير نظام للحكم هو ذلك النظام الذي تحكم فيه بالعدل الرعية ويقسم بينها بالسوية
نحن اليوم أمام ظاهرة قديمة جديدة؛ قديمة لأنها عرفت على مدار التاريخ البشري، ثم إنها جديدة لأنها تبلورت وانتشرت بصورة سريعة في القرن العشرين، ولنقل في العقود الأخيرة من القرن العشرين. تلك هي ظاهرة الثورات الشعبية العارمة والانتفاضات الجماهيرية الغاضبة. هذه الثورات والانتفاضات التي تثور على نظم الحكم في بلدانها وبالذات على الرأس الحاكم، سواء كان فردًا أو عائلة أو حزبًا.. وتساءل الناس بشكل عام عن الأسباب والعوامل التي تدفع الشعب -أي شعب- لأن يقوم قومة واحدة على الفئة الحاكمة فيه ليقتلعلها من جذورها ويريح الشعب من ظلمها وويلاتها.
على أن هذا السؤال ربما كان مطروحًا بشكل جدي، وربما بصورة مغلقة، في أوساط الفئات الحاكمة في جميع دول العالم.
وفي محاولة لتفسير هذه الظاهرة لا بد من الرجوع إلى التاريخ، ففيه عبر كثيرة، ولا نريد هنا أن نخوض في جدال عقيم حول أن التاريخ يعيد نفسه أم لا؟ فمما هو متفق عليه أن التاريخ طالما هو سجل الوقائع التي أحدثها الإنسان. والإنسان -كما نعرف ونعتقد- هو الإنسان في نوازعه وشهواته وغرائزه وطبائعه، تكاد لا تتغير إلا بمقدار التزامه بعقيدة معينة تضبط سلوكه فتهذبه.. ولم يعرف التاريخ -ولن يعرف- عقيدة أسمى من الإسلام وأشمل في ضبط سلوك الإنسان ونوازعه. وعليه فإن حوادث التاريخ تتشابه بل تكاد تتطابق أحيانًا؛ اللهم إلا من حيث الشكل والإخراج التي عادة تتأثر بظروف العصر.. نقول هذا لبيان وقدر ومكانة العبرة من التاريخ...
ونحن إذ استعنا بالتاريخ بهذا الفهم وأعملنا الفكر وجدنا أن كل ثورة -أي ثورة- أو انتفاضة جماهيرية لا بد أن تكون بسبب هذه العوامل: فقدان الحرية بمختلف معانيها وميادينها، أو استئثار الفئة الحاكمة بالسلطة واستخدامها للتجبر في رقاب الناس، ونهب خيرات البلاد وحرمان الشعب منها، وإذا كان الشعب صاحب عقيدة ومفهوم معين في هذه الحياة خاصة إذا كان دينًا من عند الله، فيضاف إلى هذه الأسباب سبب آخر هو انحراف الفئة الحاكمة عن هذه العقيدة في أشخاص أفرادها وانحرافها من تطبيق ملتزمات هذه العقيدة، والتحريض على ما يناقضها عبر وسائل الإعلام المتاحة ونشر الفساد والرذيلة.. نقول: ربما كان عامل واحد من هذه العوامل هو الذي يشعل فتيل الثورة، وربما يكون سببان، أو ربما وهو الغالب تشابك هذه العوامل جميعًا...
والأمثلة من التاريخ كثيرة؛ غير أننا حتى تكون العبرة أبلغ وأوقع نضرب لأمثال من العصر الحاضر لا زلنا نتابعها ونقرأ عنها، ويكاد سيل المعلومات الصحفية وتضارب الأخبار حول دقائقها وتفاصيل الأحداث فيها يكاد ينسينا العبرة منها...
في دولة من دول أمريكا اللاتينية.. شعبها في معظمه يعتنق النصرانية -إنها نيكاراجوا- تربع على عرش السلطة فيها الحاكم المطلق سوموزا.. استبد بالحكم واستأثر بالخيرات.. بنى القصور الفارهات، وامتلك الشركات، واتخذ بطانة تدين له بالولاء أغدق عليها المال حتى بدا للشعب السانديني أن هذا الحاكم ليس منه.. إنه يحيا حياة كلها ترف وإغراق في الشهوات.. وفضلًا عن هذا فقد ربط مصير بلاده بالاقتصاد الأمريكي الرأسمالي.. الذي أدى بدوره إلى حرمان عامة الشعب من الخيرات وانتشار الفقر والبطالة. ومن شدة غروره وجنونه بالسلطة ظل يتصرف مع استفحال الثورة عليه كأنه الحاكم المطلق! ولكن أين المفر؟ فقد زرع بيديه كل أسباب الثورة فليحصدها.. وكان من أمره ما كان.
وهذه الحبشة التي ابتليت «بالحاكم بأمر الله» هيلا سلاسي الذي استبد بالحكم لسنوات طويلة، كبت فيها الحريات، وتربع على العرش ليهلك الحرث والنسل.. لقد ثار عليه الشعب كله بما في ذلك المسلمون الذين حكمهم بالحديد والنار. لقد طار، وكان من قصته ما كان، ونحن إذ نورد هذه الأمثلة إنما نوردها للعبرة فقط، لا لنقرر أو نحكم بأن الأنظمة البديلة خيرًا منها. هذا موضوع آخر.
وعلى أية حال فإننا نعتقد بالإسلام وحكم الإسلام، وأي نظام غيره لدينا غير مقبول.. غير أننا نؤمن كذلك بأن الأنظمة العادلة في غير بلاد المسلمين خير من أنظمة الظلم والاضطهاد.
وقد جرب العالم الإسلامي أنظمة الفرد الحاكم والأسرة الحاكمة والحزب الحاكم.. في باكستان استأثر بالحكم حزب الشعب حزب علي بوتو.. رفع شعارات اشتراكية؛ بينما تركزت في عهده الإقطاعية والرأسمالية.. آمن بالليبرالية وهو يحكم شعبًا مسلمًا متدينًا.. تردت الأوضاع الاقتصادية وانتشر الفساد والرشوة والمحسوبية، وغلت الأسعار، وفي نفس الوقت حجر على العلماء وحد من نشاط الحركة الإسلامية، وفوق هذا كله ليستأثر بوتو بالحكم هو وحزبه زور الانتخابات وسجن معارضيه حتى يغيبوا عن الساحة، وبذلك اكتملت جميع عوامل الثورة.. ولكنها هذه المرة لأسباب كثيرة كانت منظمة إلى حد ما كان من نتيجتها أن أقصي حزب الشعب من الحكم ونفذ حكم الإعدام في بوتو...
وهذه الأفغانستان لا تزال الثورة فيها تغلي لتقتلع الطغيان وتقضي على سلطة الحزب الحاكم الغاشمة.. شعب مسلم عريق يراد له أن يخرج من دينه وعقيدته وتقاليده من أجل عيون الشيوعية والاتحاد السوفيتي، فلم لا يثور الشعب الأفغاني المسلم؟ ولم لا يحطم الطغيان؟
على أن المثل الأبلغ والأكثر شخوصًا نظام العائلة نظام أسرة بهلوي.. ولو أردنا أن نذكر كل شيء عن الشاه الذي أصبح طريدًا لطال بنا المقام، ولكننا نذكر باختصار واقعة وأسباب الثورة على حكمه.. فقد ورث الشاه الحكم من أبيه الذي نصب بعون الإنكليز.. ومنذ اكتشاف النفط في إيران وبدء نشاط الشركات البترولية فيها بحيث أخذت تعود على إيران -وبالذات على أسرة بهلوي- مبالغ طائلة.. ومنذ محاولة الانقلاب عليه عام 1952 بدأ يتخذ كل وسيلة لتثبيته في الحكم بالقهر والقسوة والجبر.. أسس السافاك التي من خلالها كمم الأفواه، واعتقل الأبرياء، وقتل الكثير من المواطنين.. حجر على الحريات.. وشجع على الفساد بكل أشكاله خاصة، وأنه قرب اليهود ومكن لهم.. اعتمد في حكمه على البهائيين أعدى أعداء الدين، ولذلك حورب العلماء بشدة في عهده، وديست كرامة الشعب الإيراني...
جعل له بطانة أثرت معه ثراء فاحشًا على حساب الشعب، وفي كل يوم نسمع عن الأموال التي سرقها الشاه أو التي بذرها في إسرافه على نفسه وعلى عائلته وعلى نشر الفساد.. والمهم أن الشاه كان حريصًا جدًّا على سلخ إيران من دينها عقيدة وسلوكًا، وحتى مظهرًا.. وكمثال على التفاوت الاقتصادي والاجتماعي الذي خلقه الشاه هو مدينة طهران نفسها فقسم منها منظم تنظيمًا عصريًّا رائعًا، وقسم آخر كأنه من مدن العصور الوسطى.. لقد حرم الشعب الإيراني خاصة في المناطق التي لا يزال للقيم الدينية فيها تأثير واضح.. وعلى سبيل الاختصار فإن شاه إيران استبد بالحكم وحرم الشعب من خيرات النفط، وقمع كل الاتجاهات المعارضة، وبذر الأموال وأسرف في الشهوات وتغرب في السلوك والعادات والطبائع، حتى آن الأوان فانفجرت عليه ثورة عارمة تعتبر من أعجب الثورات في اتفاق المراقبين.. فأين هو الشاه الآن؟ وكيف آل إليه مصير أسرة بهلوي؟!
وهكذا فإن الحرمان والجوع والظلم الاجتماعي والانحراف عن نهج العقيدة، كل هذا يؤدي إلى الثورة أو الانتفاضات، أو ربما كما ظهر في بعض دول العالم الثالث إلى قيام حركات متطرفة كرد فعل على قهر الحاكم واستبداده.. وإذا كنا قد بينا أن القهر والظلم والاستبداد يؤدي إلى الثورة لا محالة، فلا يعني هذا أن ندعو للحرية المطلقة التي ليس فيها ضابط، والتي نؤثر أن تطلق عليها الإباحية.. فهذه أيضًا تؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار، والمثل على ذلك قريب منا.. هذه لبنان دولة الحرية المطلقة.. دولة البنية الطائفية.. دولة الإباحية.. لا زالت تعاني من الفوضى والقلق والاضطراب.. وكذلك الأنظمة الاشتراكية التي تعتمد على نظام الحزب الواحد فيها استئثار بالسلطة وميزات أرستقراطية للحاكم فيما أفراد الشعب يكادون لا يحصلون على لقمة العيش. وفي العالم الثالث قامت أنظمة للحكم رفعت شعار الاشتراكية والقومية والعلمانية، وربما الديمقراطية.. أساءت استخدام السلطة واستأثر أفرادها بالميزات؛ فقامت عليهم انقلابات، أو ثورات، أو انتفاضات.
وللذين يتربعون على كراسي الحكم اليوم في العالم الإسلامي نقول لهم بكل إخلاص وبكل ود، وهذا ما تمليه علينا عقيدتنا، فالدين النصيحة كما قال صلى الله عليه وسلم، نقول لهم: إن خير نظام للحكم هو ذلك النظام الذي تحكم فيه بالعدل الرعية، ويقسم بينها بالسوية، فلا حرمان ولا ظلم ولا قهر ولا تجبر.. نظام تقوم فيه العلاقة بين الحاكم والمحكوم على الاحترام المتبادل، على أن يكون في الرعية الحق في النصح وفي المشورة.. نظام تعالج فيه المشاكل بالحكمة والموعظة الحسنة.. نظام يحفظ كرامة الأمة، وليس لدينا أفضل من نظام أنزله الله من عنده.. فإلى الحكم بشريعة القرآن لنعمل ولنتعاون.
إن الأنظمة التي تستبد بالحكم وتستأثر به، ولا تعدل بين الرعية، ولا تقسم بالسوية، ولا تراعي فيها حرمة لعقيدة أو خلق، سوف تؤدي إلى تهيئة الجو المناسب لعشعشة الأفكار المنحرفة والحركات المتطرفة من مختلف الاتجاهات والولاءات، وعندئذ تقع المصيبة ويتزلزل أركان المجتمع، ويعيش الناس في هلع وقلق، وهذه فيما نظن لا يريدها إنسان عاقل فضلًا عن حاكم حكيم.
ولكن من أين تبدأ المسيرة؟ تبدأ أولًا بإقصاء الفاسد والمنافق، وتمكين المخلص الكفء، وتبدأ ثانيًا بتطهير وسائل الإعلام مما هي فيه من سخف وفساد، وتبدأ ثالثًا بإعطاء الحرية للتعبير عن الرأي، وبدء الحوار بين الحاكم والمحكوم، وتبدأ رابعًا من سن القوانين التي تعمل على هدم الفجوة بين الحاكم والمحكوم من جهة، وبين الفئات الغنية والفئات الفقيرة من جهة أخرى. فهل نحن فاعلون؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل