; دراسة عن حاضر العالم الإسلامي (المقال السادس والأخير) | مجلة المجتمع

العنوان دراسة عن حاضر العالم الإسلامي (المقال السادس والأخير)

الكاتب الدكتور علي جريشة

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1979

مشاهدات 106

نشر في العدد 447

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 29-مايو-1979

  • كيف مر إسقاط الخلافة الإسلامية بغير رد الفعل الواجب؟ 
  • لماذا بارجة المومسات مع البوارج الحربية؟؟ 
  • دول شرقية وغربية وقفت وراء ضرب الحركات الإسلامية.
  • «الزعيم» صناعة ابتدعها الغرب الصليبي.

استبشر المسلمون في أواسط هذا القرن بتحرر بلادهم من الاستعمار العسكري الأجنبي، وزادت بُشراهم أن أحسوا فترة أنهم – وبخاصة في المنطقة العربية- صاروا يشكلون ثقلًا دوليًا بالغًا، إذ اعتبره القوة السادسة الدولية بعد الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، والصين، واليابان، وأوروبا. 

ونسى الكثيرون حادثًا أليمًا وقع في مطلع هذا القرن، وحيكت من أجله المؤامرات الدولية، وانعقدت في سبيله الكثير من المؤتمرات السياسية العالمية، نسوا حادث إلغاء الخلافة الإسلامية، التي وإن بدت ضعيفة في أواخر أيامها لكنها كانت تجمع شمل المسلمين وترهب عدو الله وعدوهم. 

كذلك لم يفطن الكثيرون إلى أن الاستعمار العسكري حين رحل عن بلاد المسلمين لم يتركها بغير نفوذ، بل إنه خلّف وراءه من كانوا أشد منه على الرحمن عتيًا، وأن تخفوا وراء شعارات وأردية وأقنعة أخفت حقائقهم عن الشعوب ولا تزال، وأخيرًا فلقد بعدت الأنظمة الحاكمة عن جوهر النظام السياسي الإسلامي كما أراده رب العالمين في كتابه وسنة رسوله ، معلنين ذلك صراحة، أو مخفين ذلك وراء شعارات الإيمان والإسلام ليتأكد فيهم قوله تعالى:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾(البقرة:8)، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾[(:9) 

فهذه أمور ثلاثة نتناولها في حديثنا عن واقع العالم الإسلامي السياسي إن شاء الله: 

أولًا: غيبة الخلافة الإسلامية. 

ثانيًا: الاستعمار الجديد. 

ثالثًا: مدى البُعد عن جوهر النظام السياسي الإسلامي. 

1- غيبة الخلافة الإسلامية

من بعد وفاة رسول الله اجتمع المسلمون في ثقيفة بني ساعدة ليبحثوا من يكون إليه الأمر بعد الرسول، وتسامع الناس أن الأنصار يرون الأمر فيهم، وسارع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لحسم الخلاف، وتأخر دفن الجثمان الطاهر – وهو عليهم جد عزيز- حتى انتهوا من أمر الخلافة، وكان اجتماع المسلمين- وفي مقدمتهم كبار الصحابة، على ذلك النحو- إجماعًا على وجوب الخلافة. 

ولفقه أدركه السلف الصالح سموا الخلافة الإمامة العظمى بالقياس إلى الإمامة الصغرى إمامة الصلاة، ليتأكد بذلك وجوبها، وليتأكد مكانها بين سائر الواجبات. 

وعرف الفقهاء –من بعد- بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وأضاف البعض في نهاية العبارة لفظ (به) لتتأكد وظيفتا الخلافة الرئيستان: 

  • حراسة الدين. 
  • سياسة الدنيا بهذا الدين. 

وظلت خلافة الإسلام تُظل المسلمين أكثر من ألف عام، تقيم شرع الله وهو أول الواجبات وأعلى الضرورات وتجمع شمل المسلمين وهو كذلك من الواجبات والضرورات.. 

صحيح أنها أصابها في فترات عديدة ضعف أو انحراف، لكنها بقيت رمزًا للأمرين: 

  • إقامة شرع الله. 
  • جمع شمل المسلمين. 

وبقي إصلاحها بين الحين والحين رهينًا بصحوة المسلمين، وبأن يقيض الله من يلي أمرها ممن يقدرها حق قدرها، وبقاء الشيء ولو ضعيفًا على احتمال قوته وصلاحه خير بلا شك من القضاء عليه، ولم يقل أحد أن حل مشكلة المرض تكون بقتل المريض والقضاء عليه! وما ينبغي لعاقل أن يقوله وما يستطيع! 

لكن حين آلت الخلافة إلى آل عرمان وحملوها أكثر من خمسمئة عام، وطرقوا بها أبواب فيينا وأرهبوا أعداء الله في شرقٍ وغربٍ، تجمع الأعداء وتآمروا وراحوا يبحثون في أوروبا «المسألة الشرقية»، وكانت تعني -حينئذ- كيف يوقفون المد الإسلامي عن اجتياح ما بقي من أوروبا؟ 

فلما وهنت قوة الدولة العثمانية طمع الأعداء فانتقلوا في بحث «المسألة الشرقية» إلى كيف يقضون على «الرجل المريض». 

ومر حادث إسقاط الخلافة الإسلامية بغير رد الفعل الواجب! صحيح أن إخواننا مسلمي الهند.. حملوا - وهم فقراء - ما يملكون إلى من قارف جريمة الإسقاط، وصحيح أن إخواننا في مصر تنادوا بقيام الخلافة ولو في غير تركيا، وأصدر العلماء بيانًا بذلك، لكنهم حين اجتمعوا لبحث الأمر انفض المؤتمر بغير قرار، رغم رغبة الملك القائم في الوصول إلى قرار، ظنًا منه أنه سيكون هو الخليفة، لكن الاحتلال البريطاني الذي كان قائمًا في مصر متحكمًا فيها هو الذي حال دون صدور هذا القرار. 

ولم يعد من رد فعل بعد ذلك غير قصائد الرثاء! وما هطل بعد ذلك من دموع المسلمين! 

ولسنا في مقام تحليل أسباب السقوط.. فلذلك مكانه، ولكنا في مقام بيان أثر غيبة الخلافة في واقعنا السياسي. 

لقد غابت أولًا الدولة الحاكمة بشرع الله «بالرغم مما أصاب التطبيق في الفترة الأخيرة» وغابت ثانيًا الدولة التي تظل المسلمين وتجمع شملهم في وحدة حقة قائمة على وحدة العقيدة. 

وغابت ثالثًا الدولة التي كانت ترهب عدو الله وعدوهم، وكانت القوى العالمية تحسب لها ألف حساب حتى بعد ضعفها ومرضها! 

وغابت أخيرًا الدولة التي عرف اليهود وتأكدوا أنه لا سبيل لهم إلى فلسطين إلا بتحطيمها، وهو ما صرح به سرجي «نيلوس» العالم الروسي الذي نشر البروتوكولات. 

نيلوس: لا بد أن تمر الأفعى اليهودية بالأستانة في طريقها إلى فلسطين: 

صرح به قبل قيامها بحوالي خمسين سنة حين قال: إن الأفعى اليهودية لا بد أن تمر بالأستانة في طريقها إلى فلسطين.

ومن بعد سقوط الخلافة

توزعت أسلاب الرجل المريض بين دول الاستعمار، فأخذت فرنسا سوريا ولبنان، وأخذت بريطانيا فلسطين والعراق، ليجري التمهيد لقيام دولة إسرائيل على ما سنفصل في مكان آخر. 

ولما ارتأت الصهيونية والصليبية أن ترحل جنود الاحتلال الأجنبي، أحلت محلها من يقوم بالدور نفسه، بغير خسائر للأجنبي، وبأداء أفضل من الأجنبي، وهو ما نعالجه بإذن الله تحت عنوان الاستعمار الجديد. 

1- الاستعمار الجديد: 

ما كان الاستعمار القديم إلا حلقة من حلقات الاضطهاد الصهيوني الصليبي للعالم الإسلامي.. قصدًا إلى إذلاله، وتنفيذ مخطط تحطيم عقيدته وقيمه، وأخيرًا سلب خيراته. 

وإنما كان بالدرجة الأولى بث التغريب وإشاعة التقاليد والثقافة الغربيين، وبعبارة أخرى تحطيم عقيدة الإسلام وأبعاد مُثله وقيمه وتقاليده. 

وهو ما صرح به قائد الحملة الفرنسية في طريقها إلى لبنان حين سأله الصحفيون عن بارجة المومسات التي كانت تسير مع سائر البوارج الحربية.. فقال لهم : إن أثر البوارج الحربية قد يزول، أما أثر هذه فلن يزول! 

لكن الاستعمال القديم كان يجد المقاومة من أبناء البلاد حين نزوله وطوال مدة وجوده، وكان وجود البذة الصفراء الأجنبية مثيرًا لكل أنواع الحمية في عروق الشباب.. إن لم يكن حمية الإسلام، فحمية الوطنية وحمية الشرف والدفاع عن العرض، ومن ثم فإن الاستعمار القديم – من حيث لا يريد- كان يستثير المقاومة ويجعلها في حالة استعداد مستمر إن لم تصل إلى درجة الاستعداد الكامل، ولذا كانت خسائره في المال والأرواح كثيرة. 

ومن ناحية أخرى.. فقد كان يلقى المقاومة «النفسية» إزاء ما يريد من تحطيم عقيدة الإسلام، الأمر الذي حاولته الحروب الصليبية من قبله وفشلت فيه.

فلو أمكن تلافي خسائر المال والأرواح، وتلافي المقاومة النفسية لأوامره لكان ذلك أفضل! 

واهتدى الاستعمار الصليبي والصهيونية إلى أن «النخبة الوطنية أندر وأسرع في التغيير المطلوب». ومن ثم جرى الإعداد لذلك بأكثر من سبيل. 

2- صناعة الزعيم: 

وهي صناعة ابتدعها الغرب الصليبي، ليمتص روح المقاومة لدى الشعوب الإسلامية وليوفر على نفسه خسائر الأرواح والأموال، وليصل إلى تحقيق غرضه بأيسر وأفضل طريق. 

إن ما كان الغرب الصليبي يضحي من أجله بأرواح أبنائه وأموالهم، ويلقي المقاومة من جموع الشعوب إما دينيًا أو وطنيًا.. راح ينفذ على يد الزعيم المصنوع بغير هذا ولا ذاك، بل على العكس بترحيب جموع الشعوب المخدوعة في زعيمها المصنوع! 

وكانت أول تجربة – فيما نعلم- لصناعة زعيم في المنطقة تجربة مصطفى كمال أتاتورك حين جرى التخطيط لانسحاب الجيوش المحتلة لتركيا أمام جنوده، فبدا مصطفى كمال أنه القائد المظفر، ولم يستحِ أن يطلب لنفسه من البرلمان لقب «الغازي»، ولم تضن عليه الجموع أن تقول «يا خالد الترك جدد خالد العرب»، ونجحت تجربة مصطفى كمال في أداء مهمة عجزت جيوش أوروبا كلها عن أدائها.. وهي تجربة إسقاط الخلافة الإسلامية بما ترتب عليه من آثار سياسية خطيرة لا نزال نلمسها حتى اليوم بعد نصف قرن من الخيانة. 

وأخرجت من بعد مصطفى كمال طبعات جديدة! 

أخرجت من التحسين الذي أشار إليه بعض كتابهم! 

وفي ظل طبعتين جديدتين من مصطفى كمال أتاتورك جرى التمكين لدولة اليهود في فلسطين، وجرى توسعها سبعة أمثال حجمها. 

ثم جرى ما كانت تسعى إليه منذ قرن من الزمان الحصول على شرعية وجودها من أصحاب الحق نفسه. 

وصارت صناعة الزعيم اختراعًا أمريكيًا اشتهرت به في لعبة الأمم والشعوب، وقد يصاحبه تأييد عسكري انقلابي، أو تأييد حزبي أو شعبي حسب الظروف. 

وقلدها فيه الاتحاد السوفيتي كذلك، وجرى التنسيق بين القوتين زمن الوفاق الذي نجم بعد وشوك الصدام في أزمة كوبا سنة 1962.. وإن توزعت الأدوار ما بين مؤيد ومعارض! 

3- صناعة الانقلابات: 

وهي صناعة ابتدعتها في صورتها الحالية الولايات المتحدة الأمريكية منذ الخمسينيات، وقد تلتقي بها مع صناعة الزعيم، وقد تكتفي بزعيم واحد أو زعيمين تصنعهما ثم تصنع من حولهما انقلابات مؤيدة ومعارضة تتنوع بينها الأدوار، وبالانقلاب العسكري تصير القوة العسكرية المحلية قوة مساندة للوضع الجديد، وبذلك تحل البزة الصفراء المحلية محل البزة الصفراء الأجنبية.. حماية للغرض نفسه مع توفير خسائر المال والأرواح، وتجنب المقاومة أو المعارضة، وسحقها إن وُجدت بغير خسائر في جانب العدو المستفيد! 

وللانقلاب العسكري ميزة أخرى، أنه يأتي بأناس مجهولي الهوية، وأحيانًا مجهولي النسب.. ويصعب على الناس تتبع هوياتهم وتتبع أنسابهم، ومن ثم فلا بأس أن يجلس على رأس شعب مسلم من له نسب باليهود، أو مصاهرة بالنصارى، أو يجمع بين الصنفين ليحقق الوحدة الوطنية بين الأديان الثلاثة. 

ويجري الاتفاق على تلك الصفقات السياسية وراء خطوط الهدنة اليهودية، أو في العواصم الأوروبية، أو في أوكار الماسونية.. والشعب المسلم الوادع يغط في نوم عميق! 

على أنه دائم مع هذه الصفقات.. فإن الطرف الأقوى يكون على استعداد دائمًا للتضحية بالطرف الضعيف، بالرغم مما قد يحاط به من مظاهر القوة والأبهة والسلطان، كما أنه في كل الأحوال يصنع البديل. إذا تمت التضحية بالعميل أو هلك بأي سبب آخر من الأسباب، وقد يكون البديل شخصًا، وقد يكون نظامًا مغايرًا يحل محل النظام القديم ليضعف الربط بين القديم والجديد وليستمر الخداع مدة أطول حتى يكشف الجديد. 

وفي الحقيقة؛ إن مثل هذه الصفقات - وإن بدت بين طرفين- إلا أنها أشبه بعقود الإذعان، إذ من رضي لنفسه العمالة ضد دينه أو وطنه لا يستطيع بعد ذلك أن يرفع رأسه، ولا أن يقف من الطرف الآخر موقف الند للند، بل إن موقفه دائمًا موقف الإذعان والخذلان! 

4- صناعة الشعارات وتجارتها:

والشعارات هي الأخرى تصنع. كما يصنع الزعماء، وكما تصنع الانقلابات. 

ولقد بدأ ذلك منذ الثورة الفرنسية التي رفعت شعار: الحرية والإخاء والمساواة. 

وظهر فيما بعد أن الحرية كانت لليهود الذين كانوا يمنعون كثيرًا من الحقوق، وإن الإخاء كذلك لليهود الذين كانوا في درجة دنيا دون درجة المواطنين، والمساواة كذلك لليهود الذين كانت الفوارق بينهم وبين النصارى كبيرة وعديدة. 

وتلتها ثورات كثيرة ترفع الشعارات، كما تلتها انقلابات عسكرية كذلك ترفع الشعارات. 

وللشعارات –عند صانعيها- فائدة مزدوجة

- إنها – أولًا - تشغل الشعوب الساذجة الجائعة إلى المُثل العَطشى إلى ما يحقق وجودها ويجعل الأمر بيدها.

وإنها – ثانيًا - تبعد الشعوب العقائدية «مثل الشعوب الإسلامية» عن أن ترجع إلى إسلامها، فتصبح - مرة أخرى- قوة مهددة للصليبية وللصهيونية. 

وهكذا أتيح للثورات الشعبية، والانقلابات العسكرية، أن ينحرف بها زعماؤها عن خط الإسلام، وأن يرفعوا من الشعارات ما يتاجرون به، وما يبعدون به الشعوب عن الإسلام، وأهم هذه الشعارات حديثًا شعارات القومية والاشتراكية والوطنية! 

* بيد أن الأمر لا يمنع من رفع شعار إسلامي ما دام سيظل مقصورًا على دائرة الشعار.. إنه في هذه الحالة يؤدي أكثر من مهمة: 

أولًا: أنه يمتص المشاعر والطاقات الإسلامية المتفجرة.

ثانيًا: أنه يميعها أو ينحرف بها أو يعيشها على أمل التطبيق الذي لن يكون. 

ثالثًا: أنه يكسب التأييد لنفسه، ويحقق في الوقت نفسه آمال وأغراض العدو.. بشيء من البطء محسوب الحركة، مضمون النتيجة، وفي بلاد تطبق الإسلام تكون الخطوة الأولى هي نقلها من التطبيق والالتزام، إلى دائرة الشعار بغير تطبيق والإعلان والدعاية بغير الفحوى والمضمون.. ليبدلوا بعد ذلك نعمة الله كفرًا ويحلو قومهم دار البوار. 

5- ضرب الحركات الإسلامية

تفجر العالم الإسلامي بعد إلغاء الخلافة – حركات إسلامية كثيرة- حملت أسماء عديدة، والتقى أكثرها على مفهوم الإسلام الشامل، بل وأشار بعضها إلى وجوب إعادة الخلافة، وإن تحفظت بأن دون ذلك خطوات وخطوات. 

وما إن تعاظم دور هذه الجماعات والحركات، حتى بدأ ضربها عن طريق بعض الحكام، وكشفت وثائق نشرت أو عرضت أمام القضاء عن وقوف بعض الدول الغربية ثم بعض الدول الشرقية وراء ضرب هذه الجماعات والحركات. 

ثم كشفت بعض الكتابات عن أن اليهود أنفسهم وراء ضرب الحركات الإسلامية. 

وكانت طريقة الضرب هو اصطناع القضايا، والإعلان عنها، وتعبئة أجهزة الإعلام المختلفة بالدعاية ضد الجماعة أو الحركات الإسلامية، ثم محاولة استئصالها عن طريق الإعدام، والتعذيب، والسجن، والتضييق على المسجونين والمعتقلين، وقد بلغت الخسة أن صرحت إحدى الخطط الموضوعة بأن من بين أهدافها «وهذه المرحلة إن نُفذِّت بدقة ستؤدي إلى ما يأتي:

بالنسبة للمعتقلين: اهتزاز المثل والأفكار في عقولهم، وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض فيهم. 

وبالنسبة لنسائهم: سواء كن زوجات أو أخوات أو بنات، فسوف يتحررن ويتمردن بغياب عائلهن، وحاجتهن المادية قد تؤدي إلى انزلاقهن. 

لكن الذين كانوا وراء عمليات أو خيانات الضرب، راجعوا حساباتهم، فرأوا أنهم هم الخاسرون! 

إن الذين سقطوا على حبال المشانق أو تحت سياط التعذيب لقوا الله شهداء فهم رابحون، وأن الدعوة اشتد عودها، وارتوت جذورها بهذه الدماء الطاهرة، فامتدت فروعها وأورقت وأثمرت من كل زوج بهيج. 

أما الذين تساقطوا ضعفاء تحت سطوة الإرهاب.. فهؤلاء كانوا عبئًا على الدعوة تخلصت وتخففت منهم. 

ومن ثم فكروا في أسلوب جديد يمارسونه الآن: 

وهو الفتنة بالخير بعد الفتنة بالشر.. الفتنة بالجاه والمال والسلطان والدنيا. ومحاولة شق الصف الإسلامي، وتعميق الخلافات بين اتجاهاته، وتغذية ذلك بالمساعدات وبغير المساعدات. 

ونجحت الخطة الثانية فيما فشلت فيه الخطة الأولى. 

فتساقط بعض آخر تحت فتنة المال أو الجاه أو السلطان أو غير ذلك من أعراض الحياة الدنيا، وكان بعضهم ممن ثبت في الفتنة الأولى، لكن سبحان مقلب القلوب من ناحية، والحمد لله من ناحية أخرى. 

فإن هؤلاء كذلك كانوا عبئًا على الدعوة تخففت منهم، وسقوطهم أمام تلك المغريات يعني انطواءهم على ضعف يسقط عنهم الصلاحية للقيادة، بل ويسقط عنهم الصلاحية للدعوة. 

ومن ثم كان خيرًا.. 

ويبدو أن «الأعداء» لم يكشفوا بعد خسارتهم الجديدة، مبهورين بالنجاح المحدود الذي حققوه فيما فشلوا فيه عندما جربوا سلاح الإرهاب. 

لكن ذلك لا يعني أن سلاح الإرهاب أغمد إلى الأبد: 

إن وجود السلاح في يد الإنسان قد يغريه باستعماله دون أن تسبق ذلك الحسابات، وإن وجوده يعطيه شيئًا من الغرور قد يعميه عمّا قدمناه من حقائق أهمها أنه في النهاية هو الخاسر! 

ومن ثم فلا يستبعد أن يعود «الأغبياء» إلى استعمال السلاح الذي فشل من قبل سلاح الإرهاب. 

ويومئذ يُقال لهم: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ (إبراهيم:45). 

الرابط المختصر :