العنوان حوار مع الشيخ عبد الله الطريقي: نقل الأرصدة يُعد انتقالًا داخليًا في مجموعة الاقتصاد الغربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 465
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 15-يناير-1980
30 مليون طفل يموتون كل عام بسبب نقص الغذاء
أمريكا لم تدرس قرار تجميد الأرصدة دراسة كافية
استثمروا أموالكم في بناء إنسانكم وتطويره
قبل حوالي العام، التقت «المجتمع» الشيخ عبد الله الطريقي في حوار عن النفط وقضاياه. وبعد عام، ما زالت قضية النفط هي الشغل الشاغل للعالم كله، وجدّت هناك قضايا عدة حوله، فكان لنا لقاء آخر مع الطريقي لنتحدث عن النفط وقضاياه.. ومؤتمر كاراكاس الأخير.
الحلقة المفرغة
● ما الآثار التي تركها تجميد أمريكا للأرصدة الإيرانية في مصارفها؟
تتركز أرصدة دول الأوبك، وأهمها العربية. في لندن «المملكة المتحدة» ونيويورك «الولايات المتحدة». وقد بالغت الصحافة الغربية كثيرًا في الحديث عن تأثير هذه الأرصدة في الاقتصاد الغربي. والقصد من هذه المبالغة تبرير الإجراءات التي ستتخذ في الغرب لإعادة الوضع الاقتصادي إلى سابق عهده في عامي ١٩٧٣ -١٩٧٤. فالتنبؤات التي قيلت يومذاك، عن التأثير الشديد الذي سيحدثه انتقال الأموال من أوروبا وأمريكا إلى البلاد العربية وبقية بلاد الأوبك لم تتحقق، وبقيت معظم هذه الأموال في البنوك نفسها. وكانت التهديدات العسكرية للعرب، على أنهم أكبر المنتجين للنفط، بالغزو إذا ما قاموا بنقل هذه الأموال.
ويجب أن نعلم أن مجموع أرصدة الأوبك تشكل نسبة ضئيلة بالنسبة إلى موازنة الولايات المتحدة، ولو أنها نقلت فجأة فقد تخلق أزمة، ولكن الغرب تفادي هذا، واستعاد ما نقل من أموال بطريقة أفضل، ذلك أن انتقال الأموال من مصارف الغرب إلى دول الأوبك، وكلها تقريبًا من الدول النامية، ولا تملك خبرة كافية ومخططاتها في التنمية ضعيفة. جعلها تدفع هذه الأموال إلى الغرب من جديد، لشراء الخبرة والآلة وكل وسائل الترف، فانتعشت الصناعة في الغرب، ونما الاقتصاد فيه، أكثر مما كان عليه الحال في السابق وأموال الأوبك في مصارف الغرب، وكل الأرقام تدل على ذلك، وبما أن هذا يعني أن اقتصادنا جزء من الاقتصاد الغربي فنقل الأرصدة يعد إنتقالًا داخليًا في مجموعة الاقتصاد الغربي.
حتى لا تأتينا المجاعة
● إذا كان إبقاء الأرصدة في مصارف الغرب وأمريكا غير حسن، وإذا كان استثمارها في خطط التنمية والخبرة يقوي اقتصاد الغرب.. فما الحل في رأيكم؟
- العرب لسوء الحظ، لم يضعوا الخطط الصحيحة للاستفادة من عائدات النفط، وذلك بتطوير الزراعة التي هي أهم بكثير من مجالات التوظيف، فالعرب مهددون بالمجاعة مثل بقية الدول النامية التي بدأت تشعر بقلة إمدادات الغذاء، وأصبحت جميعها مستوردة للغذاء، وتحت رحمة الدول المصدرة له. وستتفاقم هذه الأزمة في غير صالح الدول الفقيرة والنامية.
علينا الاهتمام بتطوير الصناعات الزراعية في الدول الأخرى وتوظيف الأموال فيهافبدون العمل على توفير الغذاء فإن المجاعة ستنتشر في بلادنا وتهدد الأجيال المقبلة. وتقرير منظمة التغذية الذي يقول إن ٣٠ مليون طفل يموتون في العام بسبب قلة الغذاء، مثل قريب.
الغرب.. أول من يتأثر بالقرار
● ما هي آثار القرار الأمريكي بتجميد الأرصدة الإيرانية؟ وهل هناك مضاعفات لهذا القرار باتجاه عكسي.. أي ضار بالولايات المتحدة؟
- من الواضح أن السرعة التي اتخذ بها القرار الأمريكي بتجميد الأرصدة في أمريكا، وفي فروع مصارفها في الخارج، تدل على أن أمريكا لم تدرس خطوتها هذه دراسة كافية، فقد ظهرت مضاعفات ضارة إثر صدور هذا القرار، ضارة بحلفاء الولايات المتحدة وضارة بها نفسها. فالصناعة الغذائية في الولايات المتحدة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على صادراتها الغذائية إلى إيران التي تستورد من الغرب غذاء يبلغ ثمنه ألفًا وخمسمائة مليون دولار.
وعليه فإن الفلاح الأمريكي أول من يتأثر بهذا القرار.. ومعه فلاحو الدول الأوروبية الأخرى.
كما أن امتداد القرار إلى فروع البنوك الأمريكية خارج الولايات المتحدة سيكون له أثر سيئ على التجارة الخارجية في البلدان التي لديها فروع للبنوك الأمريكية ومن المعروف أن بعض الدول الأوروبية قد انتقدت هذا القرار. وتحدثت عن تأثيره السيئ على تجارتها..
ومن الطبيعي أن التأثير في المدى القريب سيكون على أمريكا وأوروبا أكثر مما هو على إيران التي تعيش في قمة التأثير الثوري وهي أقدر على امتصاص تأثير هذا القرار من الدول الغربية التي تعتمد بعض فروع الاقتصاد فيها اعتمادًا كبيًرا على صادراتها إلى إیران.
الدولار فرض نفسه
● ما مدى صحة العبارة التي تقول إن العالم يعتمد اعتمادًا أساسيًا على الدولار كوحدة تبادل في التجارة الدولية بحيث يستحيل الاستغناء عن الدولار.
- لكي نفهم تأثير الدولار واعتماد الدول الأخرى عليه، كوحدة تبادل، يجب أن نضع في تصورنا أن أكبر دولة منتجة للزراعة في العالم في أمريكا، وأكبر دولة صناعية، وأكبر دولة مصدرة للأسلحة،.. و.. أي أن أمريكا في أساس اقتصاديات العالم لأنها أكبر مُصدرة في العالم في كل شيء، إذا استثنينا النفط، ومع هذا فإن أمريكا قد تكون الثانية أو الثالثة من دول العالم المنتجة للبترول. وهي أيضًا، أكبر دولة مستوردة للبترول في العالم أيضًا.
وقد كان ممكنًا في الماضي الاستغناء عن الدولار استغناء شكليًا، أي أن تعتمد على سلة من العملات المختلفة، يكون الدولار أهمها أيضًا. فتمنع التفاوت السريع في قيمة الدولار، وتوجد التوازن في وحدة هذه السلة.
ولكن الدولار فرض نفسه، وفرضت تجارة أمريكا الخارجية وجودها، كما أن سوق التوظيف وقدرته على استيعاب فوائض النقد لدى دول الأوبك.. نقل معظم هذا الفائض إلى الولايات المتحدة. وجعل هذه الدول، بالتالي تحرص على الاحتفاظ بالدولار قويًا.
حول النفط وإنتاجه
● يثير بعضهم قضية استقرار الاقتصاد العالمي بحماس، ويرون ضرورة حفظ معدلات الإنتاج، بل وزيادته بما يضمن عدم اهتزاز الاقتصاد العالمي ويصونه، ألا ترى أن ذلك يتم على حساب القيمة المستقبلية للثروة النفطية؟
- مما لا شك فيه أن القيمة الاقتصادية للدول العربية، ومعها بقية دول الأوبك ليس في وجود أرصدة لها في الغرب، بل في وجود كميات كبيرة من النفط، ولنسمها «أرصدة طاقة» لم تستخرج بعد..
وقد أثبتت التجربة الإيرانية حاليًا أن هذه الشعوب قد تحرم من أموالها لفترة، مما يؤثر على خطط التنمية لبلادها.
إن الدول الصناعية في حيرة من أمرها لأنها تأخرت كثيرًا في اكتشاف مصادر أخرى، أو تطوير ما كان يُعد في الماضي مصادر بديلة. فمثلًا تبيّن أن استخراج النفط من الفحم عملية معقدة باهظة التكاليف، وتؤدي إلى تلويث للجو يقتضي التخلص منه تكاليف باهظة ترفع بدورها قيمة تكاليف استخلاص النفط الخام أو البنزين عن الفحم.
قد يفسر هذا تأخر الدول الصناعية ذات الحساسية إزاء تلوث الهواء، في تطوير بدائل الطاقة. وهذا ينطبق أيضًا على استخلاص النفط من رواسب النقط الثقيل جدًا «أرينوكو في فنزويلا» وأيضًا في كندا حيث بدأوا في استخلاص النفط من الرمل النفطي هناك وينطبق كذلك على استخلاص النفط من حجر السجيل حيث توجد أحجار في أنحاء كثيرة من العالم أهمها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وإذا عدنا إلى معدلات الإنتاج النفطي، وأثرها في الاقتصاد العالمي، لوجدنا أن الدول المنتجة والمستهلكة على السواء، بدأت تدرك أن مستقبلها الاقتصادي معتمد اعتمادًا كبيرًا على تقليل الإنتاج النفطي ولذا فقد بدأت تشجع هذه الدول جميعًا، على الاقتصاد في استهلاك الطاقة وتطوير المواد الأخرى التي يمكن إخراج النفط منها. فالنفط موجود -مهما كثر- بكميات قليلة. ولا زالت الدول المستهلكة تبحث عن طريق يضمن لها الازدهار الاقتصادي بعد انتهاء النفط. وقد تكون الدول المنتجة والمصدرة أول ضحايا هذا الانتقال.
وما إصرار الدول المستهلكة على زيادة الإنتاج إلا محاولة للاحتفاظ بالوضع الحالي كما هو: تحصل على المواد الخام بأثمان رخيصة وتبيعها صادراتها بأثمان عالية.
إن القروض التي تحتاجها الدول النامية لتسيير الأمور فيها تصل إلى أكثر من ٣٥ ألف مليون دولار سنويًا من الغرب وتسير هذه الدول لاهثة خلف الغرب في محاولة للحصول على مساعدات وقروض لتوفير الغذاء.. والمواد الضرورية الأخرى، والمعرفة لبلادها.
وإن الحقيقة التي يحاول المستعمرون القدامى والجدد إخفاءها هي الزعم أن معدلات الإنتاج النفطي ليس لها تأثير كبير على الاقتصاد إنما التأثير يأتي من المواقف الاستغلالية الجشعة للحصول والاحتفاظ بالامتيازات غير العادلة للدول النامية!!
بناء الإنسان.. خير استثمار
● للكويت احتياطي عام واحتياطي للأجيال القادمة، هل تقترحون استثمارات محددة لهذه الاحتياطيات المالية؟
مع احترامنا الشديد لكل المجهودات التي تبذل لتكوين احتیاطي عام واحتياطي للأجيال القادمة، يستثمران بأحسن الوسائل، فإني أعتقد أن أعظم وسيلة للاستثمار في تطوير الإنسان نفسه.
ونريد أن نذكر المشككين بهذه الوسيلة إن الإنسان الكويتي، في عهد ما قبل النفط، كان ينفق على نفسه وأسرته مما يجنيه من العمل المضني في البحر، فكان يقضي الصيف والشتاء بحثًا عن اللؤلؤ في أعماق البحار والمحيطات لضمان استمرار إمداد نفسه وأسرته بما يحتاجون إليه.
أقول: استثمروا أموالكم في بناء إنسانكم وتطويره وإعداده، فإن لديه القدرة على المغامرة وتحمُل الشدائد. وقد تكون حياة النفط قد أثرت في أخلاقه وجعلت منه إنسانًا مستهلكًا فقط.. ولكن الدولة تقدر على أن تجعل منه إنسانًا يرى أن المستقبل يعتمد كليًا وعلى ما يبذله من مجهودات في الحاضر.
وليعلم هذا الإنسان أن مجهوده الخاص الحالي لا يسمح له بكسب ما يكفي لصيانة بيته وسيارته.
هل يعي المسلمون
● الدول الإسلامية بتكوينها أقرب إلى تشكيل وحدة اقتصادية لتشابه ظروفها.
هل لديكم تصور لعوامل تحقيق مثل هذه الوحدة. ثم ما هي فرص تخطي الواقع السياسي إلى وحدة اقتصادية أو تجانس اقتصادي أسوة بالسوق الأوروبية المشتركة؟
- الدول الإسلامية تشكل فعلًا وحدة اقتصادية ليس لتشابه ظروفها فحسب وإنما لتخلفها عن ركب الحضارة، سواء أكانت نفطية أم غير منتجة للنفط.
لقد لوثت الحضارة الغربية معتقدات المسلمين، في جميع أوطانهم، وظهر الإسلام، بفعل تعاليم الغرب ودسائسه وكأنه عامل من عوامل التخلف، وبدأ المغرضون ينادون بأن على المسلمين أن يتخلوا عن دينهم ليحظوا بالعيشة الآمنة الرغدة.
ولقد لاحظنا أن الاستعمار الغربي لم يترك أثرًا نافعًا في بلاد المسلمين، فقد منع عنهم وسائل النجاح، وحرمهم من التعليم الفني، واختار الأقليات من النصارى وغيرهم، لإعطائهم الأعمال وإظهارهم في مظهر الناجحين في الحياة.
وحيث أتحدث عن وحدة الدول الإسلامية فلا أعني بها ما يعلنه المسؤولون دائمًا عن التعاون والتضامن والتفاهم الذي لا تجد له أثرًا في واقع الحياة. إنما أعني التعاون الحقيقي، يملكون أرصدة كبيرة في الغرب، تخدم اقتصاده، وتزيد من قوته، فلو أن العرب طوروا الإمكانيات الزراعية والصناعية في الباكستان وأندونيسيا وبلاد أفريقيا المسلمة لتغير الوضع..
ولعل أعظم مثل على تخلفنا وتخاذلنا ما حصل في أوغندا، فقد حاول عيدي أمين التعاون مع الدول العربية المسلمة التي لم تستجب له، وكان في إمكانها. التنسيق معه، وحتى مراجعته في بعض التصرفات الفردية التي أذيعت عنه، مما أعطى الغرب عذرًا في القضاء عليه.
كما أن السودان وهي دولة مسلمة أيضًا يحتاج إلى أرضها الخصبة العرب والمسلمون، يمكن تطوير الزراعة فيها، باستخدام جزء من أرصدتنا في الخارج بزراعة أراضيها واستثمارها.. والقول ينطبق على دول كثيرة في أفريقيا كالصومال وإريتريا، وفي هذا إغناء لهم عن الغرب، وإيجاد أسواق لصناعات الأسمدة في بلادنا.
حيرة أمام الظاهرة
● لعلها المرة الأولى التي يخرج منها أعضاء دول الأوبك بدون اتفاق من اجتماعهم في كاراكاس؟ ما رأيكم؟
- في الحقيقة إن نتائج مؤتمر كاراكاس من أغرب المؤتمرات وأكثرها شذوذًا، فظاهر المؤتمر أنه ليس هناك خلاف.. فست دول أو أكثر وافقت على أن تكون أسعار
النفط المستخرج من السعودية أساسًا لتسعير النفط في الخليج وشمال إفريقيا.
وكان كما قيل في الصحافة الغربية أن السعوديين وحلفاءهم «قطر -العراق -الكويت -الإمارات -فنزويلا» مستعدون لرفع السعر القياسي إلى ٢٦ دولارًا للبرميل الواحد. ويكون السعر الذي أُعلن في شمال أفريقيا «الجزائر» ۲۰ دولارًا ونيجيريا «30 دولارًا». وهو سعر يتناسب بسهولة مع سعر الـ ٣٦ دولارًا أي أن إمكانيات الوصول إلى سعر موحد يرضى به الجميع متوفرة فلماذا لم يحاولوا أكثر في إيضاح موقفهم والوصول إلى اتفاق عوامل متوفرة؟ إن المرء ليحار أمام هذه الظاهرة!
هل الغرض اختبار تأثير الأسعار على الرأي العام في الغرب؟
هل هناك تردد في مواجهة الغرب بأسعار أعلى بعد أن رضيت السعودية بأن تصل زيادتها في الأسعار إلى ٢٦ دولارًا في البرميل؟
هل عدم الثقة والعوامل النفسية هي السبب في عدم التوصل إلى نتائج وإعلانها رسميًا؟
ولماذا تأخر المؤتمر في إصدار النتائج والقرارات؟ ولماذا تجتمع بعض الدول في الخليج وتتفق على سعر لنفطها قبل انعقاد مؤتمر کاراکاس؟
هذه نقطة تثير الشبهة وربما أنها أثرت في الروح المعنوية عند بقية الأعضاء، وتسببت في عدم التوصل إلى سعر رسمي يوافق عليه الجميع.
والشيء الذي يجب أن يعرفه وزراء النفط أن التاريخ لن يغفر لهم مطلقًا إذا ما قصروا في التعاون للحفاظ على الأوبك. فهذا العمل الجماعي الدولي هو وحده الذي رفع الأسعار من ٣,٥ دولار في ١٩٧٢ إلى ٢٦ دولارًا في وقتنا الحاضر، علمًا بأن التناقض في القيمة الشرائية للنفط يجعل أسعاره «قبل الزيادة الأخيرة» أقل من أسعاره في عام ١٩٧٢.