العنوان حول الاقتصاد الإيراني بعد فوز الإصلاحيين- ٢٠ سنة دراسة لإحلال نظام اقتصادي غير ربوي
الكاتب حازم غراب
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000
مشاهدات 73
نشر في العدد 1391
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 07-مارس-2000
■ الانفتاح له مشكلاته.. فالمستثمر الأجنبي لا يهمه سوى ريحه الشخصي وعلينا أن نعتمد على استثمارنا المحلي والتعاون مع الدول الإسلامية في مواجهة العولمة.
يتوقع المراقبون في إيران أن تؤدي سيطرة الإصلاحيين على البرلمان الإيراني إلى تقوية السلطة المدنية وزيادة قدرتها على تطبيق المزيد من أفكارها وطروحاتها الانفتاحية.
فعلى المستوى الداخلي واستجابة للتركيبة السكانية الشبابية لابد أن تتجه الدولة إلى البحث السريع عن حلول لمشكلات البطالة والسكن ورفع مستوى الدخل الفردي وإذا كانت السلطة التنفيذية في السابق محكومة برؤى المتشددين في المجلس التشريعي، تلك الرؤى التي ركزت على الجوانب الأخلاقية والمظاهر العامة، فإن الإصلاحيين بسيطرتهم الآن على المجلس قد يندفعون نحو التقليل من شأن الوظيفة العقدية للدولة إلى الوظيفة الليبرالية بمعنى الاتجاه نحو المزيد من منح الفرص للقطاع الخاص المحلي والأجنبي في عملية التنمية واقتصار دور الدولة على الحد الأدبي الاجتماعي الخدمي للطبقات الفقيرة، ومن حسن حظ حكومة الرئيس خاتمي أن أسعار البترول أخذة في الارتفاع، الأمر الذي سيساعد النظام على تقليل الآلام الاجتماعية المصاحبة لعملية الخصخصة أو الناتجة عنها.
المجتمع التقت في طهران الدكتور قرشاد مؤمن الأستاذ بكلية الاقتصاد بجامعة الإمام الطبطبائي وكان معه هذا الحوار حول الاقتصاد الإيراني في السنوات العشرين الماضية وأفاق المستقبل بعد الانتخابات الأخيرة.
■ طيلة العشرين سنة الماضية، كيف سارت عملية التنمية الاقتصادية، وماذا في دستور إيران عمن يقود هذه العملية.. أقصد القطاع العام أم التعاوني وما دور القطاع الخاص؟
○ الدولة هي التي قادت عملية التنمية حتى الآن، وقد شارك القطاع الخاص وليس ثمة نسبة معينة للمشاركة، ومن المعلوم أن الثروة الإسلامية عندما قامت كان القطاع الخاص مرتبطًا بالاقتصاد الغربي وخادمًا له، كما كان الحصول على الثروة أو تكوينها في المجتمع متلازمًا ومرتبطًا بالعلاقة بالأسرة الحاكمة، ولا شك أن دور القطاع الخاص قد تقلص بعد الثورة الصالح المؤسسات التعاونية التي تدار بمنطق القطاع الخاص.
أما عن النصوص الدستورية حول الاقتصاد فالحقيقة أن الدستور فيه مرونة في هذا الموضوع، وعلى أي حال هناك محاور ثلاثة أولها مراعاة النظام الاقتصادي الإسلامي قدر الطاقة- ففيما يتعلق بالربا مثلًا وضعنا قواعد «لم تستقر بعد في الحقيقة»، وثانيها ضرورة الاعتماد على الدراسات الاقتصادية الحديثة ومراجعة نتائج تطبيقاتها المختلفة، وثالثها الاستفادة من التجربة التاريخية الاقتصادية الإسلامية عمومًا.
وكانت للثورة أهداف اقتصادية أساسية ثلاثة هي: العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي وتحقيق إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين.
■ وما تقييمكم للتجربة الاقتصادية بهذا الشكل بعد مرور عشرين عامًا؟
○ يمكنني القول إن إنجازات مهمة تحققت وبالطبع لسنا كمجتمع راضين تمامًا عنها، ولكن دعنا نقارن بين بعض المؤشرات قبل وبعد الثورة.
لقد كان تعدادنا حتى عام ۱۹۷۸ م نحو ثلاثين مليونًا، وكانت وارداتنا آنذاك تقدر بأربعة وعشرين مليار دولار الآن أو تحديدًا في عام ١٩٩٩م، انخفضت قيمة وارداتنا إلى أقل من خمسة عشر مليارًا فقط، في الوقت الذي تضاعف فيه عدد السكان إلى ستين مليونًا.
وثمة مؤشرات أخرى كأمثلة توضح بعض الإنجازات: هناك مثلًا صناعة الأدوية، فقبل الثورة كنا نستورد أدوية بما قيمته ١.٥ مليار دولار والآن بعد عشرين سنة لا يزيد قيمة ما نستورده من أدوية على نصف مليار دولار.
ولدينا بعد الثورة صناعة سيارات تصل نسبة المكون المحلي فيها إلى ۸۲٪
■ وماذا عن البترول؟
○ في عامي ٧٧/ ١٩٧٨، كانت إيران تنتج ٦ ملايين برميل يوميًا، نزلنا بها بعد الثورة إلى أقل من مليون (۸۰۰) ألف يوميًا وخلال الحرب المفروضة علينا مع العراق، كان علينا أن نرفع الإنتاج للمساهمة في تكاليف الحرب، فأصبحنا ننتج ٣.٥ مليون برميل في اليوم، نستهلك منها داخليًا مليونًا ونصف المليون.
■ وصناعة التكرير؟
○ نجحنا في العشرين سنة الماضية في إيقاف استيراد منتجات البترول المكرر من الخارج، وضاعفنا ما يكرر في معاملنا كما استطعنا إعادة تعمير ما دمر أثناء الحرب من معامل التكرير.
■ كم تبلغ نسبة البطالة الآن في إيران؟
○ دعنا نشير إلى قبل الثورة النسبة آنذاك كانت ١٤٪ من ٣٠ مليون مواطن، وأثناء الحرب مع العراق كانت هذه النسبة تتراوح ما بين ٨ إلى ١٤٪، وفي السنة الماضية أصبحت ٩٪ أما الآن وما لم نتدارك الأمور، فقد تصل النسبة إلى ١٦٪ (قال لي مراقب أجنبي هنا إن بعض الدوائر تصل بهذا الرقم إلى ٢٨٪).
وعلى أي حال، فالحكومة تبذل جهدها لمقاومة البطالة، وفي الخطة الخمسية الرابعة، يتوقع أن يتم تقليل هذه النسبة.
■ تقول مصادر اقتصادية إن الخطة الخمسية الثالثة ووجهت في المجلس التشريعي الذي انتهت مدته بمقاومة شديدة من المحافظين، الأمر الذي عرقل أهداف سياسة الرئيس خاتمي نحو الانفتاح والخصخصة، ومقاومة الفساد؟
○ المجلس المقبل سوف يسهم بشكل أفضل- إن شاء الله- في وضع الخطة الخمسية الجديدة.
■ ما رأيكم فيما يتردد في أوساط عديدة هنا من أن الإصلاحيين الفائزين بالأغلبية في البرلمان الجديد متعددي التوجهات الاقتصادية، كما أن بعضهم ليست لديه تصورات واضحة عن الاقتصاد عمومًا؟
○ قد يكون تعدد توجهاتهم سلبيًا فيما يتعلق باحتمالات حدوث اختلافات في وجهات النظر، ولكن المؤكد أن كل حزب أو تيار سياسي فائز في الانتخابات لديه أفكاره الاقتصادية وبرامجه، وعلى أي حال، نأمل أن تتبلور لديهم تصورات عملية مفصلة حول الجوانب الاقتصادية، ونأمل أن يحققوا تطورًا اقتصاديًا أفضل.
■ ما رأيكم في أن المحافظين كانوا وسيظلون يمثلون حاجزًا أمام السياسات الاقتصادية المتعلقة بالخصخصة والانفتاح؟
○ خلال السنوات العشر الماضية كانت لدينا محاولات في هذا الصدد ولم تكن ناجحة، فقد سادت عدم الشفافية وانتشر الفساد الإداري وعمومًا نأمل أن تنجح الحكومة والمجلس التشريعي الجديد في التغلب على هذه الأمور السلبية إن شاء الله.
■ بالعودة إلى برامج المرشحين الإصلاحيين الذين فازت قوائمهم الآن بأكثر من ۸۰٪ من مقاعد البرلمان يلاحظ المراقبون أن تركيزهم كان على موضوعات سياسية أكثر من البرنامج الاقتصادي.. ما تفسيركم لهذا؟
○ السبب في ذلك أن حكومة خاتمي من بداية توليه المسؤولية واجهت مشكلات اقتصادية صعبة بسبب انخفاض أسعار البترول عالميًا، وقد استغل المحافظون الفرصة ونسبوا الفشل في معالجة تلك المشكلات إلى عدم قدرة الحكومة على المواجهة، وقد رأى الإصلاحيون في الانتخابات أن من الأولويات ضرورة المساندة السياسية الأطروحات الرئيس خاتمي، فكان أن ركزوا دعاياتهم على السياسة أكثر من الاقتصاد.
بمعنى أنهم دعوا الناخبين إلى اختيار مجلس تشريعي ينتمي إلى فكر وأطروحات الرئيس كي يكون عونًا له بدلًا من أن يكون المجلس معرقلًا أو معارضًا، وقد أعلن الشعب الإيراني بهذه المشاركة الواسعة في الانتخابات، وبهذه النتيجة أن المشكلات الاقتصادية التي واجهها الرئيس خلال السنوات القليلة الماضية كانت بسبب ظروف خارجية أكثر منها ظروفًا تتعلق بالفشل الإداري أقصد بذلك موضوع انخفاض أسعار البترول.
■ ألا ترى أن دعوات بعض الإصلاحيين للانفتاح الاقتصادي على الغرب تتضمن أخطارًا على الاقتصاد الإيراني؟
○ بالطبع الانفتاح له مشكلاته، فالمستثمر الأجنبي لا يهمه سوى ريحه الشخصي دون الالتفات كثيرًا إلى ما يفيد المجتمع المحلي البعض داخل دوائر الإصلاحيين يتصور أن الاستثمار الأجنبي يمكن أن يسهم في حل مشكلة البطالة، وعلينا أن نبحث بعمق في هذه الأمور، وأن نعتمد على الاستثمار المحلي أكثر، فالأجانب لن يحرصوا على حل مشكلاتنا، والرئيس خاتمي منذ حملته الانتخابية في ١٩٩٧م يؤكد على هذه المعاني، وعلى أي الأحوال، فإن التعاون والانفتاح على الدول الإسلامية اقتصاديًا، يمكن أن يكون البداية، وخاصة أن بيننا مشتركات دينية وثقافية عديدة، فضلًا عن أن مواجهتنا لقضايا العولة ونحن متعاونين ستكون أفضل مما لو واجهت كل دولة إسلامية آثار العولمة وهجمة الشركات عابرة الجنسيات كل على حدة.
■ عودة إلى قضية الربا، أشرتم إلى أن الثورة كانت حريصة على المبادئ الاقتصادية الإسلامية الأساسية، وعلى رأسها تحريم الربا.. ماذا فعلتم بالضبط خلال العشرين سنة الماضية في هذا الموضوع وهل هناك نظام مصرفي غير ربوي؟
○ حاولنا ذلك في الخمس سنوات الأولى بعد الثورة وحتى عام ۱۹۸۳م، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن نقوم بدراسة متأنية في مختلف المؤسسات الأكاديمية والمصرفية، ونعتبر أننا في مرحلة انتقالية قدرناها بعشرين عامًا مضى منها الآن ۱۷ عامًا، وبعد ثلاث سنوات نتوقع أن تصل دراساتنا وأبحاثنا إلى نتيجة طيبة، لإحلال نظام إسلامي غير ربوي محل النظام المصرفي الحالي.
وأصارحك القول: لقد ساعدتنا سنوات الحرب الثماني في بلورة بعض الأفكار، كما ساعدتنا المقاطعة الاقتصادية والعقوبات المفروضة علينا من النظام الدولي بقيادة أمريكا، حيث إن معاملاتنا المصرفية مع البنوك الأجنبية تكاد تكون منعدمة.
• تصدير الديمقراطية
توترت منطقة الشرق الأوسط بعد قيام الثورة الإيرانية في فبراير من عام ١٩٧٩م من جراء ما سمي آنذاك بتصدير الثورة الإسلامية إلى البلدان المجاورة، وبالغ بعض النظم السياسية في الاحتياطات الأمنية، لدرجة الشك في كل ما يتصل بإيران من علاقات أو زيارات أو كتابات وكانت ذروة المأساة الحرب العراقية، وقد نجح النظام العراقي، مدعومًا ومدفوعًا في زيادة تشويه التجربة الإيرانية لدى الرأي العام العربي وتصويرها بالغول الذي يخطط للقضاء على الأخضر واليابس في بلادنا، والحقيقة أن أطرافًا إيرانية متشددة أسهمت ببعض التصريحات والأفعال في تكريس وتعميق الهوة.
ومن المعروف أن الطائفة العربية العلمانية أسهمت -طوعًا أو خدمة لآخرين- في تأليب كثير من النظم الحاكمة على الثورة في إيران، ومن المؤسف أن رموزًا علمانية وقومية عربية كثيرة جرت إلى ذهب صدام حسين ومهرجاناته شبه اليومية إبان حربه ضد إيران، وكان كل منهم يعود لبلده عاصفة رعناء على إيران وثورة إيران.
بعد الانتخابات الأخيرة: من الأسئلة التي يجب أن تثيرها الانتخابات الإيرانية الأخيرة عند النخب الثقافية السياسية العربية بمختلف توجهاتها وبالذات العلمانية لماذا لا نستورد التجربة الديمقراطية الإيرانية التي يشيد بها الآن الغرب والشرق؟ وهل يستطيع الذين هاجموا شعارات تصدير الثورة المناداة الآن بالاستفادة من الأساليب الإيرانية لتطبيق الديمقراطية وتداول السلطة في المجتمع؟ وهل قال قائل من خصوم الثورة الإيرانية: إن الانتخابات شابها أي نوع من التزوير أو قال: إن الشعب الإيراني تعرض لحملات غسيل دماغ عبر الإذاعة والتلفاز الحساب مرشحي السلطة وهل يتصور أحد أن من الانتخاب يبدأ عند ١٦ سنة؟
أحد الزملاء الأجانب قال مازحًا: إن إيران تؤلمكم دائمًا، فقد آلمتكم بثورتها خوفًا من تصدير الثورة، وها هي تؤلمكم الآن خوفًا من تصدير الديمقراطية، وعلقت قائلًا: الأمر قد يكون صحيحًا بالنسبة لعدد من نظم الحكم، لكنه بالقطع غير صحيح بالنسبة للشعوب لقد سررنا بالثورة الإيرانية على الاستبداد، وسررنا أيضًا بالديمقراطية في هذا البلد الكبير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل