العنوان نشوب الحرب الاقتصادية بين أمريكا.. واليابان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1971
مشاهدات 108
نشر في العدد 78
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 21-سبتمبر-1971
نشوب الحرب الاقتصادية بين أمريكا.. واليابان
اليابانيون: قرارات نيكسون «إعلان للحرب» ضدنا
الأمريكيون: اليابان تغزو أسواقنا بحماسة من يشن حملة عسكرية!
علق أحد الصحفيين على وقع القرارات الأمريكية الأخيرة على اليابان قائلًا: «إن الجو في طوكيو في الأسبوع الماضي يشبه جو بيرل هاربر ولكن بالعكس» والمعروف أن حادثة بيرل هاربر كانت اليابان في يدها زمام المبادرة وهي التي قامت بالهجوم على الأسطول والقواعد الأمريكية في الباسفيك وساد الفـزع الولايات المتحدة، وهـذا الأسبوع كان أصيب كبار رجال المال والأعمال اليابانيون بالتشاؤم والفزع نتيجة للسياسة الاقتصادية الجديدة التي أعلنها الرئيس نيكسون، وقد ازداد وقع هذه القرارات وتأثيرها السياسي إذا علمنا أنها جاءت بعد شهر تقريبًا من إعلان الرئيس نيكسون عن عزمه لزيارة بكين، وصرح أحد المسئولين في الحكومة اليابانية على هذه الأحداث قائلًا «لقد ذهبت إلى الأبد علاقات الود والصداقة التقليدية بين أمريكا واليابان» ووصف شيجو ناجانو رئيس غرفة تجارة اليابان القرارات الأمريكية الأخيرة بأنها «إعلان للحرب».
وعلى الرغم من المبالغة التي اتسم بها تصريح رئيس غرفة التجارة إلا أن اليابان لها العذر في هذا الشعور القاسي بالمرارة والحنق.
فمن الواضح جدًا أن اليابان كانت هي الهدف المباشر لسياسة نيكسون الاقتصادية، وتنبع أهمية هذه القرارات بالنسبة لليابان من أن نتائجها لن تقتصر فقط على أسعار الأسهم والسندات وسوق العملات الخارجية ولكنها وضعت بداية النهاية بالنسبة لحياة رئيس وزراء اليابان السياسية وهو المستر ساتو، وهي أيضًـا تؤدي إلى احتمال نشوب حرب تجارية اقتصادية بين دولتين تحتلان مكان الصدارة بيـن القوى الاقتصادية في العالم وإذا أخذنا في اعتبارنا عند تقييم أثر السياسة الاقتصادية الأمريكية على اليابان - تودد الولايات المتحدة للصين الشعبية فإنه يبدو أن هذه الإجراءات الجديدة سوف تدفع اليابان إلى إعادة النظر في دورهـا الدبلوماسي والعسكري في المحيط الباسفيكي.
وبالطبع ففي نظر كثير من المسئولين الأمريكيين فإن اليابان هي التي تسببت لنفسها في كل هذه المصاعب وهي المسئولة الأولى عن الإجراءات الأخيرة، فوضع واشنطن ۱۰ % ضريبة جمركية على الواردات وسماحها بتعويم الدولار في سوق العملات العالمي كل ذلك كان بهدف مجابهة مكاسب اليابان الخيالية في الأسواق الأمريكية فقد غزت البضائع اليابانية السوق الأمريكية بطريقة لم يسبق لها مثيل حتى وصفها أحد المسئولين في وزارة التجارة الأمريكية بقوله «إن الغزو التجاري الياباني لأسواقنا قد تم بنفس حماسة من يشن حملة عسكرية »، ومن الأشياء المؤسفة والمثبطة في نظر الأمريكيين أن اليابان - التي تعتمد في بقائها على استيراد المواد الأولية تم تصديرها في شكل مواد مصنوعة - قرنت هذا الغزو بفرض قيود صارمة على دخول البضائع الأمريكية إلى الأسواق اليابانية، وفي مواجهة ما حدث نتيجة لهذا الغزو من جانب اليابان وعجز أمريكا عن الدخول لسوقها فقد نشأ عدم توازن في الميزان التجاري بين البلدين وحتى تزيد اليابان الأمور سوءًا فإن طوكيو تمسكت بشدة بعملتها التي أصبحت قيمتها الرسمية أقل بكثير من قيمتها الفعلية مما أعطى بضائعها ميزة تنافسية عالية في الخارج .
ولكن نجاح اليابان في الأسواق الأمريكية قد تركها عرضـة للهجوم المضاد، فحوالي 30 % من صادرات اليابان تذهب إلى أمريكا وطبقًا لتقديرات الخزانة الأمريكية فإن الضريبة الجديدة على الواردات سوف تكلف اليابان بين ۷۰۰ مليون دولار و2.5 بليون دولار في هذه السنة وحدها، وكنتيجة منطقية لذلك فإن عددًا كبيرًا من المستثمرين اليابانيين أسرعوا في بيع أسهمهم في الشركات المشتغلة بالتصدير، وفي اليوم الذي تلي قرار الرئيس نيكسون خسر سوق الأوراق المالية في طوكيو أكبر خسارة في يوم واحد منذ نهاية الحرب.
وقد ظلت سوق الأوراق المالية والعملات مفتوحة في طوكيو خلال الأسبوع الماضي بعكس الأسواق في العواصم الأوروبية التي أوقفت التعامل حتى تنجلي الأمور، وكانت المضاربات محمومة لأن الدوائر المالية توقعت زيادة قيمة الين الياباني ولذلك حاول الجميع التخلص مما في حوزتهم من الدولارات، ولكن الحكومة اليابانية أصرت طوال الأسبوع الأول للأزمة بأنها سوف تبقي على سعر عملتها بالنسبة للدولار كما هو أي ٣٦٠ ين للدولار وحتى تحتفظ بهذه القيمة فإن بنك اليابان المركزي كان مضطرًا لشراء الفائض من الدولارات وفي نهاية الأسبوع تراكم لدى البنك من عمليات شراء الدولار حوالي ٣ بلايين دولار، وأمام هذا الرقم المخيف كان الكثيرون في اليابان وخارجها يتساءلون هل تستطيع اليابان أن تصمد طويلًا إزاء هذا الوضع بدون أن ترفع سعر عملتها؟ وفي نهاية الأسبوع الماضي صرح وزير الخارجية بالنيابة «أن من الضروري أن نتبع سياسة جديدة قبل أن تحاصر اليابان في أحد الأركان وتنعزل نهائيًا».
أما فيما يتعلق بعلاقات اليابان بالولايات المتحدة فإن اليابان قد حوصرت فعلًا وأصبحت قريبة من العزلة، ويفسر أحد المسئولين اليابانيين هذا الموقف غاضبًا «إن الولايات المتحدة أطلعت المستر ساتو رئيس وزراء اليابان بعزم نيكسون على زيارة الصين قبل إعلان نیكسون عن رحلته بثلاث دقائق فقط، ويبدو أن علاقتنا قد تحسنت هذه المرة فقد أخبرنا بالقرارات الاقتصادية الجديدة قبل عشر دقائق من إعلانها على العالم».
وحينما قابل السفير الياباني في واشنطن وزير الخزانـة الأمريكي بعد ذلك بثلاثة أيام فلم يقدم له الوزير الأمريكي أي اعتذار أو أية تأكيدات يمكن أن تبعث الطمأنينة في نفوس المسئولين اليابانيين، بل على العكس حاول المستر كوناللي وزير الخزانة الأمريكي أن يشرح كيف أن أمريكا قد قامت بما تراه في صالحها وأن على اليابان أن تفعل ما تراه مناسبًا لها وأن تتخذ ما تشاء من القرارات للرد على موقف أمريكا الأخير.
ومثل هذا الحديث لا يبدو أنه يتماشى مع روح «العلاقات الخاصة» التي تربط اليابان بالولايات المتحدة والتي استغلها المستر ساتو وركز عليها في بناء كيانه السياسي، وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء المستر ساتو كان قد أعلن أنه سيترك الوزارة في سبتمبر عام ۱۹۷۲ إلا أنه يبدو الآن أنـه سوف يجبر على ترك الكرسي قبل هذا الموعد بكثير، وفي تعليق لأحد الأمريكيين المهتمين بالشئون اليابانية حول مستقبل المستر ساتو جاء فيه «إن الطريق أصبح مسدودًا على المستر ساتو وليس أمامه أية وسيلة لاستعادة مكانته»
والسؤال الآن هو متى وتحت أية ظروف سوق يترك ساتو زعامة اليابان؟
ولن تأسف أمريكا على خروج ساتو من رئاسة الوزارة لأنه في رأي أمريكا يعتبر ساتو هو المسئول الأول عن سياسة اليابان الاقتصادية التي سببت كل هذه المتاعب للولايات المتحدة ولميزان مدفوعاتها، وهذا الأمر يزعج الكثير من المسئولين الأمريكيين لأن التوتر المتزايد والإخفاق بين واشنطن وطوكيو قد يدفع خليفة المستر ساتو في كرسي الوزارة لأن يدير ظهره بشدة للولايات المتحدة.
ويقول أحد الدبلوماسيين الأمريكيين «إن ما يقلقني هو أن كلًا من حكومتي الدولتين تحاولان ممارسة ضغوط أكبر على الأخرى، وإننا قد نصحو في أحد الأيام لنجد أننا واليابان على طرفي نقيض وإننا نبتعد عن بعضنا على الرغم من أن كل الحقائق تشير إلى ضرورة بقائنا سويًا في كتلة واحدة».
ومن الأمور التي تشكل تهديدًا خطيرًا على مواصلة التعاون بين واشنطن وطوكيو المجهودات الصينية لعزل اليابان في القارة الآسيوية، والصين الشيوعية حريصة كل الحرص على مساعدة الحزب الاشتراكي الياباني.
كما يزعج قادة بكين نشـاط اليابانيين في توسيع رقعة نفوذهم السياسي والاقتصادي في كل من كوريا وفورموزا.
ولذلك فإن بكين تركز دعايتها في دول جنوب شرق آسيا على أن اليابان دولة عدوانية وقوة عسكرية لها تاريخها الحافل في القارة الآسيوية، وربما تساعد جهود أمريكا لتحسين العلاقات مع الصين في دفع اليابان لتعيش هذه الصورة القاتمة التـي دفعتها بها الدعاية الصينية وذلك بتبني الساسة اليابانيون الجدد سياسة مستقلة نحو آسيا ومثل هذه السياسة المستقلة سوف تعني ولا شك أن تزيد اليابان من تسلحها الأمر الذي لا تنظر إليه أمريكا ودول آسيا المطلة على الباسفيك بعين الرضا.
وعلى الرغم من أن الشعور المعادي لبعث الروح العسكرية في اليابان ما زال قويًا إلا أن الرئيس نيكسون أعلن أنه يعتزم عقد اجتماع رسمي مع الإمبراطور هيروهيتو في الشهر القادم لإزالة كل أسباب الخلاف وسوء التفاهم.
ولكن الاجتماعات الهامة سوف تكون بين رجال الاقتصاد والأعمال في البلدين سواء على مستوى الوزراء أو على المستوى غير الرسمي بين كبـار الرأسماليين في كل من طوكيو وواشنطن حيث توضع أسس التعايش الاقتصادي بين البلدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل