; أين الوفاء ؟! | مجلة المجتمع

العنوان أين الوفاء ؟!

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 03-أكتوبر-2009

مشاهدات 85

نشر في العدد 1871

نشر في الصفحة 52

السبت 03-أكتوبر-2009

يقول خير خلق الله صاحب الخلق العظيم وسيد الأنبياء والأوفياء صلي الله عليه وسلم  : اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم. وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا انتمنتم واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم (رواه أحمد والحاكم).

إنك إذا تدبرت في أية واحدة من هذه الست المذكورة في حديث النبي صلي الله عليه وسلم  السالف الذكر لتأكدت أنها مفردات ومكونات للوفاء، وأن واحدة منها لا تخلو من الوفاء. إن من الوفاء أن تنجز إذا قلت نعم أي طلب منك شيء وعدت بإنجازه، وإلا فقل: لا أستطيع، لأن لا هنا تريحك وتريح الناس وتجنبك قول الناس عنك إنك كاذب. فذلك خير لك من أن تتعهد بإنجاز أشياء كثيرة، ثم لا تنجز منها شيئا، وقد أحسن الشاعر، حيث يقول

 إذا قلت في شيء نعم فأتمه 

                                فإن نعم، دين على الحر واجب

 وإلا فقل لا تسترح وترح بها

                                   لنلا تقول الناس إنك كاذب

 لكن الناظر في حياة الناس يجد غيابا محققا للوفاء، أو ندرة أو قلة أصابت الوفاء في حياتنا، فلماذا غاب الوفاء أو قل؟ ولماذا تفشى الغدر وشاعت الخيانة؟

●  لماذا قل الوفاء؟

إن الوفاء يحتاج إلى أساسين في الشخصية الأساس الأول: هو قوة الذاكرة، والثاني هو قوة العزيمة، فإذا ضعفت الذاكرة، ووهنت العزيمة فإنك تجد ذاتك أمام عقبتين كبيرتين في وفائك، فقد أوضح القرآن الكريم أن النسيان وضعف العزم كانا سببين في خطأ آدم عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) ﴾ (طه). يقول الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله فضعف الذاكرة وضعف العزيمة عائقان كثيفان عن الوفاء بالواجب، والإنسان - لتجدد الحوادث أمامه، وترادف الهموم المختلفة عليه - يفعل الزمان فعله العجيب في نفسه، فتخبو المعالم الواضحة، ويسمى ما كان بارزاً في نفسه لا يكاد يبين، ولهذا افتقر إلى مذكر دائم يغالب أمواج النسيان، ويمسك أمام عينيه ما يوشك أن يذهل عنه، وما أكثر آي القرآن التي تواردت لتصون هذا الذكر محمد الغزالي: خلق المسلم،( ص ٥٠). والذكر وحده لا يكفي لتحقيق الوفاء في الشخصية، لأن الوفاء يحتاج إلى بذل وعطاء وتضحية، لذا وجب توافر العزم القوي، وأقدار الناس تتفاوت تفاوتاً شاسعاً في هذا الميدان، لأن ثمن الوفاء قد يكون باهظاً ؛ حيث إنه قد يكلف الإنسان أحبته أو ماله أو حياته كلها مجتمعة وغيرها ؛ لأن ثمرة الوفاء غالية. يقول الشاعر في هذا الثمن الباهظ

 لولا المشقة ساد الناس كلهم 

                     الجود يفقر والإقدام قتال

ويقول آخر في ثمرة التضحية

 تهون علينا في المعالي نفوسنا

                           ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر 

لذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم  - وهو يدعو الناس إلى الإسلام - يطلب البيعة من الوفود المقبلة عليه بتوجيهات وتعاليم تناسب طاقاتهم النفسية والعقلية، ليساعدهم على أن يكونوا أوفياء وكانوا يقدرون هذه التبعة. إن ضعف ذاكرة الناس، وبعدهم عن الذكر والقرآن، وضعف عزائمهم، وانشغالهم بزينة الدنيا وفتنتهم بها ، حجب عن أعينهم الحقيقة فخان كثير منهم وغدر.

ولما كانت الأشياء بأضدادها تتضح، فلعل من المفيد - بعد أن عرضت الصور من الوفاء في المقال السابق - أن أعرض لبعض صور الغدر والجحود

في السطور القليلة القادمة.

● أولا : ثلاثي بني إسرائيل:

إن من القصص الدالة على الغدر وجحود النعمة ما أخرجه الإمام البخاري عن رواية أبي هريرة عن رسول الله : إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، ويذهب عني الذي قدرني الناس فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطى لوناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل !! فأعطاه ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها. ثم أتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس !! فمسحه، فذهب عنه، وأعطى شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطى بقرة حاملاً، وقال: بارك الله لك فيها. ثم أتى الأعمى فقال : أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله علي بصري، فمسحه، فرد الله عليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطى شاة والداً ( أي حاملاً). فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن بعيرا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة فقال : كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله ؟ قال : إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر !! قال : إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت.

وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ذلك ورد عليه مثل ما رد الأول، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت.

ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال، قال: قد كنت أعمى فرد الله علي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله !! فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك (رواه البخاري).

● ثانيا : الغدر في المعاملات المالية:

لقد رأيت خبلاً وخللاً خطيراً في معاملات كثير من الناس، ومنهم من يدعون الالتزام والتدين، ومنهم من يخطب في الناس ويدعوهم إلى الوفاء بالزكاة والتصدق والدين، وغير ذلك من صور المعاملات المالية.

قد تشارك رجلا في مشروع، وتترك له إدارته، فيستكثر عليك نصيبك في الأرباح ويظل يراوغك، ويكذب عليك زاعما أن المشروع يدر ربحاً وفيرا، وأن الأفضل لك أن تضيف أرباحك إلى رأس مالك، في حين أنه يستغلك ويأخذ رأس مالك ويستثمره لصالحه، ويأخذ من هذا ، ويقتنص من ذاك، حتى يغرق في ديونه ويغرق الآخرين، فإذا واجهته قال لك ربنا رب قلوب، وهو يعلم أني أنوي سداد دينك !! في حين أن فعله لا علاقة له بما يقول، فثم انفصام لديه بين القول والعمل إن الإسلام قد حسم هذا الأمر، وقطع الأمل على طويلي الأمل في هذا الشأن بالذات، فوقانا وساوس الطمع والأمل التي تنتاب الطامعين في أموال الناس، فلم يشرع الدين إلا في الظروف القاهرة والأزمات.

يقول صلي الله عليه وسلم  : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ( رواه البخاري).

●  ثالثا : نقض عقد الزواج

يهتم الإسلام اهتماما بالغا باحترام العقود

قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) ﴾ (النحل).

وعقد الزواج من العقود العظيمة، وهو ميثاق غليظ كما وصفه القرآن الكريم، لذا قال صلي الله عليه وسلم  : إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج.. وفي حديث آخر يقول المسلمون عند شروطهم (أخرجه البخاري).

● رابعا : نسيان الإنسان ماضيه

هذا النوع من الغدر والجحود، ذلك أنك تجد إنساناً كان فقيراً فأغناه الله، أو مريضاً فشفاه الله، أو مكروبا ففرج عنه الله، ثم يدعي أنه ولد غنيا، ولم يمرض ولم يمر بكرب ولم يفرج أحد عنه شدته !! وقد حكى لي صديق رحمه الله أنه كان في رحلة بالطائرة ومعه أحد الملحدين، وحدث عطل مفاجئ في الطائرة، أدى إلى إثارة الذعر لدى ركابها، فإذا بهذا الملحد ينطق قائلاً: يارب نجنا، فلما أنجاه الله كلمه صديقي بدعابة قائلاً : كان صوتك يجلجل وأنت تنادي ربك، فرد قائلا: كانت لحظات ضعف، وعندما يضعف الإنسان يخرف، فهذا جحود أدى بصاحبه إلى الهلاك.. نسأل الله العافية.

الرابط المختصر :