العنوان طريق الأمناء لتحقيقي الوفاء- الوفاء يبني علاقات الثقة في المجتمع
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1996
مشاهدات 63
نشر في العدد 1183
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 09-يناير-1996
وأخيرًا فإن للوفاء بالعهد أثره البالغ على الفرد والمجتمع على السواء، وبغيره يختل النظام وتفقد الثقة. وتحل محلها الريبة والشكوك في التصرفات والمعاملات ويخون الناس بعضهم بعضاً، فكيف لمجتمع أن يقوم على الشك أو الخيانة أو الغدر؟
يقول الشهيد سيد قطب: عن الوفاء بالعهد إنه سمة الإسلام الأولى التي يحرص عليها ويكررها القرآن كثيرًا وهي ضرورية لإيجاد جو من الثقة والطمأنينة في علاقات الأفراد، وعلاقات الجماعات وعلاقات الأمم والدول، تقوم ابتداءً على الوفاء بالعهد مع الله، وبغير هذه السمة يعيش كل فرد مفزعًا قلقًا لا يركن إلى وعد، ولا يطمئن إلى عهد ولا يثق بإنسان، ولقد بلغ الإسلام من الوفاء بالعهد لأصدقائه وخصومه على السواء قمة لم تصعد إليها البشرية في تاريخها كله، ولم تصل إليها إلا على حداء الإسلام وهدي الإسلام، (في ظلال القرآن ١/١٦١طبعة دار الشروق).
فكيف لمؤمن أن ينقض عهده بعد أن جعل الله عليه كفيلا؟ والله يعلم منه ما يبدي وما يكتم، وقد يحاول المسلم أن يتخلص من تبعات عهده، لضعف في عزمه، أو تغير لظروفه أو غير ذلك مما يحاول الناس أن يبرروا به غدرهم، ولئن انطلت الحيلة على الناس فإنها لا تنطلي على رب الناس، فليخف المسلمون ربهم، وليوفوا بعهودهم التي عاهدوا الله، أو عاهدوا الناس عليها، وليدركوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم»، (رواه البخاري) فإذا ما خالفوا هذه الشروط التي ارتضوها وتعاهدوا عليها حل عليهم سخط الله، ونزلت بهم عقوبته.
أنواع العهود ومقتضاها
العهود كلها مطلوب الوفاء بها مادامت مرتبطة بالحق والخير والمعروف، أو بالأحرى ما دامت لا تخرج عن نطاق الدين الإسلامي الَّذي أمر بالوفاء بالعقود أمرًا عامًا فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ (المائدة: ١)، وهذه الآية هي أجمع الآيات القرآنية لأنواع الوفاء؛ ولذلك قال رشيد رضا: «إن أساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة أوفوا بالعقود، لأنها تفيد أنه يجب على كل مسلم أن يفي بما عقده وارتبط به فكل قول أو فعل بعده الناس عقدًا فهو عقد يجب أن يوفوا به كما أمر الله تعالى ما لم يتضمن تحريم حلال، أو تحليل حرام (مجلة البيان العدد ٢٢ سبتمبر ۱۹۹۰، نقلًا عن كتاب أخلاق القرآن للشرباصي). وإذا كانت العهود كلها مطلوبًا الوفاء بها، فإن العهود نفسها درجات ودرجة الوفاء تابعة لدرجة العهد يقول الشيخ محمد الغزالي: في كتابه خلق المسلم والعهود التي يرتبط المسلم بها درجات فأعلاها مكانة، وأقدسها تمامًا، العهد الأعظم الَّذي بين العبد ورب العالمين.
فإن الله خلق الإنسان بقدرته، ورباه بنعمته وطلب منه أن يعرف هذه الحقيقة وأن يعترف بها، وألا تشرد به المغويات، فيجهلها أو يجحدها.
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (يس: ٦٠،١٦).
وإذا كان هناك من البشر من لم يستمع إلى المرسلين ويستهد بما جاؤوا فإن له من فطرته سابقًا يحدوه إلى ربه، ويبصره بخالقه، مهما حفلت البيئة بصنوف الفساد وضروب التخريف هذا معنى الميثاق الَّذي أخذه الله على الناس كافة.
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢-١٧٤).
مقتضى الوفاء بعهد الله
هذا هو العهد الَّذي أخذه الله على الناس أجمعين، فما مقتضى هذا العهد وهذا الموثق؟ ونحن ندع الإجابة للدكتور يوسف القرضاوي ليجيبنا عنها فيقول: «إن مقتضى عبادة الإنسان لله وحده أن يخضع أموره كلها لما يحبه تعالى ويرضاه من الاعتقادات والأقوال والأعمال، وأن يكيف حياته وسلوكه وفقًا لهداية الله وشرعه، فإذا أمره الله تعالى أو نهاه، أو أحل له أو حرم عليه كان موقفه في ذلك كله ﴿َسمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285).
ففرق ما بين المؤمن وغيره إن المؤمن خرج من العبودية لنفسه والمخلوقين إلى العبودية لربه، خرج من طاعة هواء إلى طاعة الله، ليس المؤمن سائبا، يفعل ما تهوى نفسه أو يهوى له غيره من الخلق، إنما هو ملتزم بعهد يجب أن يفي به، وميثاق يجب أن يحترمه، ومنهج يجب أن يتبعه، وهذا التزام منطقي ناشئ من طبيعة عقد الإيمان ومقتضاه.
مقتضى عقد الإيمان أن يسلم زمام حياته إلى الله، ليقودها رسوله الصادق، ويهديه الوحي المعصوم.
مقتضى عقد الإيمان أن يقول الرب أمرت ونهيت ويقول العبد سمعت وأطعت.
مقتضى عقد الإيمان: أن يخرج الإنسان من الخضوع لهواه إلى الخضوع لشرع مولاه.
وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦)، ويقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 51).
ليس بعابد لله إذن من قال: أصلي وأصوم وأحج، ولكني حر في أكل لحم الخنزير، أو شرب الخمر أو أكل الربا، أو رفض ما لا يروقني من أحكام الشريعة، فأحكم فيه بغير ما أنزل الله ليس بعابد لله من أدى الشعائر، ولكنه لم يخضع لآداب الإسلام وتقاليده في نفسه أو أهله كالرجل الَّذي يلبس الحرير الخالص ويتحلى بالذهب، ويتشبه بالنساء. والمرأة التي تلبس ما يبرز مفاتنها، ولا يغطي جسدها، ولا تضرب بخمارها على جيبها، ليس بعابد لله من ظن أن عبوديته لله لا تعدو جدران المسجد فإذا انطلق في ميادين الحياة المتشعبة، فهو عبد نفسه فقط، وبعبارة أخرى هو حر في اتباع هواها، أو اتباع أهواء عبيد أنفسهم من المخلوقين (العبادة في الإسلام د. يوسف القرضاوي).
يقول الإمام ابن العربي: عند حديثه عن قول الله: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ (الرعد: ٢٠) المسألة الثالثة- في تمديد عهود الله، وهي كثيرة المدد. مستمرة المدد والأمد، أعظمها عهدًا، وأوجدها عقدًا ما كان في صلب آدم على الإيمان.
الثاني: ما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم.
الثالث: ما ربطه المرء على نفسه عند الإقرار بالشهادتين «فإنها الزمت عهودًا وربطت عقودًا ووظفت تكليفًا، وذلك يتعدد بتعدد الوظائف الشرعية. ويختلف باختلاف أنواعها، منها؛ الوفاء بالعرفان والقيام بحق الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»؛ ومنها الانكفاف عن العصيان، وأقله درجة اجتناب الكبائر. (أحكام القرآن لابن العربي 3/١١١).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل