العنوان أبو بدر الغائب الحاضر الذي لم تغره الدنيا
الكاتب أم علي عبدالوهاب المطوع
تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006
مشاهدات 56
نشر في العدد 1719
نشر في الصفحة 19
السبت 16-سبتمبر-2006
منذ تفتحت الحياة وأنا أعرفك بالخصال الحميدة والسجايا الطيبة التي تحمل جميع المعاني من صدق وأمانة وكرم وضمير حي ونوايا حسنة، أنت والحبيب الذي رحل قبلك «عبد العزيز المطوع يرحمه الله شقيق أبو بدر الأكبر» كنتما وجهين لعملة واحدة، لكن الله حباك شخصية متفردة، تحمل قدرات عالية لا تتوافر إلا في القلة القليلة من البشر، شخصية تمثل الإسلام بشموله كمنهاج للحياة من وصل وحنان حتى وأنت في أقاصي الأرض، تتصل وتسأل عن الجميع، متسامح لأبعد الحدود، رزين رشيد في تصرفاتك، حذر، دقيق، ورع، نصوح مهيب الجناب، متفائل، وجيه ذو وجدان عال، مضياف تريد الناس حولك وأنت في أحلك المواقف، عذب الحديث لبق، تختصر مع التوضيح.
كرمك ليس للسمعة والرياء، وإنما لرضا رب العباد، يداك ممدودتان كالغمامة الممطرة حيثما وجدت هلت وأمطرت خيرًا وبركة، تضاريس الأرض تشهد مشاريعك الخيرية، الفضاء الرحب لا يحصي عدد مآذنك، أيتام المسلمين أبناؤك الذين تتألم لألمهم.
لا تغضب ولا تخاصم إلا لله، تتفاعل مع المواقف كالسيف البتار، تواضعك جم، تخفض جناح الذل للفقير والضعيف، وتضرب بفأس من حديد على الظالم المعتدي، كالبحر الزاخر في صفوك، وفي غضبك تخافك الحيتان، سهل التعامل، عميق في إدراكك، بعيد في نظرك، ترنو للجنة وحياة الخلود، إنك خليط من الحرير والفولاذ، متناقضاتك متماشية مع نواميس الكون، قوي العزيمة يعجز عن فلها الجبابرة.
تحب عملك لا تكل ولا تمل، على حساب وقتك وصحتك، كل ثانية تمر عليك تحتسبها لله، وكل حرف له معنى ووزن وشكل، على عكس بذلك للمال الذي تدفعه للفقراء دون حساب كنهر جار لا تصطدم بصخور ولا سدود لا تعرف الفشل ولا الصعاب.
إن الأقلام يجف حبرها ولا ينتهي الكلام عنك، إنك أمة في رجل، إنك من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
وتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
بو بدر حتى آخر أنفاسك يدك بيد الحبيب ابني علي تشد عليها، «علي هو آخر من صافح أبو بدر قبل وفاته بلحظات».
المصلحون أصابع جمعت هي الشيخ عبد الله المطوع اليد البيضاء كل ما قيل وكتب قليل، لأني أعرفه كثيرًا، وما كتب إلا النزر اليسير، كان قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسلوبه وتأدبه وعلو همته ولا يعرف عجزًا ولا كسلًا، نذر نفسه للدعوة الإسلامية وهموم المسلمين في أنحاء الأرض، يزورنا في جميع المناسبات، حتى وهو مسافر يتصل ويسأل عن الأهل، ويوصي أولادي بي، ويدعو لي في صلاته ويقول لي: «إن شاء الله تشوفين ما يسرك بهم»، ويطلب مني أن أدعو له كذلك، وأتساءل في نفسي وأقول: كل هذه الحسنات عند أبو بدر ويطلب دعائي له، لله دره ماذا سيزيده دعائي؟
عندما يعود من السفر أسأل أولادي: سلمتم على عمكم؟ يقولون: لا نقدر أن ندخل المكتب لمدة ثلاثة أيام، عنده زوار على اختلاف احتياجاتهم من الوفود وأصحاب الأعمال والفقراء والمحتاجين، يأنس بوجود الفقراء حوله، لا يرضى ببعدهم عنه في قسم خاص، يتولى أمورهم ويستمع إليهم بأذن صاغية غير متململ.
وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان يأخذ أولادي إلى المسجد القريب من منزله ويخبر المصلين بأنه سيتواجد بعد صلاة القيام، حيث يكتظ المسجد بالفقراء ويغدق عليهم، ومن شدة انتباهه أخذ شخص المبلغ ورجع مرة ثانية كأنه لم يتسلم شيئًا، فأنبه - رحمه الله - حتى لا يتعلم الخداع والكذب، فتعجب أبنائي من قوة ملاحظته وتأسف هذا الفقير.
حساس يشعر بشعور من حوله، رقيق رغم شدته على المنكر، جواد رغم عيشه المتواضع، حنون على الأيتام، سبق أن عرض عليه صديق شراء أرض في السعودية عليها تثمين كبير في المستقبل القريب، وعندما استفسر عن الأرض اكتشف أنها لأيتام وهذا الرجل شريك والدهم، ويريد من أبي بدر أن يشاركه نصيب الأيتام، وحالًا رفض الفكرة ورد عليه: «أن من حق هؤلاء الأيتام بالتثمين بما أنك تعلم ذلك»، ومن فضل الله عليه رزقه بمبلغ كبير كان يطالب به شخصًا استدان منه ورده إليه.
مواقفه كثيرة، يسعى إلى الرزق الحلال المصفى من كل شائبة ويبتعد عن أي أمر فيه نسبة من الشك، ولا يعترف بشركات التأمين، وكان يقول: زكاتي تؤمن علي، لأن ثقته قوية بريه. زكاته تتعدى المفروض بالكثير عند الضرورة واحتياج المسلمين.
هذا غيض من فيض.
كأن دمعي لذكراه إذا خطرت * فيض يسيل على الخدين مدرار
رحم الله «بو بدر» بدر المسلمين، ورحم الله الرحم التي أنجبته.