; المؤامرة الكبيرة واتفاق الجنتل مان | مجلة المجتمع

العنوان المؤامرة الكبيرة واتفاق الجنتل مان

الكاتب محمد عبدالهادى

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1982

مشاهدات 77

نشر في العدد 586

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 07-سبتمبر-1982

* بدايات الاتفاق قديمة توجت بزيارة رفعت لواشنطن بوجود شارون.
* كيسنجر: اليهود ونظام دمشق متفقان حول القضية الفلسطينية.
* حسني مبارك يكشف السر الأول في اتفاق الجنتلمان بين سوريا والعدو 
* شيوعي لبناني: ما قامت به إسرائيل تكملة أخيرة لما قامت به سوريا.
* هل يستمر الممولون الخليجيون في مد النظام السوري؟ وهل سيقولون لنا غضوا الطرف عن الاتفاق الجنتلمان؟
يروي هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق في مذكراته قصة أول لقاء له مع حاكم سوريا. وقد جاء فيها: «إن الجلسات الأولى للمباحثات تمت بحضورهما فقط مع مترجم أمريكي فقط! وبعد أن تتم الصفقات- والكلام لكيسنجر- يستدعي الحاكم السوري مساعديه ويدعى معهم المترجمون السوريون».
هذه الحكاية التي كتبها كيسنجر في وثائق مذكراته تعيد نفسها ثانية مع المبعوث الأمريكي فيليب حبيب. حيث اقتصرت الجلسات الأولى خلال شهور الغزو الإسرائيلي للبنان على حاكم سوريا وحبيب والمترجم الأمريكي فقط! ترى ما الصفقات التي تناولتها مباحثات الشهور الثلاثة مع المبعوث الأمريكي؟ 
إن أحدًا من المراقبين لا يعتقد أن سفرات حبيب المكوكية بين دمشق والقدس المحتلة وبيروت خصصت جميعها من أجل إخراج الفلسطينيين من بيروت. فموضوع المحاورة (السورية- الأمريكية) أوسع وأشمل من هذا بكثير..
أحد المراقبين المطلعين- وهو الكاتب الفرنسي (كلود بورتيه)- تحدث في حوار صريح في العاصمة البريطانية حول الغزو الصهيوني للبنان، وقد استخلص في استعراضه أن ما حدث في لبنان هو مؤامرة اشتركت فيها الولايات المتحدة إلى جانب كل من إسرائيل وسوريا.
حبيب وسيط المحاورة
إذا كان حبيب الذي يمثل البيت الأبيض قام بدور الوساطة والحوار الذي جرى بين حكومة بيغن والنظام السوري توصل أخيرًا إلى إخراج الفلسطينيين من بيروت وتحييد السوريين إزاء الغزو الإسرائيلي وإسكات بطاريات الصواريخ التي دفع حكام الخليج ثمنها للردع السوري لتحطمها إسرائيل وهي صامتة.
إذا كان هذا ما توصل إليه المبعوث الأمريكي عبر دور الوساطة في الحوار الذي أنشأه بين دمشق والقدس المحتلة.. فإن سؤالًا يطرح نفسه هنا:
ما الحصيلة التي وصل إليها نظام دمشق في مهمة حبيب؟
ويحسن هنا قبل سرد عناصر المحصلة السورية من مهمة حبيب أن نقول: إن نظام دمشق دفع الثمن سلفًا. وهو الرأس الفلسطيني والكرامة العربية في لبنان ودولارات النفظ التي ضاعت مع السلاح الضائع. فضلًا عن المزيد من الخلافات العربية والتشنجات الثورية.
أما عن محصلة النظام مع المبعوث الأمريكي فلعلها تبدو واضحة في الأحداث التالية:
1- ارتقاء مستوى الحوار الأمريكي لينتقل من الساحة اللبنانية إلى واشنطن وبلا وسيط هذه المرة. تتمثل هذه الخطوة في رحلة رفعت أسد المتزامنة مع رحلة «شارون» وزير دفاع العدو إلى واشنطن.
2- ضمان دمشق وساطة البيت الأبيض لدى حكومة بيغن من أجل عدم اتخاذ أي إجراء عسكري إسرائيلي يؤدي إلى صدام مسلح بين السوريين والإسرائيليين عبر الحدود السورية لأن مثل هذا الصدام يؤدي إلى اهتزاز النظام السوري الذي يعاني كثيرًا من الأخطار الداخلية داخل البنية الحاكمة والقوات المسلحة.
3- وضع «العلاقة السورية الإسرائيلية» على جدول الأعمال الأمريكية الخاص بحل قضية الشرق الأوسط مع الأخذ بالاعتبار موقف النظام السوري الداخلي الذي يتطلب من نظام دمشق الحصول على ميزة ما تجعل قبوله للسلام الإسرائيلي قبولًا «مشرفًا»!!!!
4- دعم النظام السوري أمام خصومه العرب. والذين يعتبر العراق والأردن أقواهم لمجاورتهما في مقابل إخلاء نفسه من التزاماته الجوهرية مع الروس الشيوعيين.
تعليل سوري
إن هذه المحصلة السورية التي أسفرت عنها لقاءات الحاكم السوري مع المبعوث الأمريكي فيليب حبيب تعني حقيقة واحدة هي أن نظام دمشق دار ظهره للروس ووضع يده بيد البيت الأبيض حتى الإبط قابلًا بالحل الأمريكي المنفرد المشابه لحل كامب ديفيد.
على أن نظام دمشق قدم تعليلًا للوجهة السياسية الجديدة أسر به الرئيس السوري بنفسه لمبعوث الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران حيث قال له: «إن الحلفاء السوفيات خيبوا الآمال إذ لم يشحنوا إلى سورية الأسلحة الحديثة التي ربما كانت أتاحت لها الصمود والوقوف في وجه الدبابات والطائرات الإسرائيلية» وإذا عدنا إلى تاريخ السادات قبل زيارته للقدس لقرأنا التعليل نفسه كان مقدمة للحل الأمريكي، وإذا كان هذا القول يثبت حقيقة ارتباط نظام دمشق بالحل الأمريكي فإن مسألة التسليح الروسي لسورية لا يؤخذ بها حيث إن نظام دمشق اشترى الأسلحة الكافية بدولارات النفط لكنه استهلك معظمها في أزمته الداخلية مع الشعب السوري في حماة وغيرها. وما زال يحصن نفسه على مرأى من سفارات العالم في شوارع دمشق والمدن السورية الأخرى خشية الشعب هناك.
الثمن الذي دفعه النظام
كان الثمن الذي دفعه نظام دمشق للبيت الأبيض ولحكومة العدو باهظًا على الشعب السوري واللبناني والفلسطيني:
* فعلى المستوى السوري كانت ضربة مدينة حماة التي حصل فيها أسوأ مما حصل في بيروت بشهادة المراقبين الذين رأوا المدينتين. وضربة حماة هي رمز لضرب الحركة الإسلامية في عرف القوى العدوة التي تخشى غضب الشعوب على سياسة حكامها المقبلين على الاستسلام للشروط الإسرائيلية في حل مسألة الشرق الأوسط.
* وعلى المستوى الفلسطيني قدم النظام القربان الأوفى طيلة السنوات الأخيرة ليحصل على بركة البيت الأبيض ونحن نعيد إلى ذاكرة الشعوب هذه الرقائق.
1- إحداث منظمة فلسطينية خاصة بالنظام السوري داخل جسم المقاومة هي منظمة الصاعقة البعثية لتكون شوكة في خاصرة المقاومة الفلسطينية.
2- منع المنظمات الفدائية من العمل ضد إسرائيل عبر الجولان وحشرها في زاوية ضيقة في لبنان.
3- الهيمنة على القرار السياسي والعسكري للمنظمة بإنشاء القيادة «الفلسطينية- السورية» الموحدة عام 1975 والتحالف الاستراتيجي بين الطرفين عام 1982.
4- اعتقال رجال المقاومة الفلسطينية والزج بهم في السجون السورية. فقد نقل يوم 6/6/82 عن مجلة «جون أفريك» الفرنسية وهو يوم بدء الغزو الصهيوني للبنان: «إن السلطات السورية أصدرت أوامر صارمة تقضي بمنع عدد كبير من الفلسطينيين من مغادرة الأراضي السورية. وأكدت أن النظام السوري التجأ إلى هذه الوسائل والتدابير لمنع أي تحرك من شأنه أن يدين سياسته الحالية».
5- منع المتطوعين المسلمين من الوصول إلى لبنان للوقوف إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين.
6- وقوف الجيش السوري في لبنان موقف المتفرج من مذابح اليهود في المخيمات الفلسطينية والشوارع اللبنانية.
كل هذا... وغيره كثير أدى إلى المأساة الفلسطينية وخروج المقاومة وتشتيتها في أنحاء العالم العربي.. لتصبح أرقامًا بلا حراك!!
* أما على المستوى اللبناني فقد انكشف دور النظام الذي أدى إلى النتائج التي دخل في حساباتها. ومن أبرز خطوط ذلك الدور.
1- المشاركة في العمل على تقسيم لبنان، فقد نقلت جميع الوكالات العربية والأجنبية أن الجيش السوري «الردعي» انسحب من مناطق: «جزين ودير الفخر والمختارة» ومكن القوات الإسرائيلية من الوصول إلى قصر «بعبدا» مقر رئاسة الجمهورية اللبنانية ومن ثم سحب القوات السورية من مناطق مثل «دير إلياس القريبة من شتورا». ومناطق أخرى في البقاع اللبناني تمهيدًا لسيطرة الجيش الإسرائيلي الغازي على الطريق الدولية بين دمشق وبيروت. والذي قد يكون هو الخط الفاصل بين لبنان الشمالي ولبنان الماروني في المستقبل.
2- قصف مدينة طرابلس بالمدفعية الثقيلة والصواريخ مما أدى إلى إصابة مئات القتلى والجرحى من اللبنانيين في المدينة.
3- حصول اشتباكات بين عصابات علي عيد الموالية لرفعت أسد وبين المقاومة الشعبية الإسلامية المتعاونة مع الفلسطينيين.
وبهذا يكون الدور السوري على المستوى اللبناني دورًا واضحًا أشارت إليه مجلة فرنسية يوم 10/6/1982 وفي بداية الغزو حيث قالت: «إن الرئيس ميتران وسعود الفيصل وزير الخارجية السعودي وصلا إلى حد اتهام النظام السوري بأنه عقد مع إسرائيل اتفاقًا ما حول تقسيم معين للبنان».
رفعت في واشنطن 
ويتوج النظام في دمشق بعد ذلك دوره بابتعاث رفعت أسد شخصيًا وهو بطل مجزرة حماة والشعب السوري في المحافظات الأخرى إلى واشنطن ليكمل الصفقة.
لقد أخفت وسائل الإعلام السورية نبأ تلك الزيارة لكنها اضطرت للإعلان عنها بعد أن أذيعت من راديو مونت كارلو وإذاعة لندن وبعض أجهزة الإعلام العربية.
* راديو دمشق علل الزيارة بأنها للاستشفاء والعلاج.
* مصدر سوري آخر ذكر أن رفعت أسد يريد تسجيل ثلاثة من أبنائه في الجامعات الأمريكية «الإمبريالية!!» لإكمال دراستهم.
* صحف عربية وأجنبية أشارت إلى أن هناك علاقة بين رحلة رفعت أسد ووجود «إرييل شارون» وزير الدفاع اليهودي في العاصمة الأمريكية تصل إلى حد انعقاد لقاء سري بين الرجلين.
وعلى الرغم من نفي الإعلام السوري أية طبيعة رسمية لزيارة رفعت إلى واشنطن فإن مصادر ديبلوماسية في العاصمة الأمريكية سربت خبرًا خاصًا عن تواجد شارون ورفعت هناك، وقد أشرنا في العدد الماضي إلى أن صحيفة المدينة المنورة السعودية التي وصفت رفعت بأنه الساعد الأيمن لحافظ أسد أشارت يوم 28/8/82 إلى عقد «لقاء سري» بإشراف أمريكي بين شارون ورفعت أسد في واشنطن.
والذي يقوم احتمال إتمام الصفقة «السورية- الإسرائيلية» في المرحلة الجديدة من أزمة الشرق الأوسط عدة أمور من أبرزها:
1- تصريح لهنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق الذي قال لصحيفة الواشنطن بوست في أواخر شهر يوليو الماضي ما يفيد بأن هناك اتفاقًا ما بين نظام دمشق وحكومة إسرائيل حول القضية الفلسطينية.
2- خبر نشرته إحدى الصحف الفرنسية يوم 10/6/82 قالت فيه صراحة «إن ميتران وسعود الفيصل وصلا إلى حد اتهام النظام السوري بأنه عقد مع إسرائيل اتفاقًا ما حول تقسيم معين للبنان».
3- خطاب الرئيس الأمريكي ريغان الذي أعقب زيارة كل من رفعت أسد وشارون لواشنطن والذي صور فيه الرؤية الأمريكية النهائية بعد مشاورة أطراف النزاع لحل المسألة الفلسطينية وقضية الشرق الأوسط.
ثلاث ملاحظات
من السهل على المراقب المتابع للأحداث الأخيرة في لبنان وعواصم الشرق الأوسط ملاحظة الأمور التالية:
1- إن موضوع التفاوض السوري مع الإسرائيليين ليس جديدًا كل الجدة وإن كان هناك احتمال قوي بأنه دخل في مرحلة نوعية جديدة.
* فقد حصل لقاء مباشر بين عضو مجلس الشعب السوري المخول من رئاسة الجمهورية وبين السفير الإسرائيلي في البرازيل قبل عامين وقد نشرت الصحف البرازيلية وبعض الصحف العربية آنذاك خبر ذلك اللقاء الممهد لاتفاق المستقبل.
2- إن مفاوضات نظام دمشق مع الإسرائيليين سواء أكانت مباشرة أو عبر الوسطاء قدمت الرأس الفلسطيني ثمن التعلق بورقة الحل القادم.
3- إن نظام دمشق- وهو يفاوض- يضرب بمواقف الأنظمة العربية وجهودها عرض الحائط وقد صدرت تصريحات كثيرة عن مسؤولين عرب توحي بهذه الحقيقة ومن ذلك ما أعلنه حسني مبارك واتهم به سورية بقوله الذي نقلته جريدة الشرق الأوسط:
«إن سورية أبرمت اتفاق جنتلمان مع إسرائيل» وقال: «إنه وفقًا لهذا الاتفاق سيصبح الأردن وطنًا قوميًا للفلسطينيين وتحصل سورية على البقاع عوضًا عن الجولان».
ترى هل يكون إعلان «ريغان» الأخيرة مقدمة لاتفاق «الجنتلمان»!!؟؟
التكملة الأخيرة
محسن إبراهيم شيوعي لبناني من قياديي اليسار في لبنان استعرض ما يجرى داخل لبنان في أثناء صحوة له كان قبلها غارقًا في الأحلام الموعودة من نظام دمشق.
وفي تلك الصحوة المتأخرة قال:
«إن ما تقوم به إسرائيل اليوم في لبنان هو التكملة الأخيرة لما بدأته سورية عام 1976». وللذين لا يصدقون أقول: اقرأوا الفصل الأخير من مذكرات كمال جنبلاط «هذه وصيتي».
إذًا ماذا يمكن لأي مراقب أن يقول بعد هذا الاستعراض؟
* ماذا سيقول عن مواقف سورية طيلة حكم النظام الحالي ومنذ عام 1970؟
* وماذا سيكتب التاريخ عن الجريمة التي استأصلت العمل العسكري الفلسطيني وشتتت المقاتلين في أنحاء متباعدة من الوطن العربي؟
* وكيف سيفسر الإنسان المزايدات السورية على القضية؟
* وكيف سيصدق المواطن العربي- بعد هذا كله- أن زيارة رفعت أسد لواشنطن كانت للعلاج أو لتسجيل الأولاد في الجامعة!! وهل يحتاج تسجيل الأولاد لسفر رفعت نفسه؟؟
إن اتفاق «الجنتلمان» الذي أشار إليه «مبارك» قد اكتمل وفصل التنفيذ لذلك الاتفاق قد اقترب وخطوط المؤامرة واضحة وبينة في كل الأحداث التي استقرأناها هنا. بدءًا من المؤامرة على مسلمي سورية وهدم مدينة حماة وانتهاءً بالمؤامرة على المقاومة وتهديم بيروت.. وكل ذلك يحدث.. ودولارات النفظ ما زالت تتدفق إلى جيوب عصابات المؤامرة تحت اسم الردع تارة واسم الصمود تارة أخرى!!
ترى.. هل يحق لنا أخيرًا وضع إشارة استفهام كبيرة على الممولين المستمرين في الخضوع للاستبزاز السوري؟؟
هل يحق لنا ذلك؟
أم سيقال لنا غضوا الطرف عن اتفاق الجنتلمان؟؟!!

الرابط المختصر :