; وماذا بعد مخيمي صبرا وشاتيلا؟ .. أليس لمذابح المسلمين من نهاية؟ | مجلة المجتمع

العنوان وماذا بعد مخيمي صبرا وشاتيلا؟ .. أليس لمذابح المسلمين من نهاية؟

الكاتب عبدالمؤمن محمد نعمان

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

مشاهدات 83

نشر في العدد 592

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

مشهد المأساة في المخيمات

الجيش اللبناني يتعقب الفلسطينيين أيضًا 

. تحليل لأسباب الهزائم والكوارث التي نزلت بالأمة مع كشف أطراف المؤامرة.

. هل تجرب الأنظمة العربية الإسلام مرة؟ فقد تخرج الأمة من الظلمات إلى النور بهذه التجربة.

لا أدري كيف ابدأ حديثي عن محنة الإسلام في مخيمي «صبرا وشاتيلا)... 

إن اللغة وهي أداة التعبير الأولى لتعجز أحيانًا عن الوفاء بما يختلج في أعماقنا من الانفعال، فكيف بها تلقاء هذه المجزرة التي هزت العالم، وأرهَبت حتى قلوب بعض اليهود. 

الذين أصبحوا مضرب المثل في التحجر والحقد على أبناء آدم جميعًا بما ورثوه من كره لهم و يقين تلمودي بأنهم وحدهم شعب الله المختار. 

فكل من سواهم لا يعدو أن يكون ملكًا خالصًا لهم من حقهم أن يتصرفوا به قتلًا وتشويهًا واستلابًا... وها هي ذي أصوات هؤلاء اليهود تضج بالنقمة من القتلة الذين– على قول شيمون بيريز– ضاعفوا كراهية البشر لشعب

إسرائيل في كل مكان. 

أجل إنها لكارثة تخرس الألسن، وتفحم البيان ... ومع ذلك فإني لأعجب من الأقلام التي تطلق عليها اسم «مذبحة العصر» لأنه يوهم القارئ أنها نسيج وحدها في كوارث هذا العصر، و ربما خيلت للقارئ أنها وحيدة نوعها في ماضيات العصور أيضًا..... على حين أن الواقع يصادم هذا الظن لأن تاريخ المسلمين لا يزال يفيض بأمثال هذه الفواجع منذ انصرفوا عن مهمتهم الكبرى في هداية القطعان البشرية إلى الانغماس في ضروب اللهو واللغو والاختلاف على شهوات الدنيا، ومن هنا كان الأولى بنا أن نسمي كارثتنا الجديدة «مذبحة اليوم» بدلًا من «مذبحة العصر» إذ يستحيل توقف هذه المذابح في أوساط المسلمين، ما داموا غافلين عن خلفيات هذه الأحداث، لا يعرفون السبيل إلى مواجهتها بالوسائل الصحيحة الرادعة.... وفي مقدمتها التأمل الواعي في عبر الفواجع الماضية للانتفاع بها في مسيرتنا القادمة. 

إن فاجعة اليوم لتوقظ في أعماقي ذكريات المآسي المتلاحقة من تاريخ أمتي، فلا أدري أيها أعرض، وبأيها ابدأ... وعلى أيها اقتصر... وحسبي من حلقاتها الفائقة للحصر بعض النماذج المنبئة بما وراءها.

أقرب الفواجع شبهًا بكارثة اليوم مذابح المسلمين في ساحات الأندلس، عقيب نزوح رايات الإسلام عن فضائها، إذ تخلف عن النزوح جموع من المسلمين صدقت عهود أعداء الإسلام بالحفاظ على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ومعابدهم، فما إن غادرت بقايا المقاتلين شواطئ الأندلس حتى انقضوا على أولئك العزل، فأعملوا فيهم السيف والنار حتى لم يَسلم منهم أحد إلا من أعلن الانسلاخ من الإسلام واعتناق النصرانية ...

ثم تلت ذلك مذابح التتار في خراسان وبغداد التي ذهبت بالملايين من المسلمين وبالعشرات من المدن والقرى التي طمست معالمها ومحيت أثارها ... وفي تلك الحقبة نفسها وصل المد الصليبي إلى بيت المقدس، وخلت الساحة من أبطال الإسلام؛ فلجأ العزل المسالمون إلى أحضان المسجد الأقصى، فلم يلبث الحقد الصليبي أن أحاط بهم واقتلع شافتهم فأغرق خمسة وسبعين ألف مسلم بدمائهم في بيت الله. 

ويتتابع الشريط فإذا نحن في ساحات دهلي من حواضر الهند حيث نرى قذائف الإنكليز تحصد المسلمين حتى تمتلئ بجثثهم الشوارع وتفيض بدمائهم الأرجاء، فلا يوارون الثرى إلا بعد أن خشى القتلة على أنفسهم روائح الموت التي بدأت تلوث الفضاء...... 

ويشاء الله أن نشهد باستمرار المأساة في الهند حتى بعد جلاء المستعمر، فلا يكاد شهر يمضي دون أن يقضي على العشرات بل المئات من المسلمين، أو تحرق بهم ديارهم و قراهم..... ولم يمض بعد سوى عامين على مذبحة مراد آباد في انتر برادش تلك التي حصدت فيها رشاشات الشرطة الهندوس قرابة الألفين من المسلمين وهم في مصلى العيد......

ثم من ينسى مذابح دعاة الإسلام في سجون عبد الناصر وجلاديه حمزة البسيوني وصلاح نصر وشمس بدران وبقية الزبانية، الذين مرغوا وجه مصر بالعار كما قرر قضاتها الشرفاء...

ويتتابع البلاء على هؤلاء الدعاة البراء على أيدي صاحب كامب ديفيد وأعوانه من أعداء الإسلام، وما يزال الطريق مشحونًا بمواكب الشهداء مسوقة إلى محاكم تقاضيهم بقوانين «النائب العام الاشتراكي» الذي لا عمل له سِوى تسليمهم إلى حبال المشانق، أو زجهم في غياهب السجون.....

وهل نسي المسلمون مجزرة مقديشو يوم سبق علماء الإسلام إلى أخدود الماركسية، فأحرقوا أحياء، ولا ذنب لهم سوى أن يعلنوا حكم الله

على قوانين الشيوعيين التي تريد القضاء على دين الله.....

ودير ياسين..... وما أدراك ما دير ياسين.... تلك التي سوتها وحشية مناحيم بيغن وعصابته بالأرض، وقضت على كل نسمة حية فيها، كما أوصت كتبهم المزورة بالقضاء على كل إنسان و حيوان في أريحا العربية قبل آلاف السنين ...... 

ومن على هذه التلال من أشلاء شهداء الإسلام تطل على مذبحة تل الزعتر... التي شارك فيها أحفاد المردة من حلفاء الصليبيين وأنصارهم ضباط إسرائيل حسب إقرار المجرم شارون في برلمان إسرائيل، وكل ذلك على مَرأى ومَسمع من «حماة الديار» الذين لم يملكوا إلا أن يباركوا المذبحة المقررة....

وكان لا بد لهذه الكوارث من أن تؤتي ثمارها فواجع تتلوها فواجع، فكانت مذبحة حماة التي دمرت أحياءها وهدمت مساجدها و دفنت تحت الأنقاض عشرات الآلاف من أبنائها.. دون أن يرتفع صوت بالإنكار على هذا الدمار، حفاظًا على مبدأ عدم التعرض لشئون الآخرين الداخلية. 

وقد ينفعنا أن نلقي نظرة تحليلية على ظروف الفاجعة الراهنة وخلفياتها، فتتخذ من دروسها عبرة تجنبنا الوقوع في أحابيل مثلها في الكرة القادمة إن كنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

لم يكن شيء من كارثة اليوم مفاجئًا بعد أن ملأ ياسر عرفات الفضاء بأنباء الاستعداد اليهودي لاجتياح لبنان، حتى إذا دقت ساعة الصفر تدفقت قوى صهيون على معاقل المقاومة التي أدهشت الدنيا بصمودها الخارق وكفاحها الجبار الذي أثخن في العدو فكلفه– باعترافه– ما لا يقل عن عشرين ألف إصابة في الأنفس فضلًا عن تحطيم مئات الدبابات والآليات.

وفجأة تخلت عن اليسرى شقيقتها اليمنى فأوقف أبطال الصمود والتصدي إطلاق النار وتقهقروا إلى المدى الذي يريده المعتدي، وهكذا أصبحت المقاومة الجبارة مكشوفة لأسلحته، لا يسترها عن طائراته أي غطاء، وقد أحاط بها من البر والبحر والجو حتى بلغ ما تلقته من قذائفه وصواريخه أكثر من مئتي ألف، وهي ماضية في نضاله مصممة على تحويل الأرض

جحيمًا تحت أقدامه.....

ولكنها... بيروت العزيزة الغالية يعز على أولئك الأبطال الذين أن يروا إلى بقيتها تستحيل أكوامًا من الأنقاض تهوى على رؤوس الأطفال والشيوخ والنساء، فلم يسعهم إلا أن يستجيبوا لنداء السلام يطلقه فيليب حبيب، ويتعهد لهم بشرف أميركا أن تحمي أهليهم وأبناءهم وإخوانهم من عدوان الغادرين إذا هم تركوا باختيارهم بيروت.......

و وفى الأبطال الشرفاء بعهدهم، فخرجوا مشيعين بالثناء والإعجاب والدموع، ثم ما لبثت القوات الثلاث التي تولت الحجز بينهم وبين أعدائهم أن تبعتهم على الأثر، زاعمه أن مهمتها قد انتهت عند هذا الحد... وهو زعم سرعان ما افتضح كذبه حين تحركت قوات صهيون لاقتحام العرين الذي خلا من حماته، وما هي إلا ليلة وضحاها حتى أقبلت عصائب الكتائب والخونة تحملها الطائرات الأميركية بحماية صهيون إلى المخيمين الأعزلين لتحيلهما مقابر جماعية لآلاف المسلمين من لبنانيين وفلسطينيين. ولا حاجة للوقوف طويلًا على هذه الوقائع ليحكم العقل بأنها حلقات مُتماسكة في تنظيم، أرید بها من اللحظات الأولى أن يصير إلى غايته

التي شهدها العالم ....

ولكن.. هل حققت المؤامرة كل ما حدده لها المتآمرون من أهداف .....

أغلب الظن أن النفي هو الجواب الصحيح لهذا التساؤل... ذلك أن الغرض الأكبر من المؤامرة هو إبادة المسلمين بعامة، سواء منهم نزلاء المخيمات الفلسطينية أو سكان الجانب الغربي من العاصمة المعذبة.. أو تشريدهم في

داخل لبنان أو خارجه على صورة لا تترك لهم أي أثر أو نفوذ في سياسة البلد...

ومعلوم أن تفريغ بيروت من العنصر الإسلامي كتفريغ المخيمات من الهوية الفلسطينية، هو المطلب الأكبر في التخطيط الصليبي اليهودي الذي كلف لبنان المسكين عشرات الآلاف من الضحايا، في حروبه الأهلية

طوال السنوات السبع؛ فلا بد إذن من افتعال فرصة أخرى لتحقيق ذلك التخطيط.

وها هي ذي الفرصة المنشودة قد أطلت بوادرها في عودة القوات الثلاث المُتعددة الجنسيات. لقد وقف العالم العربي أمام الجريمة التي تخطفت إخوتهم وأخواتهم، فلا يكتفي الغادرون بانتزاع أرواحهم حتى يمزقوا وجوههم و جثثهم بالسكاكين...

فماذا صنع العرب والمسلمون إزاء هذه الأحداث التي تذهل المرضعة عما أرضعت وتزلزل الأرض بمن حملت... أكثر مما صنعه الأبعدون من سكان الشرق والغرب.. صراخًا لا يُخيف ظالمًا واحتجاجًا لا يردع باغيًا، بل لا يزيده إلا إمعانًا في طغيانه، اعتمادًا على تجاربه السابقة في ميدان العدوان على أمة العرب والإسلام.. لا بل أن التظاهرة التي انتظمت أربعمائة ألف من سكان إسرائيل استنكارًا للمذبحة، واحتجاجًا على بقاء المجرمين العالميين بيجن وشارون في الحكم. هذه التظاهرة التي لم تشهد مثلها قط دولة العصابات والتي لا نزال نستمع إلى أخبارها الكبيرة، من خلال الإذاعات الدولية لأروع وأعمق أثرًا من كل ردود الفعل التي أبرزها العرب والمسلمون حتى الآن بإزاء تلك الهجمة الوحشية على أهليهم وأعراضهم وكراماتهم. 

 وإذا كان للتجارب الواقعية من مدلول فالمتوقع أن تنتهي كسوابقها إلى الحمود الذي عهدناه عقيب كل محنة تلم بهؤلاء المظلومين فلا يعودون لليقظة إلا على محنة جديدة تطير الكرى عن أعين الغافلين..... 

ولعل الغرب ما يواجه المسلم كل مسلم في ظلال هذا الجو الرهيب هو تقلص أماني الحكومات العربية حتى لتنحصر في تطبيق قرار التقسيم بإعطاء الفلسطينيين حقهم في وطن قومي بجانب إسرائيل التي جعلها ضعف العرب والمسلمين دولة تفرض وجودها حتى على أميركا، بعد كفاح ثلث قرن في سبيل استعادة الأرض المغصوبة كلها لأهلها.

ولو أن هؤلاء الألف مليون من العرب والمسلمين قد عرفوا كيف يستغلون النقمة العارمة التي تكتسح العالَم كله نحو دولة الشذاذ هذه الأيام لأمكنهم أن يقنعوا السواد الأعظم من دول المنظمة العالية بخطر هذه النبتة الخبيثة على مصالح الإنسانية كلها، ريثما يأتي اليوم الذي تتمكن فيه هذه المنظمة من إلغاء الوجود السياسي لإسرائيل، وإعادة الوضع الشرعي إلى فلسطين السليبة، في ظل حكم شوري يؤمن العدالة والأمن لكل سكانها من مسلمين ونصارى و یهود.

ونعود إلى رؤية الموقف الجديد بعد المذبحة.... هذه القوات المُتعددة الجنسيات تعود كرة أخرى إلى بيروت ويعود معها الأمل بفترة من الأمن لآلاف المروعين من بقايا الفلسطينيين ومسلمي المنطقة الغربية، ولكنها أمل لا يعدو حال الغريق الذي يستهويه منظر القشة في البحر الذي يوشك أن يبتلعه، وإلا فما هو الخير الذي تنتظره من قوة يحدد ناطقها كل مهمتها بأنها استعراضية، لا تدفع شرًا ولا ترد عدوانًا، وإن مجموعته– الأميركية– ستنسحب من حيث أتت بمجرد حدوث أي قتال أليس معنى ذلك أن هذه القوات على أتم الأهبة لتسليم بيروت كلها إلى القتلة عندما يتحركون لتنفيذ بقية مخططهم!! وما الذي يمنع أعداء الله من افتعال أي سبب لاستئناف القتال مرة ومرات ما دام الجو ملائمًا لأهوائهم إلى هذا الحد؟؟

لقد رأينا أثار التوقعات المُرعبة في تظاهرة النسوة المسلمات اللواتي خرجن بأطفالهن غرب بیروت وفي أعقاب المجزرة الهائلة يهتفن «الله

أكبر» فيُعبرن بهذا الهتاف المُثير عن مدى الذعر الذي يملأ قلوب المسلمين، حتى لا يجدون ملجأ من الله إلا إليه... ويا له من نذير يذكر العالَم الإسلامي كله بالمسئولية التي يتحملها بتقاعسه عن نصرة هؤلاء المُروعين قبل فوات الأوان.

ثم ها هو ذا الجيش اللبناني– الذي بات سفينة الخلاص بنظر المساكين– يقوم بمُصادرة بقية الأسلحة من دور مسلمي الغرب على حين لم يمد يدًا إلى أسلحة الآخرين في شرق بيروت وهم المشاركون الأول في مذبحة المخيمين. فهل لذلك من معنى إلا تجريد المسلمين من كل وسائل الدفاع، لكي يموتوا كإخوانهم السابقين دون مقاومة؟

وإذن فلينتظر العالم الإسلامي مذبحة تلو مذبحة ما دام لا يملك من الحس الإسلامي ما يحركه لحماية هؤلاء المساكين... اللهم إلا الكلام الذي أصبحنا به أضحوكة الأنام.

وأخيرًا ... أليس لهذا الليل الفاجع من آخر؟ 

ألم بأن للملايين الألف أن تخشع قلوبهم لذكر الله، ألم يحن لهؤلاء النائمين موعد اليقظة التي تفتح أعينهم على واقعهم الأليم......

ألا يقرؤون تاريخهم ليتذكروا من هم، وما مهمتهم؟ وما مدى مسئوليتهم العالمية؟! لقد جربوا حتى الساعة كل الأفكار و مارسوا مختلف الأطوار، فلم يعودوا بغير الذل و الإخفاق و العار. 

أفلا يجربون مرة واحدة العودة إلى رسالتهم التي أخرج بها الله أوائلهم من الظلمات إلى النور فعَرِفوا طريقهم إلى العزة. فأدركوا واجبهم نحو الخليقة، فكانوا خير أمة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر

وتؤمن بالله.

اختباران قريبان مارسوهما فخرجوا منهما بأعظم العِبر والدروس....

كان أولهما عام ١٩٦٧ يوم زحف جيش مصر تحت رايات «الفنانين» من عصائب الرقص واللغو والموسيقى والغناء، فكانت العاقبة هزيمة مَكَّنَت للعدو من احتلال سيناء وتهديد مصر كلها بأنواع البلاء. ثم جاءت ثانيتهما عام ۱۹۷۳ إذ زحفت الكتائب المؤمنة تحت راية «لا إله الا الله» فكان النصر الذي أذهل العالم.

 ولو ترك الدفقة الإيمان أن تأخذ سبيلها إلى النهاية لتغير تاريخ المنطقة، ولما سقط «بلعام» في فخ «كامب ديفيد».

فلم لا تستأنف أمة القرآن تجربتها تحت راية التوحيد؟ فتستعيد عزتها من جديد، وينتهى الأمر بكل مسلم إلى إحدى الحسنيين إما سعيد وإما شهيد.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل