العنوان أفغانستان وإيران بين اللعبة الإقليمية واللعبة الدولية
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
مشاهدات 78
نشر في العدد 1320
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
كانت باكستان وإيران حريصتين في تعاملها مع أفغانستان على بلوغ أغراض ذاتية واستمالة كل منهما فريقًا من المجاهدين واقترنت الاستمالة بالدعم العسكري وغير العسكري
نزاع أفغانستان وإيران حدث خطير.. لا يحتاج إلى اتهامات تعميمية ولا إلى تحامل لأغراض تزيده خطورة، بل يحتاج إلى نظرة هادئة وإحساس بالمسؤولية، فنتائجه لا تنحصر في البلدين أو في باكستان معهما، بل يمكن أن تشمل المنطقة الإسلامية إجمالًا، ولم يعد سهلًا الحديث من المنطلق الإسلامي عن هذا النزاع الخطير، ولهذا أسباب عديدة، في مقدمتها التأثر الوجداني العميق، وقد صنعت التأثر الوجداني أحداث جسام وتطورات تاريخية مازالت تفعل فعلها في المنطقة الإسلامية، فقد قامت ثورة إيران ضد الشاه الأمريكي، كما جاهد الأفغان ضد الغزو الروسي، وأيدهم المسلمون إلا الشاذين عن الطريق، ثم غلبت الاعتبارات الطائفية في سياسة إيران ردحا من الزمن، فخابت آمال المخلصين، وارتفعت أصوات الشامتين والمحرضين، وعندما بدأ يظهر الاعتدال في المسيرة الإيرانية، استبشر المسلمون خيرًا، وعقدوا أمالًا جديدة بعد قمة طهران للدول الإسلامية، وما نزال ننتظر ظهور الاعتدال أفغانستان ليستبشر المسلمون خيرًا، وليعقدوا الآمال على فتح صفحة جديدة.
لا بد إذن من التأثر الوجداني العميق إزاء التطورات الأخيرة بين البلدين، فقد ارتبط كلاهما في أذهان المسلمين ارتباطًا وثيقًا بمواجهة قوى دولية مهيمنة معتدية مواجهة رفعت رايات إسلامية، بغض النظر عن مواطن الالتقاء ومواطن الافتراق.
لقد كانت الشعوب الإسلامية، وكان الإسلام نفسه ضحية المناورات السياسية، على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وهذا مما يؤكد ضرورة التحول من النظرة السطحية إلى النزاع، وكأنه مجرد نزاع بين طرفين مسلمين للبحث فيما وراءه، وما يحركه على صعيد اللعبة الإقليمية، واللعبة الدولية أيضًا، وقد كانت باكستان وإيران حريصتين في تعاملهما مع أفغانستان، على بلوغ أغراض ذاتية على حساب مصالح إقليمية مشتركة وإسلامية جامعة واستمال كل منهما فريقًا دون آخر من منظمات المجاهدين قبل ظهور حركة طالبان، وبعد ظهورها، واقترنت الاستمالة بالدعم العسكري وغير العسكري، فكانت هذه السياسة من أسباب استمرار الصراع سنوات عديدة، حتى أوشك الآن أن يتحول من اقتتال أفغاني إلى حرب إقليمية أوسع نطاقًا وأشد خطرًا.
لم تكن حكومـــــــات باكستان تنطلق من مقتضيات الإسلام بالذات في سياساتها كما هو معروف، وإن ظهرت بعض المواقف الإسلامية -في عهد ضياء الحق على وجه الخصوص- ولم يكن دعمها لجهاد المجاهدين ضد الغزو الروسي فقط، بل أرادت في الوقت نفسه غلبة فريق على فريق، ويهدف معروف هو ضمان نشأة وضع يرتبط ارتباطًا أوثق بباكستان ومصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، وهذا هدف مشروع.. لو كان الطريق إليه طريق التعاون مع الجميع وعلى أساس تحقيق مصالح الجميع، بما في ذلك الدول الأخرى ذات العلاقة، وقد مارست إيران سياسة مشابهة في اتجاه معاكس، وظهر ذلك بقوة أكبر وكثافة أشد بعد وصول حركة طالبان إلى كابول بدعم باكستاني.
إن عدم مراعاة كل من الدولتين لمصالح الدولة الأخرى، هو ما يمثل سياسة أنانية ضيقة الأفق، أصبحت مصدر الخطر الأول الذي تفاقم، ولا جدوى هنا من الأسلوب التقليدي لتحميل المسؤولية على الطرف الذي بدأ بممارسة سياسة أنانية عقيمة، فهذا ما لا يمكن الجزم به، ثم إنه لا يخفف حجم مسؤولية الطرف الآخر عن ردود أفعاله، ما دامت لا تتسم بالتهدئة ومحاولة التفاهم بدلًا من التصعيد عبر سياسة مضادة، حتى وصل النزاع إلى ذروة خطيرة.
حدود «اللعبة الدولية»:
أطراف النزاع مسؤولون مسؤولية مباشرة عنه وعن النتائج القريبة والبعيدة، ولكن لا ينبغي التمادي في البحث عن الأخطاء الذاتية إلى درجة الانزلاق في التهوين من شأن الأسباب والمؤثرات الخارجية الكامنة في «اللعبة الدولية» فالخصوم والأعداء في الساحة الدولية موجودون، لم يتحولوا إلى حمائم سلام بل يتحركون ويكيدون، ولهم غاياتهم العدوانية العلنية، ولكنهم لا يستطيعون تحقيق سائر ما يريدون بل إما أن يجدوا عوامل مساعدة صنعناها بأيدينا، تسهل تحقيق أغراضهم، أو أن يجدوا في تدخلاتهم المباشرة وغير المباشرة مناعة ذاتية، وحصانة راسخة، ورفضًا ومقاومة، وآنذاك يصبح إخفاق «اللعبة الدولية» مرجحًا، إن لم نقل محتمًا، ومن المؤسف أن ترتفع باستمرار أصوات تنشر اليأس عبر زعم متكرر يؤكد «عجزنا» عن توفير هذه العناصر، ولا يرتفع إلا القليل من المبادرات، الساعية بصورة جادة لتوفير هذه العناصر على أرض الواقع.
لا نقول إن السبب المباشر للنزاع الحالي، وهو قتل ديبلوماسيين إيرانيين كان من صنع طرف ثالث أو نتيجة مؤامرة دولية خفية فذاك من التكهنات التي لا يثبتها ولا ينفيها إلا دليل قاطع عبر تحقيق حيادي موضوعي نزيه، وهو عسير أو متعذر للأسف في الوقت الحاضر، إنما المقصود أن نعود إلى جذور الحدث بدلًا من الوقوف عند النظرة السطحية في تفاصيله.. أن نعود إلى الخلفية التي جعلت نشوب النزاع وتصعيده أمرًا منتظرًا، فكانت حادثة القتل شرارة أخيرة للوصول به إلى ذروة خطيرة، ولو لم تشتعل فربما اشتعلت شرارة سواها. ولخلفية الحدث أبعاد دولية واسعة النطاق، يمكن إيجاز أهمها في نقاط أساسية:
1- نحسب البداية كامنة في إخفاق سياسة «الاحتواء المزدوج» الأمريكية، وإخفاق مساعي فرض «عزلة دولية وإقليمية» حول إيران، وقد ظهرت بوادر الإخفاق منذ فترة، وبدأ البحث عن بديل، بينما انعكست معالم الإخفاق في ميادين عديدة منها عودة إيران تدريجيًا إلى المجموعة الإسلامية، وظهرت نتائج أولية للتجاوب مع إيران وسط آسيا أيضًا.
2- من قبل ظهور حركة طالبان ظهرت معالم تغييرات أساسية في البنية السياسية والاقتصادية في جنوب آسيا، شملت نشأة الدعائم الأولى لمحور يمتد من طهران عبر كابول إلى دوشنبيه، وقد أضعفه نزاع منظمات المجاهدين الأفغان، فنشأت بالتالي ثغرة رئيسة هامة في تعزيز «القابلية» الذاتية للتأثر بما تضعه القوى الدولية وتنفذه من مخططات، عن طريق من تجده مناسبًا لهذا الدور.. وذاك.
3- لم يكن في مصلحة موسكو استقرار الأوضاع في الجنوب الإسلامي الأسيوي.. تحت أي راية، والأسباب معروفة كالخوف من تأثر الدول الإسلامية الحديثة الاستقلال، فتحولت موسكو إلى دعم خصوم «طالبان» رغم أنهم من منظمات المجاهدين التي كان لها النصيب الأكبر في تكبيد موسكو خسائر فادحة انتهت بطرد الروس من أفغانستان هذا علاوة على دعم موسكو للند تجاه باكستان، والتلاقي الجزئي مع إيران بما يوازي ساعي تركيا لتثبيت أقدامها وسط آسيا، وفي ذلك ما يعزز أسباب الصراع الإقليمي، القائم ابتداء بين الدول الإسلامية في المنطقة، وهي مسؤولة عنه عما يوفره من فرص أو ثغرات للقوى المعادية.
4- كذلك لم يكن من مصلحة واشنطن استقرار وضاع المنطقة كسياسة أمريكية ثابتة سيان ما كون عليه توجه تلك الأوضاع، وقد تحركت عبر ثغرة الارتباط الباكستاني بواشنطن، مستفيدة في دعم حركة طالبان من مخاوف باكستان أن تخسر بعض حلفائها من منظمات المجاهدين، فضلًا عن ميل بعضهم الآخر إلى تعاون مصلحي مع إيران.. وحتى مع الهند.
5- الرغبة الأمريكية في الاستفادة من التناقض الذي يوجده بروز طالبان بتوجهها «السني» في جوار إيران وتوجهها «الشيعي».. وما يمكن أن ينشأ عن هذا التناقض من أسباب تصعيد الصدام الطائفي في المنطقة عمومًا.
6- ومع إدراك وجود أبعاد أخرى للتقارب الإيراني- الغربي الأخير، لا يمكن فصله كلية عن أجواء النزاع الحالي بين كابول وطهران، ولا عن احتمالات الاستغلال ذات العلاقة بالغارات الصاروخية الأمريكية على أفغانستان، وجميع ذلك يؤكد أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد مزيدًا من التطورات المرتبطة باللعبة الدولية في المنطقة، والتي يؤمل أن تكون الدول الإسلامية واعية لها فلا تصبح سياساتها الإقليمية أشبه بأدوات تنفيذية فقط.
مسؤولية حل النزاع:
إن «اللعبة الدولية» في المنطقة متعددة الأهداف كالمعتاد، وهذا ما يجعل بعض جوانبها يتناقض ظاهريًا مع جوانب أخرى، إلا أن الحصيلة هي بيت القصيد، ومن أهم عناصرها في الوقت الحاضر:
1- الصراع الإقليـمـي: وهو بوابة الـنفـــوذ الخارجي.. وسيان هنا هل يعتمد النفوذ على نظام حكم استبدادي أو عادل، علماني أو إسلامي، متطرف أو معتدل، متعصب أو منهجي، موال للنفوذ الأجنبي أم معاد له، فالنفوذ يعتمد في نهاية المطاف على التناقض والصراع، وما يصنعه من إحساس وأهم بالحاجة إلى قوة دولية، وقد يصل ذلك إلى درجة الدعم المباشر أو غير المباشر لوجود نظام حكم يعادي القوة الدولية المعنية، ما دام لا يسبب خطرًا حقيقيًا من عدائه، ولكن يساعد على ربط دول أخرى في المنطقة بتلك القوة الدولية.. وما مثال ليبيا وحتى العراق في هذا المجال ببعيد.
٢- الضعف والتخلف: وهما أكبر ثغرتين لتحقيق مطامع اقتصادية أجنبية، وفي النزاع موضوع البحث، يظهر مفعولهما الخطير مستقبليًا، عند التأمل مثلًا في نوعية ما يعقد من اتفاقات على صعيد أنابيب النفط واستغلال الثروات الأرضية في أفغانستان.. وبما يحقق مكاسب الشركات الأجنبية ولا يكاد يحقق مكاسب تستحق الذكر للشعب الأفغاني نفسه.
3- التنافس الدولي: ومن أمثلته -في حدود ما سبق ذكره- ما تراه واشنطن مفيدًا لها عبر شغل موسكو بالمنطقة بما يساعد على قبولها بالسياسات الغربية في ميادين أخرى كالتوسع الأطلسي شرقًا.
4- التنافس الإقليمي: ومن أمثلته ما تراه موسكو من فوائد في تعزيز الصراع بين باكستان وإيران لإضعاف دورهما ودور تركيا معهما في وسط آسيا.
إن الأزمة الأفغانية -وهي مصور النزاع الإقليمي المنبثق عنها- تتطلب حلا يضمن الاستقرار، ويحقق التعاون بين دول المنطقة، ويخدم المصالح الذاتية والمصلحة الإسلامية المشتركة... ولن يوجد مثل هذا الحل عن طريق قوى دولية، ساهمت ابتدًاء في إيجاد النزاع، وفي تصعيده وترى مصلحتها على المدى القريب والبعيد في استمراره، وغالبًا ما يستمر ذلك إلا أن يبلغ السخط الشعبي مستوى قد يوجد أوضاعًا جديدة فآنذاك لا مانع من دعم وضع مستقرة لفترة من الزمن آنذاك، شريطة أن يكون مقبولًا دوليًا، بمعنى تحقيقه للمصالح الأجنبية ولو على حساب المصالح الذاتية.
إنما تتطلب الأزمة الأفغانية وما ينبثق عنها من نزعات، حلًا إسلاميًا، تتضافر الجهود عليه لضبط مجرى الأحداث عبر خطوات عاجلة، ولنزع فتيل المواجهة المستقبلية عن طريق آلية منهجية لجمع المصالح المتنافرة حاليًا على أرض مشتركة تصنعها المبادرات الأبعد مدى من الوساطات المؤقتة، وقد يضمن نجاح المبادرة تقديم ما يجعل الأطراف المعنية حريصة على نجاحها، ومن ذلك مثلًا:
1- حركة طالبان تنتظر الاعتراف بها من جهة، وقد يمكن التأثير على ما هو موضع النقد من سياساتها من جهة أخرى بالاستعانة بجمع من علماء المسلمين ذوي المكانة المعتبرة والمعروفين باستقلاليتهم وإخلاصهم.
2- منظمات المجاهدين تنتظر الضمانات لمستقبلها من جهة، وقد يمكن التأثير بأسلوب مماثل على سياسات النزاع على الزعامة والسلطة من جهة أخرى بعد أن أثبتت عشرة أعوام من الاقتتال استحالة تحقيق أهداف أي منها دون مراعاة الآخرين.
3- وليس مجهولًا أن بين باكستان وإيران، ومعهما أفغانستان من مواطن الالتقاء على مصالح مشتركة ما يمكن الاعتماد عليه لتسوية الخلافات في ميادين فرعية عديدة يصنعها التعصب في غالب الأحوال.
إن النزاع الأفغاني بشقيه الداخلي والإقليمي، ثغرة كبرى تسمح للعبة الدولية بالتحرك وتوجيه ضربات موجعة للمنطقة، ولكنه في الوقت نفسه فرصة كبرى يمكن أن تستفيد منها المنطقة لاستعادة زمام المبادرة في صناعة الحدث، وصياغة القرار، لاسيما في القضايا الجارية على أرضها، والمشكلات التي تخصها أكثر مما تخص أي طرف دولي، ومن شأن التحرك على هذا الصعيد، أن يعزز مكانة المجموعة الإسلامية على خارطة العالم المستقبلية.