; القرآن فرض علينا مواجهة عقود الإذعان | مجلة المجتمع

العنوان القرآن فرض علينا مواجهة عقود الإذعان

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000

مشاهدات 70

نشر في العدد 1386

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 01-فبراير-2000

محاسن الشريعة في كتاب التشريع الجنائي «الحلقة الأخيرة»

«عقود الإذعان» اصطلاح عصري يشير إلى العقود المطبوعة التي تعدها الإدارات الحكومية والشركات الاحتكارية والطوائف الرأسمالية البرجوازية لتفرض على المتعاملين معها شروطها دون إعطائهم أي فرصة للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، ومثال ذلك العقود التي تفرضها شركات المياه والكهرباء والسكك الحديدية والخطوط الجوية وملاك العمارات، وأمثالهم من الطوائف الرأسمالية، ويجد المتعاملون معها من المستهلكين أو العمال أو المسافرين أنفسهم ملزمين بتوقيعها دون أي مناقشة بل ودون أن يقرؤوها لأنهم هم الطرف الضعيف في هذا العقد المفروض الذي أعده الطرف الأقوى.

وقد نبّه القرآن في آية الدين إلى واجب المجتمع في مواجهة تلك العقود، وهو تمكين الطرف الضعيف من إملاء شروطه حتى لا يستقل الطرف الأقوى بتحرير العقد وفرض شروطه.

وفي  ذلك يقول فقيهنا الشهيد عبد القادر عودة ما يلي: جاءت الشريعة الإسلامية بمبدأ عام أوجبته في كتابة العقود هو أن يملي العقد الشخص الذي عليه الحق، أو بمعنى آخر أضعف الطرفين، والمقصود من هذا المبدأ العام هو حماية الضعيف من القوي، فكثيرًا ما يستغل القوي مركزه فيشترط على الضعيف شروطًا قاسية، فإن كان دائنًا مثلًا قسا على المدين، وإن كان صاحب عمل سلب العامل كل حق واحتفظ لنفسه بكل حق ولا يستطيع المدين أو العامل أن يشترطا لنفسيهما أو يحتفظا بحقوقهما لضعفهما، فجاءت الشريعة وجعلت إملاء العقد للطرف الضعيف لتحفظ به حقوقه، ولتحميه من التورط ولتكون شروط العقد معلومة له حق العلم، وليقدر ما التزم به حق قدره.

وهذه الحالة التي عالجتها الشريعة من يوم نزولها هي من أهم المشكلات القانونية في عصرنا الحاضر، وقد برزت في أوروبا في القرن الماضي على أثر نمو النهضة الصناعية وتعدد الشركات وكثرة العمال وأرباب الأعمال، وكان أظهر صور المشكلة أن يستغل رب العمل حاجة العامل إلى العمل أو حاجة الجمهور إلى منتجاته فيفرض على العامل أو على المستهلك شروطًا قاسية يتقبلها العامل أو المستهلك وهو صاغر؛ إذ يقدم عقد العمل أو عقد الاستهلاك مكتوبًا مطبوعًا فيوقعه تحت تأثير حاجته للعمل أو حاجته للسلعة، بينما العقد يعطي لصاحب العمل كل الحقوق ويرتب على العامل أو المستهلك كل التبعات.

ذلك هو العقد الذي نسميه اليوم في اصطلاحنا القانوني «عقد الإذعان» وقد حاولت القوانين الوضعية أن تحل هذا المشكل، فاستطاعت أن تحله بين المنتج والمستهلك بفرض شروط تحمي المستهلك من المنتج، وبتعيين سعر السلعة، ولكنها لم تستطع أن تحل إلا بعض النواحي المشكلة بين أصحاب العمل والعمال، مثل إصابات العمال والتعويضات التي يستحقها العامل إذا أصيب أو طرد من عمله، لأن التدخل بين صاحب العمل والعامل في كل شروط العمل، مما قد يضر بسير العمل والإنتاج، وبقيت من المشكلة نواحٍ مهمة كأجر العامل وساعات العمل ومدة الإجازات وغيرها، يحاول العمال من ناحيتهم حلها بتأليف النقابات والاتحادات وتنظيم الإضرابات، ويرى العمال أن حل مشكلاتهم لن يأتي إلا إذا كان لهم حق إملاء شروط عقد العمل، ويظاهرهم على ذلك بعض المفكرين والكتاب، فهذا الحق الذي يطالب به العمال في كل أنحاء العالم والذي أضرب العمال من أجله وهددوا السلم والنظام في دول كثيرة في سبيل تحقيقه، هذا الحق الذي حقق القانون الوضعي بعضه ولم يحقق البعض الآخر والذي يأمل العمال أن يتحقق كله إن قريبًا أو بعيدًا، هذا الحق قررته الشريعة الإسلامية كاملًا للضعفاء على الأقوياء والملتزمين على الملتزم لهم، وجاء به القرآن في آية الدين: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (البقرة: ۲۸۲).

تميزت شريعتنا بأنها تعطي الفقهاء المجتهدين دورًا تشريعيًّا لا تمنحه القوانين الوضعية لشراحها ويظهر ذلك بوضوح في نقاط التعازير في التشريع الجنائي؛ إذ إنه لكي يتولى الاجتهاد والإجماع لتحديد الأفعال التي تستحق عقوبة تعزيرية فإنه لا بد أن يعرف المعاصي الدينية، وهذه المعاصي تستنبط من الأحكام التكليفية والمبادئ العامة في التشريع التي نعتبرها أصولًا تشريعية.

لقد استعمل فقيهنا الشهيد عبد القادر عودة اصطلاحًا معروفًا في فقه القوانين الوضعية للدلالة على ما يسميه فقهاؤنا بالأصول، وقد اعتبر فقهاؤنا الفقه علم الفروع، وكلمة الفروع تعني أنها مستمدة من الأصول، وأول أصول الفقه في مصادره والمبادئ والأحكام التي تحكم عملية استنباط الأحكام الفرعية من مصادرها الشرعية.

إن وجهة نظرنا أن استنباط أحكام الفروع يمر من خلال أصول التشريع التي وصفها فقيهنا بأنها نظریات.

لذلك قلنا إن فقيهنا فتح لنا بذلك باب مرحلة جديدة في الفقه سميناها مرحلة «التنظير» لأن التنظير هو استنباط المبادئ الأساسية التي تعتبر أصولًا تشريعية، والتي يمكن بواسطتها توسيع نطاق الفقه ليشمل التقنينات الشرعية التي أصبحت ضرورية لجمع أحكام التعازير وتقديمها في صورة تقنينات يسميها البعض قوانين مستمدة من الشريعة وإن كنا نعترض على هذه التسمية كما بينا من قبل.

إننا يجب أن نفخر بأن شريعتنا لا تعطي للدولة ولا لرؤسائها ولا ما تسميه سلطتها التشريعية أي دور في وضع أحكام التعازير، بل إن ذلك من اختصاص الفقهاء المجتهدين، وأسلافنا تركوا هذه المهمة للقضاة لأنهم كانوا مجتهدين، وما دام قضاتنا الآن وفي المستقبل قد أصبحوا مقلدين غير مجتهدين فإن مهمة استنباط أحكام التعازير يتولاها من نسميهم «أهل الاجتهاد» وعليهم أن يقدموها للقضاة المقلدين والعامة في صورة تقنينات شرعية يستنبطونها من الأصول الشرعية أي مبادئ الشريعة التي نسميها أصولًا ويسميها فقهينا نظريات.

إننا الآن ندخل عصر التقنينات ولا بد أن يكون ذلك بواسطة التنظير، أي أن عصر التقنين هو عصر التنظير كذلك، واعتبرنا ذلك أهم خصائص المرحلة العصرية في الفقه أو التشريع الجنائي الذي تمتاز به شريعتنا بأنه فقه وعلم، وليس مجرد أحكام سلطانية يسمونها قوانين وضعية.

إننا في بداية توسع جديد في فقهنا المعاصر، عن طريقين: أولهما: التقنين وهو ظاهرة العصر في القوانين الوضعية، ويرى كثيرون أن أحكام التعازير لا بد أن تقدم للباحثين والقضاة وجمهور الناس في صورة تقنينات عصرية.

وإذا كان فقيهنا قد اكتفى بالقول إنه «لا مانع» من تقنين أحكام الفقه الجنائي الإسلامي، فإن الجهد الذي بذله في كتابه لعرض أحكام فقهنا مبوبًا على النمط الذي سارت عليه القوانين الوضعية، واستخدم في كتابته مصطلحات تلك القوانين وأساليبها، كان عاملًا مهمًّا في تسهيل مهمة اللجان التي بدأت مشروعات التقنين في كثير من أقطارنا، والذي نرى أنه أصبح واجبًا على فقهاء عصرنا وعلماء المستقبل.

والطريق الثاني: هو التأصيل الذي يربط نصوص التقنين الشرعي بمقاصد شريعتنا ومبادئها العامة التي هي أساس النظريات التشريعية التي ذكر فقيهنا عددًا منها على سبيل المثال لا الحصر، ونرى أن من واجب فقهنا التوسع فيها في الحاضر والمستقبل حتى تربط أحكام التقنينات الشرعية بالمصادر الشرعية ولا نحتاج لاستيراد نصوص من الخارج، ولا تتحول التقنينات الشرعية إلى قوانين وضعية تمكن البعض من تجاهل خصائص شريعتنا التي حرصنا على التوسع في دراستها في تعليقاتنا على كتابالتشريع الجنائي للشهيد عبد القادر عودة.

الرابط المختصر :