العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1792
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 08-مارس-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1792
نشر في الصفحة 50
السبت 08-مارس-2008
صلوات الله ورحمته..
سمية رمضان أحمد[1]
صباح عيد النحر في مكة مختلف عن أي صباح للأضحى في أي بقعة من العالم، فقد كان يستعد حجاج الحملة لرمي الجمرات ومن بينهم زوجة تتساند على زوجها، وعند الصعود للحافلة وكلت زوجها ليرمي عنها حيث إن قدميها بالكاد تحملانها، وذهب الزوج بدونها وكانت هي في حجرتها تتلو القرآن مع بعض الموكلات الأخريات.
وفي أثناء ذلك كان زوجها في لقاء مع ملك الموت، فقد نفدت شحنة بطارية قلبه، التي وقتها الله سبحانه قبل ولادته على هذا التوقيت، وحاول من حوله أن ينفعوه، ولكن هيهات ثم هيهات ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ () وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ (الواقعة: 83 - 84).
ورجع من ذهب للرمي بدونه، فأرادوا لها التمهيد للفاجعة التي لابد ستتلقاها، حيث تطوع أحدهم بالقول: لقد أصيب بوعكة صحية فنقلناه إلى المستشفى، فكان ردها عجيبًا، حيث قالت: أريد الوضوء، وتقول بعد ذلك: لقد أردت حصنًا حصينًا لأتحصن به.. وبعد عدة ساعات مرت عليها كالدهر، جاء طبيب الحملة معزيًا إياها، فكان ردها غريبًا حيث قالت: «الحمد لله يستاهلها زوجي»، لقد فاز بفضل الله، سمعت ابنة أخيه خبر الوفاة وبدأت «تولول»، أما الزوجة فقالت لها: «إن ميتته تستحق الشكر وليس الولولة».
مرتبة الشرف: وكان عليها أن تخبر الأهل، فبدأت بأهل زوجها، وانطلق صوتها عبر الأثير: إن زوجي قد فاز بجدارة، ابنكم فاز مع مرتبة الشرف وأخذ نهاية خدمته ميتة طاهرة مطهرة في أرض طاهرة مطهرة. كانت ترتسم على قسمات وجهها السكينة والطمأنينة والهدوء، هدوء النفس المرسومة معالمه. رجعت إلى بلدها وبدأت المعزيات في التوافد عليها وهي رابطة الجأش لا تتوقف عن حمد الله وشكره، وتتعجب من نفسها بعد زوال الصدمة الأولى، وكيف استطاعت أن تصمد هذا الصمود، ثم ها هي الطمأنينة تكسوها برحمة الله، فيغشاها الصبر ويحيط بها.
أمر طبيعي
وانتهزت فرصة وجود إحدى الداعيات، حيث أسرت لها: هل ما أنا فيه أمر طبيعي؟ وقد كان زوجي حب نفسي، وقرة عيني، ولا أتصور أن امرأة أحبت رجلًا كما أحببته، نظرت إليها الداعية بحب قائلة: هكذا نحن البشر، لا نستطيع أن نستوعب رحمة الله عندما تتولانا، فها هو زكريا - عليه السلام - وهو نبي ويدعو الله سبحانه بالولد الصالح، وعندما استجاب له سبحانه تعجب وهو يردد: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مريم: 8).
ولكن عطاء الله هين عليه سبحانه، مهما كان استبعاد العبد لحدوثه.
وها هو إبراهيم يتعجب من قول الملائكة: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ () قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (الحجر: 53 - 54).
ولماذا دعاؤك يا إبراهيم؟ فقد استجاب الرحمن الرحيم.
وأنتِ وكل مبتلى وعده الرحمن، إن استرجع واستعان بالله كما فعلت، فسينالون من الله الصلوات والرحمة، هل تستوعبين هذا الوعد العظيم وهذه الصلوات والرحمات عندما تكون من إله يملك القلوب وأصحابها؟ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ () أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 156 - 157).
ونحسبك منهم فقد هداك إلى القول الطيب، وإلى حمد الله، وإلى الثبات.
تفويض كامل لله
قالت بيقين: ولكن استشعار معية الله لم يطرأ عليَّ فجأة عند نزول البلاء، ولكنه بحق وصدق معي في كل لحظات عمري أشعر به وأتوكل عليه، وأحبه سبحانه بكل وجداني.
ابتسمت الداعية: ولذلك لم يتخل عنك حتى إنك تتساءلين: هل ما أنا فيه من تفويض كامل لله ومن سكينة، هل هذا أمر طبيعي؟ ولعل زوجك من الصالحين، فتكفل الله بأهله.
نظرت الزوجة المكلومة إلى المغريات قائلة: منذ تزوجته لم يوقظني أحد لصلاة الفجر سواه، منحني الاحترام أمام الأولاد فأعانهم على بري، كان لا يحب أن يراني في ضيق أو يعلو على وجهي الحزن، فكان يخفف عني، كان يشعرني دومًا أنني بين أيدٍ أمينة علي فيزيل الله عني القلق والخوف، لم يكن يقول كلمات الحب باللسان، ولكن كانت تنطق بها أفعاله فتصل إلى قلبي.
جوانب إيجابية
قاطعتها إحدى المعزيات بقولها: ولكن كان معلومًا عنه عصبيته الزائدة، فبادرتها الزوجة المبتلاة: إن محاسنه فاقت ذلك بكثير، نعم كان الكثيرون يتعجبون من تحملي له، ولكني أبدًا لم أشعره بذلك لأني كنت أتغاضى عن هذا الأمر، فجوانبه الإيجابية حجبت عن عيني وسمعي كل ما يتسبب في ضيقي، لقد أردت أن أسعد مع هذا الرجل بصدق، فأسعدني الله بعمق، كنت كمن يبحث عن نقطة بيضاء في بحر متلاطم الأمواج من السواد، وعندما عثرت عليها رسمت بها لوحة حياتي فأصبحت ناصعة البياض، كنت أسلط الضوء على كل ما يمكن أن يسبب لي السعادة وأتغافل عن كل ما يتسبب في تعاستي، فأجد السعادة شابة فتية، والتعاسة عجوزًا قد واراها التراب.
كلمات ندية نزلت على الأنفس فأثلجتها.
ذهبنا لعزائها فكانت كلماتها بردًا وسلامًا على القلوب، وبالفعل كم من البيوت تسعد إن أراد قاطنوها السعادة! وكم من البيوت تتعس إن أراد ساكنوها لأنفسهم الشقاء والتعاسة! إن كل زوجين قد جعل الله بينهما المودة والرحمة، فهناك من يستفيد من عطاء الله، وهناك من يقتل المودة مع الرحمة، وهل تطاق الحياة بدونهما؟!
مات صلاح ساجدًا
د. نعمان عبد الرزاق السامرائي
ذهب د. صلاح الدين قوام الدين السامرائي إلى دمشق «مغتربًا»، مثله مثل المليون ونصف المليون عراقي، الذين يدعون الله أن يفرج كربهم ويسهل أمرهم ليعودوا إلى العراق في أقرب وقت.
يوم الجمعة 1/2/1429هـ ذهب إلى المسجد لأداء الصلاة.. سجد فكانت آخر سجدة له؛ إذ فارق الحياة، وأحسب أنها «ميتة» يتمناها كثيرون - وأنا منهم - وقبل ثلاثة أيام خطر على نفسي خاطر دافعته، فلم يندفع مؤداه: أن د. صلاح سيموت هذه الأيام، وأخبرت بهذا الهاجس أم أولادي، وبعد غروب شمس «الجمعة» ذكرتني ما قلت وزادت: لقد مات د. صلاح وهو ساجد!!
جلست أسترجع وأستذكر ما أعرف وأول ما تذكرت أني حين أنهيت الدراسة «المتوسطة» وغادرت سامراء، جاء د. صلاح مدرسًا في المتوسطة، يدرس الرياضيات، ومن يدرس الرياضيات - ومثلها النحو - فسيكون الثمن الأول «عطلًا» يضرب القلب، يسد الشرايين أو يصلبها أو يصيب عضلة القلب بأكثر من «عطب»؛ لأن الطلبة بينهم عداء مستحكم وبين هاتين المادتين.. وهكذا كان!
كان - يرحمه الله - مثالًا للاستقامة وشعلة ذكاء، وسرعان ما حصل على ابتعاث لبريطانيا وأمريكا، وحصل على الماجستير في الفيزياء ثم تخصص في الهندسة الكهربائية ليحصل على درجة الماجستير الثانية والدكتوراه، وعاد ليعمل أستاذًا في كلية الهندسة متميزًا بعلمه الوافر، وقد استطاع ومن خلال عمله بالأنواء الجوية اكتشاف طبقة أيض وهي جزء من طبقة «الإينوسفير» لها تأثير على الاتصالات، حيث هو مكتشفها وواضع الفرضية لعمل هذه الطبقة، ولم تفند، ولم يكتشف أي خطأ بها لمدة عشرين عامًا وأكثر؛ لتصل إلى مرتبة قانون سجل باسمه يدرس في بريطانيا.
وفي نفس السنة دعي هو والدكتور عبد العزيز الدوري من قبل المغفور له بإذن الله الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود لتطوير جامعة الرياض «جامعة الملك سعود»، وبعدها انتقل للعمل في كلية الهندسة بالرياض، وبعد بضع سنوات تم تكليفه من الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود - يرحمه الله - ليعمل مستشارًا في الأمانة العامة للمجلس الأعلى للجامعات، وبعد ذلك تحول للعمل في شركة «الراجحي» مديرًا للشعبة الهندسية، وبعدها مستشارًا للاستثمار.
وذات يوم سمعته يتكلم بألم: بأن الشركة جاءت بشخص «يهودي» لا علم ولا معرفة له؛ لتجعله مسؤولًا عن الاقتصاد الإسلامي، واكتشف د. صلاح أن الرجل «يشتري» المعلومة منهم، ثم يعود ليبيعها عليهم.
آلمني ذلك وكتبت في إحدى المجلات ذلك كله، وقام موظفو الشركة بتصوير ما كتبته وتناقلوه، وقد كتبت اسمي ولقب «السامرائي»، فقام الرجل بعتاب للدكتور صلاح، وخسر الرجل الأمريكي الوظيفة والراتب الكبير، وشعرت بإحراج كبير وتمنيت لو كتبت اسمي وحذفت اللقب، لكني شعرت أن «أبا محمد» تحمل العتب بروح عالية.
وكان - رحمه الله - يحمل هم بلده عندما كان في الرياض، وكان يحرص على تجميع الجالية العراقية على مختلف أطيافها، وفعلًا استطاع وبجهد كبير، باذلًا ماله ووقته لمثل ذلك التجمع لتكون ديوانية لكل الجالية يوم الخميس من كل أسبوع يحضرها معظم الإخوة كبارًا وصغارًا، فكانت ديوانية علم وأدب وتاريخ وسياسة في مجملها عن العراق:
سلام عليك أبا محمد، فقد عشت غريبًا، ومت غريبًا.
سلام عليك من مغترب مثلك ناهز اغترابه دهرًا.
دعوات حارة صادقة أن يبعثك الله ساجدًا كما ودعت الدنيا ساجدًا.
[1] أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية
الانحدار القيمي في المجتمع الإسلامي «2 من 2»
مظاهره – علاجه
سید شعیب
ضاعت قيمة الوحدة والأخوة والجهاد التي تعد من دعائم الدولة الإسلامية
ضرورة تعاون كافة طوائف المجتمع لإحداث نهضة نفسية وروحية وأخلاقية وعقلية
على الحكام إتاحة جو من الحرية للممارسات المثمرة والإبداعات الإنسانية البناءة
تناولنا في العدد الماضي مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية التي أدت إلى إحداث انحدار أو انحطاط في منظومة القيم الإسلامية التي جاء بها الوحي وتميز بها الإسلام عن غيره من الأديان والقوانين الوضعية، وذكرنا أن الصراع بين الشرق والغرب وسقوط الخلافة الإسلامية والتقليد المذهبي وغياب الاجتهاد والتخلف العلمي والاستبداد السياسي من أهم أسباب الانحدار القيمي في المجتمع الإسلامي، واليوم نتحدث عن مظاهر الانحدار وكيفية علاجه.
مظاهر الانحدار القيمي: لا نبالغ إذا قلنا إن مظاهر الانحطاط القيمي قد امتدت إلى كل ناصية من نواصي المجتمع الإسلامي، وعبثت بكل فضيلة إسلامية في كافة الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية والاقتصادية الأسرية... إلخ.
وإليك توضيح ذلك:
أولا: في مجال السياسة: ضاعت القيم السياسية الفاضلة التي أرسى دعائمها الإسلام، مثل قيمة العدل التي استبدلت بالظلم والجور والعسف، فلا تكاد تجد حاكمًا مسلمًا إلا وتراه جبارًا قويًا لا يرى إلا نفسه، ولا يعمل إلا لتوطيد دعائم عرشه بكل سبيل.
كما ضاعت بالتالي قيمة الشورى التي وصف الله بها المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، كما أمر الله بها النبي ﷺ أن تكون ديدنه مع صحابته في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)، وتحولت إلى ديكتاتوريات وأنظمة بوليسية تحكم بالحديد والنار وتسوم شعوبها سوء العذاب.
كما ضاعت قيمة الوحدة والأخوة الإسلامية التي تعد من دعائم الدولة الإسلامية، فانحطت هذه القيمة إلى أسفل سافلين، حيث أصبح العالم الإسلامي الكبير عوالم كثيرة والوطن الواحد أوطانًا ودويلات متصارعة متقاتلة، حتى على مستوى القطر الواحد انقسم الشعب الواحد إلى طوائف عددًا وطرائق بددًا وقل ذلك في الأسرة المسلمة.. وهكذا.
كذلك ضاعت قيمة الجهاد في سبيل الله وحب الاستشهاد وتحرير الأوطان، وانتشرت السلبية واللامبالاة والخنوع، اللهم إلا من بعض الطوائف التي لم تزل ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان ولبنان.. حتى ضرب الله تعالى الذل على الأمة مصداقًا للحديث الشريف «ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب» (أخرجه الطبراني في الأوسط 9/34 والألباني في السلسلة الصحيحة 6/ 352).
وفي المجال الاجتماعي: حدث ولا حرج عن ضياع القدوة الإسلامية المتمثلة في الاقتداء والاحتذاء بالرسول الكريم ﷺ والصحابة والتابعين وأعلام الإسلام ورجاله الكرام.
لقد انساق المسلمون عامة والشباب خاصة إلا من رحم الله إلى تقليد الغربيين في أفكارهم وطرائق معيشتهم وأسلوب حياتهم حتى غدا مشاهير الكرة والفن والغناء والمال هم نجوم المجتمع ومهوى القلوب: أما الدعاة والصالحون والعلماء والمفكرون فلا وزن لهم ولا اقتداء بهم.
كذلك غدا التدين دروشة ورجعية؛ بينما يعد المروق من الدين والخروج على الثوابت الإسلامية تحررًا ومعاصرة، وغدا الانسلاخ عن الإسلام تفتحًا وحرية.
كما صارت قيمة الاحتشام والتحجب بالنسبة للمرأة المسلمة دليلًا على التخلف والرجعية، بينما السفور والتبرج والبروز والاختلاط هو قمة التحرر والتحضر.
وصارت قيمة الأمومة بالنسبة للمرأة أمرًا ثانويًا، المهم أن تشعر المرأة بكيانها ومساواة الرجل في مزاولة الأعمال والخروج من المنزل.
أما منظومة الأخلاق والآداب الإسلامية فقد تحررت في أشكال مختلفة واستبدلت بألفاظ أخرى مثل الإنسانية أو «الإتيكيت» وغيره، كما تقلصت قيمة الإيجابية والرغبة في الإصلاح والتغيير، وأصبحت السلبية واللامبالاة سمت المجتمع الإسلامي المعاصر؛ فلا علاقة للناس بما يحدث حولهم من انتهاك صريح لحرمات الله أو الإضرار بمصالح الآخرين أو سفك دمائهم... إلخ.
وفي المجال الاقتصادي: غابت قيمة التكافل بين المسلمين وانتشرت الطبقية الصارخة بين فئات الناس وغدا البون شاسعًا بين الغني والفقير فلا يشعر الأغنياء بالفقراء إخوانهم وبالتالي ينقم هؤلاء على الأغنياء، ويودون أن تزول ثرواتهم.
حتى قيمة الكسب الحلال فلم يأبه به إلا الأقلون أما التيار الغالب من الناس فانكب على الدنيا ليكسب منها أو يكنز منها ما شاء من حلال كان أو حرام، كذا انتشر التعامل بالربا في المعاملات المصرفية ومعاملات البيع والشراء.
أما في المجال الفكري والثقافي: فقد انحطت قيم فكرية كثيرة بين الناس وأصبح الاعتزاز بالفكر الإسلامي جريمة أو شذوذًا، أما الانتساب والتبعية للفكر الغربي والثقافة الأوروبية هو موضع التميز والافتخار، كذلك تصدرت اللغات الأجنبية المحافل والمجامع والندوات وقل الاعتزاز باللغة العربية والهوية الإسلامية.
طرق العلاج: عرضنا فيما سبق للأسباب الرئيسة وراء انحدار القيم في المجتمع الإسلامي وبينا أهم مظاهر ذلك في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد والفكر، ومنه يبدو خطورة ما وصل إليه المجتمع الإسلامي من انحطاط وتحلل عام وشامل في مظاهر الحياة كافة.
لذلك نقول: إن الطريق إلى الخروج من هذا الوضع لا شك محفوف بالأخطار والصعوبات الجمة، كيف لا؟ وقد قال الشاعر بشار بن برد:
متى يصل يبلغ يوما تمامه *** إذا كنت تبني وغيرك يهدم
فنحن بإزاء بناء نهضة جديدة، ليست عمرانية أو مدنية ولكنها نهضة نفسية ووروحية وأخلاقية وعقلية، لذلك فهي تحتاج إلى نفس طويل وصبر ومثابرة وتخطيط دقيق وتشخيص سليم واستعانة بالله تعالى وإرادة قويمة وعزيمة ماضية.. وفوق كل ذلك تعاون مشترك من كافة الطوائف والفئات في المجتمع الإسلامي.
فهناك دور للدعاة يتمثل في التوعية الصحيحة بأهمية وخطورة المشكلة وضرورة الاستمساك بالقيم الإسلامية والاعتزاز بالإسلام والتحصن به في مواجهة الغزو الفكري.
وهناك دور للإسلاميين والحركات الإسلامية يتمثل في نبذ الخلافات والتعصب في الآراء والأفكار وطرح الانتماءات جانبًا والعمل معًا على النهوض بالمجتمع المسلم وتقديم القدوة العملية الصالحة في كافة المجالات.
كذلك هناك دور مهم للحكام المسلمين يتمثل في الآتي:
تحري أوامر الشريعة وتطبيق مبادئ الإسلام في كافة القوانين والنظم.
الاستجابة لمطالب الشعوب والإصلاح الجاد للشؤون الداخلية في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والتعليم.
إتاحة جو من الحرية والديمقراطية للممارسات المثمرة والإبداعات الإنسانية البناءة.
كذلك ينبغي على الأحزاب المعارضة والأقليات والتيارات العلمانية والاشتراكية وغيرها أن توحد جهودها وتنبذ التعصب والأهواء والمطامع الشخصية وتتقدم باسم الإنسانية أو العروبة أو الوطنية للاشتراك في إحداث نهضة حقيقية وإحياء القيم الإنسانية المتفق عليها بين الشعوب كافة، مثل قيم العدل والرحمة والحكمة والعفة والتسامح والعلم بين أفراد المجتمع.
كذلك يجب على الشعوب الإسلامية المساهمة الفعالة في إحداث التغيير والنهوض ونبذ السلبية واللامبالاة والسعي على التزود بالعلم واكتساب المهارات ومحاربة الأمية والجهل والفقر والحرمان والتحلي بالإرادة والعزيمة.
فلذلك ينبغي أن تتضافر جهود الشعوب الإسلامية جميعًا بكل شرائحها وطوائفها وألوانها وفئاتها وأجناسها حتى يمكن أن تحدث نهضة حقيقية للمجتمع الإسلامي وتعود القيم الإسلامية لترفرف على الناس من جديد ويسود السلام على ربوع الأرض لأن المجتمع المسلم ليس ملكًا لأحد بعينه أو لطائفة وحدها؛ وإنما هو ملك ووطن للجميع.