; نحو جامعة إسلامية للعلوم الإنسانية والاجتماعية | مجلة المجتمع

العنوان نحو جامعة إسلامية للعلوم الإنسانية والاجتماعية

الكاتب يوسف محمد علي السعيد

تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1550

نشر في الصفحة 46

السبت 10-مايو-2003

  •  المسألة لا تنحصر في حرمة الربا فقط وإنما نحن مطالبون برفض النظام الرأسمالي برمته وتعميم النظم المالية التي تتوافق مع شريعتنا الغراء

 أثار مجمع البحوث الإسلامية في مصر برئاسة الشيخ محمد سيد طنطاوي بفتواه الأخيرة، التي تجيز فوائد البنوك الربوية، جميع الأوساط الإسلامية، وقد ظهر ذلك جليًا من خلال الردود والمداخلات التي وردت في المجلات والصحف ومواقع الشبكة العنكبوتية، في هذه الحلقة ستكون لنا وقفة إيجابية مع ما عرضه د. علي محيي الدين القرة داغي في مجلة المجتمع في عددها ١٥٣٢ - ٢٤ شوال ١٤٢٣هـ، حول هذا الموضوع، فقد لمحت من خلال تعرضه للموضوع، تطرقه للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ونشأتها وكذلك إشارته -حفظه الله- للنوافذ الإسلامية في بعض البنوك التقليدية العربية والغربية، كما تعرض لقرار مجمع رابطة العالم الإسلامي بشأن موضوع تفشي المصارف الربوية وتعامل الناس معها وحكم أخذ الفوائد الربوية، وكذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن حكم التعامل المصرفي بالفوائد وحكم التعامل مع المصارف الإسلامية.

       والقارئ الفطن يشعر بأن المسألة ليست حرمة الربا فقط، بل إننا مطالبون برفض النظام الرأسمالي برمته، والعمل على تعميم النظم المالية التي تتوافق مع شريعتنا الغراء، وقد لا يخفى على الجميع ما قام به مفكرو الغرب المتابعون لتاريخ الرأسمالية من دق ناقوس الخطر حول هذا النظام، ومعطياته وطرحهم لسؤال ما البديل؟ كما هي الحال في الاتحاد السوفييتي السابق، عندما اصطدم أصحاب القرار هناك بعرقلة النمو الاقتصادي وتزايدت التوقفات في عمل الاقتصاد، وأخذت الصعوبات تتكدس وتتفاقم الواحدة بعد الأخرى، والقضايا والمشكلات غير المحلولة تتضاعف في ذلك المجتمع.

       وعندها طرحوا ما يسمى بـ «البيروسترويكا» التفكير الجديد لأجل بلادنا وللعالم بأسره. م جورباتشوف، ۱۹۸۸م، حيث ذكر في هذا الكتاب ص ۱۰۵ - ۱۰٦ ما نصه يجب دق جرس الإنذار وليس إعلان الذعر ساعدوني الاشتراكية في خطر!».

       وفي هذا الاتجاه يقول الشيخ صالح كامل: إنه على قناعة راسخة بأن الاقتصاد الإسلامي ليس هو فقط منع الربا وإقامة البنوك الإسلامية، ولقد ظلمه الكثيرون بحصره في ذلك الإطار الضيق، حيث إن الأحكام والقواعد الإسلامية لها تطبيقاتها في كل شؤون الاقتصاد والمعيشة ابتداءً من تقرير حقيقة أساسية؛ وهي أن المال مال الله، وانطلاقًا من تنظيم علاقة الفرد بخالقه في كيفية تصرفه في هذا المال اكتسابًا وإنفاقًا، وعلاقة الفرد المالية مع أسرته ومع ورثته وشركاته ومجتمعه، وانتهاءً بتنظيم العلاقات على المستوى الكلي في الاستهلاك والاستثمار والتنمية والتوازن، إلى أن قال: وأعتقد أن جهودًا جادة فنية وشرعية يجب أن تبذل؛ للحصول على ما يجعل عملية الإصدار النقدي تتم بتناسب مع زيادة معدل النمو الاقتصادي أو زيادة الناتج القومي المحلي، مع قيام هيئات فنية خالصة محلية أو دولية بمراقبة الإصدار وفقًا لتلك المعايير، وهو يعتقد أننا بذلك نكون قد قدمنا باسم الاقتصاد الإسلامي حلًا ناجحًا لإحدى أكبر وأهم القضايا التي تؤرق النقديين عالميًا، وتؤثر في حياة كل فرد من أمتنا يوميًا. بدلًا من الاكتفاء ببحث حل أو حرمة معطيات وجهود الآخرين «آثار التغيرات في قيمة النقود وكيفية معالجتها في الاقتصاد الإسلامي د. موسى آدم عيسى- سلسلة صالح كامل للرسائل الجامعية في الاقتصاد الإسلامي ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م».

       كما أشار في مقال له نُشر في مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد ۲۱۹ جمادى الأولى ١٤٢٠هـ - أغسطس ١٩٩٩م، ص ٤٠ - ٤٣، إلى عدة أمور منها؛ خطأ المفهوم الذي يحصر الاقتصاد الإسلامي في البنوك الإسلامية، وكذلك عدم ارتياحه لاختيار نموذج البنوك التقليدية وهياكلها التنظيمية، كإطار التطبيق تعاليم الإسلام في مجال الاقتصاد والاستثمار، وأنه يود لو بحث عن إطار آخر منسجم تمامًا مع المبادئ الشرعية المنظمة للاستثمار. 

       فهذه الإشارات من رجل له تاريخ معروف في مجال الاقتصاد الإسلامي، تؤكد حاجتنا لنماذج بنوك نصممها بما يتناسب مع الشريعة الإسلامية الغراء، وأن ندرج جميع الأعمال الخيرية المالية والاستثمارية التي تدور في فلك الشريعة الإسلامية ضمن ما اصطلح على تسميته بالاقتصاد الإسلامي، من هنا فإنني أقول للقائمين على البنوك التقليدية الذين يسعون للتحول إلى بنوك إسلامية، أو الذين فتحوا نوافذ إسلامية، إنهم سيواجهون هذه المعضلة، وأن عليهم إعمال الفكر والعقل باستحداث النماذج البنكية التي تنسجم مع الشريعة الإسلامية، وأن يسعوا للخروج من شرنقة الهياكل التنظيمية للبنوك التقليدية التي تعايشوا معها فترة من الزمن، وهذا أمر سهل صعب «فلسفة التنمية رؤية إسلامية... ١٤١٥هـ،١٩٩٥م، الطبعة الثالثة، ص ۲۷"، "ما هو ، د. إبراهيم أحمد عمر ، الاقتصاد الإسلامي د. محمد عمر شبرا البنك الإسلامي للتنمية- المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، ص70».

          ونظرًا لكبر حجم مشروعنا هذا، فإنني أرى مساهمة الجميع في تبنيه، وجعله واقعًا ملموسًا يسهم في تصميم النماذج البنكية المرجوة والمخالفة لما عليه بنوك اليوم، وأن نحرر عقليتنا من أنه لا توجد هياكل تنظيمية للبنوك إلا ما تم استحداثه وبناؤه على عين النظم الرأسمالية، وهذا بحد ذاته فتح علمي جديد سيجد فيه الباحثون بحارًا ومحيطات من العلوم الاقتصادية والاجتماعية لم تعهدها البشرية من قبل، خاصة إذا سار هذا العلم جنبًا إلى جنب مع بقية العلوم الاجتماعية والإنسانية، كما هو عنوان هذا البحث.

       ولتوضيح الصورة لغير المتخصص نمثل للهياكل التنظيمية للبنوك التقليدية بالهيكل العظمي للبطة أو العنكبوت، وللهياكل الإسلامية المرجوة بالهيكل العظمي الأعظم حيوان على وجه الأرض كالديناصور، أو الفيل، بهذا نقول: مهما أجرينا من تعديلات على هيكل البطة لا يمكن الوصول للهيكل العظمي للديناصور، فضلًا عن الارتقاء بالأجهزة الأخرى للبطة كالجهاز الهضمي والسمعي والبصري، والليمفاوي والعصبي والتناسلي، للوصول بها إلى ما يقابلها في الديناصور.

       كما ورد في كتاب «الخليج العربي وفرص تحديات القرن الحادي والعشرين»، وهو اللقاء السنوي العشرون لمنتدى التنمية، ۱۹۹۹م، الكويت ما نصه: «الصناعة المصرفية الإسلامية إنها استثمارية انتشرت ونجحت وهي واقع يجب أن نتعاون معه شئنا أم أبينا، لمحاولة الدخول في السوق الماليزية مع الكثافة السكانية، لو طورت يمكن التعامل مع الأدوات الاقتصادية المعاصرة، لكن من يتحرك؟ وأنا أقول إجابة عن هذا السؤال: إن على صاحب هذه المقولة ومن حوله أن يتحرك في التأسيس العلمي لهذه الصناعة، من خلال تبني مشروعنا هذا، أو العمل على تحويل جامعاتنا لتأخذ المسار المرسوم في هذه المقالة، ولتعزيز أهمية وضرورة إيجاد البدائل لنظم الرأسمالية إليكم المقولات التالية:

       يقول Leste Throw في كتابه مستقبل الرأسمالية ١٩٩٦م، ص ٨ ما نصه:

"Today the world is in a period of punctuated equilibrium which is being caused by the simultaneous movements of five economic plates. in the end a new game with new rules requiring new strate- gies will emerge. some of today, s players will adapt and learn how to win in this new game".

ويقول الكاتب نفسه في كتابه - The zero sum society ۱۹۸۰م، ص ٢١٤، ما نصه:

"Our economy and the solutions to its problems have a substantial zero - sum element our economic life would be easi-er if this were not true, but we are going to have to learn to play azero sum eco- nomic game. if we cannot learn, or prefer to pretend that the zero sum problerm does not exist, we are simply going to fail"

       ويقول د. عبد الغني قاسم غالب الأمين العام المساعد لاتحاد التربويين العرب في كتابه «تحديد منابع المشكلات الاقتصادية للمجتمع المسلم وسبل حلها من خلال التعليم» ١٤١٤هـ- ۱۹۹۳م، ص ٨٠ في سياق حديثه عن المتطلبات التربوية العامة لحل المعضلة الاقتصادية ما نصه: «تصحيح المفاهيم المتصلة بمصطلحات الوحدة والعروبة، والأمة، في كتب الثقافة والمجتمع، والتربية الوطنية، والتاريخ، على النحو الذي يقوي ويعمق الرابطة الإيمانية والحياتية بين العرب والمسلمين، وبشكل خاص على الصعيد الاقتصادي، فقد عزل العرب عن المسلمين فترة ليست بالقصيرة بواسطة التربية الثقافية العلمانية، التي غذت الاتجاه العلماني للوحدة والعروبة أو بواسطة التربية الثقافية الشعوبية، وهذا أثر على مستوى المناهج الدراسية التي أغفلت الوحدة أو التكامل الاقتصادي بين يمنيتي، وعروبتي، وإسلامي، ووضع الفواصل الزمنية بين الولاء لهذه الحلقات، قد دمر الرابطة الإيمانية بين العرب والمسلمين، وأحل مكانها روابط أخرى بديلة دموية ترابية جنسية لغوية.. إلخ، بحيث أصبح من العسير جدًا حل مشكلات الأمة المسلمة بشكل عام، وحل مشكلاتها الاقتصادية على وجه الخصوص، لأنها تعيش حالة عدم التكامل بين مواردها البشرية والمالية والطبيعية». 

       والأمر الذي أود إضافته -وهو ليس جديدًا على العاملين عن قرب في مجال الاقتصاد الإسلامي- ما يتعلق بالقضية التعليمية لكل من الأنظمة الوضعية، والنظام الإسلامي في المجال الاقتصادي، وفي غيره من العلوم الإنسانية والاجتماعية.

       فقد كثرت الفتاوى حول الفوائد الربوية وحول العاملين في البنوك الربوية وحول حراسة تلك البنوك، إلا أن المتابع يجد ندرة الفتاوى التي تتعلق بالعملية التعليمية للنظام الرأسمالي فالعملية التعليمية تشمل كلًا من ترجمة الكتب الرأسمالية الجامعية لتدريسها لطلبة وطالبات الجامعات، عملية الاعتزاز بهذه الترجمات من قبل الجامعات، عملية تعليمها وصبها في أذهان التلاميذ دون نقد لها، وسعي حثيث على إيجاد البدائل الإسلامية لهذه المقررات، عملية بيع هذه الكتب، حاملها والمحمولة إليه، عملية تسجيل تلك المقررات للطلبة، عملية رصد درجات تلك المقررات، عملية إجراء البحوث العلمية بهدف مساعدة القائمين على البنوك الربوية وإعطائهم التوصيات اللازمة من أجل نمو تلك المؤسسات الربوية السرطانية في جسم أمتنا الاقتصادي، الوقوف في وجه من يسعون لترميم كليات الاقتصاد والإدارة وتصحيح مسارها بما يتفق مع الشريعة الإسلامية الغراء، وقل مثل ذلك في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى مثل علم الإدارة والمحاسبة، وعلم النفس وعلم الاجتماع، وعلم الإعلام، وعلوم الآداب والفنون وعلم التربية والتعليم.

في المجال الاقتصادي نجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يلعن أكل الربا وحده، بل لعن معه مؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء، كما لم يلعن شارب الخمر وحده، بل لعن فيها عشرة منهم عاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، والمقصود كل من يعين على شربها، والناظر في حديث الجليس الصالح وجليس السوء يجد أن المقرر الجامعي المتصف بالصفات السابقة جليس سوء لمن ترجمه، وجليس سوء لمعلم هذا المقرر، وجليس سوء للطالب الذي يدرس هذا المقرر، وجليس سوء لأستاذ تمارين هذا المقرر طوال فترة تعليمه التي تمتد إلى أربعة أشهر تقريبًا، وبالجملة هل نستطيع أن نطلق على الأصناف السابقة أنهم دعاة للشرك الاقتصادي، كما هو الحال في الشرك العقدي؟!. 

          إن الهدف من إثارة هذا الموضوع هو محاولة لإثارة حفيظة العاملين في هذه الأقسام العلمية، علهم يسعون جادين لتعديل سلوكيات تلك الأقسام التي تعلم هذه العلوم، على غرار ما قام به بعض البنوك التقليدية من تعديل سلوكياته، فمنها ما أخذ على نفسه التحول الكامل للاقتصاد الإسلامي، ومنها ما تم له تعديل جزئي في تعاملاته وذلك بفتح بعض النوافذ الإسلامية... ونسأل المولى -جل وعلا- أن يعينهم جميعًا على التحول الكامل نحو معتقد الأمة الاقتصادي.

 

الرابط المختصر :