العنوان رسالة بوتفليقة التي أربكت الانفراج الجزائري- المغربي
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1352
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 01-يونيو-1999
هل كانت مجرد خطأ في الترجمة؟.. وهل تأجل الحلم المغاربي مرة أخرى؟
يبدو أن «اتحاد المغرب العربي» ما زال أمامه زمن طويل من الانتظار قبل أن يتحرك قطاره من جديد؛ فهذا «الاتحاد» غير ممكن بدون الجزائر، وغير ممكن بدون المغرب، وبالتالي غير ممكن بدون علاقات طبيعية بين البلدين، بل إن الإعلان عن تأسيسه سنة ١٩٨٩م بمراكش جاء فقط بعد الانفراج بين البلدين على عهد الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد، الذي عرفت فترته الرئاسية أول قمة ثنائية بين رئيسي الدولتين منذ اندلاع مشكلة الصحراء في نهاية عام ١٩٧٥م وبعد تطبيع العلاقات بين البلدين وفتح الحدود.
وتوقفت مؤسسات هذا الاتحاد كذلك بسبب توتر العلاقات بين البلدين عندما طالب المغرب بتجميد عمل هذه المؤسسات بسبب ما اعتبره تدخلًا جزائريًّا سافرًا في قضية الصحراء.
وزاد من تعسر مسار هذا «الاتحاد»- إلى جانب الحصار الذي فرض على ليبيا منذ سنة ١٩٩٢م- عودة تأزيم العلاقات بين الجزائر والمغرب بعد أن أغلقت الجزائر حدودها البرية ردًّا على قرار المغرب فرض نظام التأشيرة على الرعايا الجزائريين الراغبين في زيارته بعد ثبوت تورط عناصر من المخابرات الجزائرية في العملية التي تعرض لها فندق «أطلس أسني» بمراكش في محاولة لجر المغرب إلى مسلسل العنف.
ومع بوادر حل مشكلة «لوكربي» ثم انتخاب أول رئيس مدني للجزائر عبد العزيز بوتفليقة الذي بعث بإشارات ودية تجاه المغرب- على رغم انتمائه أيديولوجيًّا إلى مرحلة «بومدين»، وقد اعتبرت تلك الإشارات إيجابية، واستقبلت في الرباط بالترحاب، حيث ساد جو من الأمل في عودة تحرك قطار الاتحاد المغاربي.
غير أن بعض المشوشات كانت تصدر من جهات أخرى في الجزائر تناقض نوايا الرئيس المعلنة؛ ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس المنتخب يعلن عن نيته تحسين العلاقات مع المغرب، وفي نفس الوقت الذي أصدرت فيه وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية تعليقًا أكدت فيه أن الجزائر ترى أن «تحقيق وحدة المغرب العربي في عصر التجمعات والتكتلات الجهوية والدولية ضرورة حيوية وملحة تمكن شعوب المنطقة بفضل الروابط والقواسم المشتركة من مواجهة تحديات القرن القادم بإرادة صادقة ووسائل متجددة»، وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس الجزائري «المنتخب» يعلن أنه: «مقتنع بأنه يتعين فتح الحدود في منطقتنا، وأنه ينبغي أن تعطى الفرصة لزعماء منطقة المغرب العربي الذي غابت عنه الفاعلية منذ أربع أو خمس السنوات الأخيرة».
صدر في نفس الوقت من سفارة الجزائر في واشنطن ما اعتبر ردًّا رسميًّا جزائريًّا جاء متأخرًا على مبادرة الوزير الأول المغربي الداعية إلى إعادة فتح الحدود، وهي المبادرة التي دعمها الملك الحسن الثاني كذلك، فقد أدلى سفير الجزائر في واشنطن السيد رمتان لعمامرة بعد ساعات من إعلان رئيسه عن نواياه الطيبة نحو جيران الجزائر بتصريح جاء فيه أن «فتح الحدود بين البلدين مرتبط بإيجاد حلول للمشكلات القائمة بينهما».
بل إن تصريح السفير الجزائري تزامن مع عودة الصحف المعروف ولاؤها للقيادات العسكرية الجزائرية إلى شن حملة مشابهة لحملة السنة الماضية ضد المغرب محرضة على مواصلة إغلاق الحدود البرية للجزائر تجاه جارها الغربي.
وبعد ذلك بأسبوع وتزامنًا كذلك مع اجتماع لجنة المتابعة لدول «اتحاد المغرب العربي» بالجزائر، هذا الاجتماع الذي بعث بصيصًا من الأمل في إمكان استئناف القطار المعطل منذ خمس سنوات سيره على السكة- جاءت القشة التي كادت تقصم ظهر بعير العلاقات من جديد لولا الاستدراك الذي صدر عن الرئاسة الجزائرية مساء الأحد ٢٣ مايو ١٩٩٩م.. فقد ذكرت وكالة الأنباء الرسمية ومعها «رويترز» خلال بثها للرسالة التي وجهها الرئيس بوتفليقة إلى محمد عبد العزيز زعيم «البوليساريو» ردًّا على تهنئة كان هذا الأخير قد وجهها إليه بمناسبة انتخابه، ذكرت أن بوتفليقة أكد موقف بلاده الداعم لـ«القضية العادلة لشعب الصحراء في تحديد المصير وفق خطة الاستقلال التام للأمم المتحدة واتفاقات هيوستن».
تعابير من نوع «شعب الصحراء» و«الاستقلال التام»، اعتبرت استفزازية تجاه المغرب، بل كادت توقف مساعي التقارب بين البلدين، فقد ألغى بعض القيادات الحزبية المغربية زيارات كانت تنوي القيام بها للجزائر في إطار العمل على تفعيل الانفتاح الحاصل بين البلدين. وعلى الرغم من التريث السياسي المغربي في الرد على رسالة بوتفليقة، إلا أنه قوبل باندفاعة على صفحات الجرائد وصلت إلى حد أن اعتبرت صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» الناطقة بلسان حزب رئيس الوزراء عبد الرحمن اليوسفي، في افتتاحيتها ليوم الأحد ٢٣ مايو ١٩٩٩م: بأن «على الجزائر أن تختار بين إما المغرب الذي يمد يده إلى التعاون وفتح الحدود والتضامن والمساهمة في بناء المغرب العربي، أو كمشة من الانفصاليين الذين تحركهم بعض المصالح التي لا تحمل أي هم مغاربي أو إحساس بالحاجة إلى التقارب الجهوی».
ولكن يبدو أن هناك قنوات دبلوماسية كانت تتحرك بسرعة منذ نشر رسالة الرئيس بوتفليقة ما بين الجزائر والرباط لاحتواء الوضع قبل استفحاله. فقد بدأ وزير الداخلية المغربي السيد إدريس البصري خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في العيون كبرى مدن الصحراء في ختام زيارة قام بها للأقاليم الصحراوية مطمئنًا إلى استمرار مساعي التقارب بين البلدين، ووصف الرئيس الجزائري بأنه «رئيس محترم، ورئيس دولة شقيقة، وليس لنا الحق في أن نتكلم عن الرئيس»، وذلك في إشارة إلى الانتقادات التي وجهتها وسائل الإعلام المغربية إلى القيادة الجزائرية.
وجاء في بيان رسمي من الجزائر أن وكالة الأنباء التي نشرت الرسالة أساءت ترجمة كلام الرئيس الذي «يساند عملية السلام الواضحة التي تقوم بها الآن الأمم المتحدة لتحديد مستقبل الصحراء».
الذي يبدو أن الرئيس الجزائري قد يكون يواجه صعوبات مع جهات نافذة داخل بلاده لا تريد أي انفتاح نحو المغرب، وتفضل أن تستضيف الجزائر مؤتمر القمة الإفريقي في يوليو المقبل في غياب ممثلي المغرب.
ولهذا فإن الأزمة بين البلدين قد تكون أجلت فقط، وقد تندلع في أي وقت آخر ما دام هناك لوبي بومديني وصحراوي داخل قيادة الجيش الجزائري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل