العنوان يدعمها ولا يقودها.. ولا يعتبر مهمته بديلا عنها.. ثورة شعب سورية في مؤتمر «الإنقاذ الوطني»
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1963
نشر في الصفحة 56
السبت 30-يوليو-2011
- إسقاط النظام هو ما يعمل له الحراك الثوري... ومصداقية الخارج مرتبطة بدعم التحرك الشعبي
- لا يوجد في وثيقة مبادئ المؤتمر ونتائجه ما يفتح بابا لأي شكل من أشكال الحوار مع النظام
- المرحلة الراهنة لا تتطلب توحيد المعارضة بل إيجاد أرضية على قواسم مشتركة دون إقصاء أي طرف
وصلت ثورة الشعب في سورية إلى منعطف بالغ الأهمية عبر تواصل البطولات المذهلة، واحتراق أوراق النظام الاستبدادي الفاسد في مواجهتها فبات أمر سقوطه مفروغاً منه وبات التساؤل عن كيفية ترسيخ دعائم الدولة بعد استرداد الوطن تساؤلا ملحا .. ولعل عامل اللحظة المناسبة أدى دورا في تركيز الأنظار على المؤتمر الوطني للإنقاذ يوم ١٦ يوليو ٢٠١١م، فضلاً عن أسباب عديدة بدءًا بتوافر إجماع وطني واسع على شخصية هيثم المالح، استنادا إلى عنصري الثبات والنقاء في تاريخ تعامله مع الواقع السوري منذ عشرات السنين انتهاء بتميز مبادرته بالحصول على نسبة متزايدة من أصوات التأييد في أوساط الثائرين مع الحذر حينا وتأكيد الالتزام بمسار الثورة حينا آخر.
على أن هذه الأسباب وسواها رفعت سقف الأمثال المنعقدة على المؤتمر ، وبالتالي سقف التوقعات إلى درجة استحالة تحقيقها موضوعياً، فضلاً عن عدم ادعاء التطلع إلى تحقيقها من جانب القائمين على التحضير للمؤتمر، إنما كان الهدف الممكن والمعلن من البداية هو السعي ليكون المؤتمر منطلقا أو كي يكون التواصل من خلاله منطلقا نحو النقلة النوعية الضرورية بين عهد استبدادي فاسد يستحيل استمراره و عهد مستقبلي منشور للطلب نشأنه الأولى جهوداً ضخمة .
نجح أم أخفق؟
ومع ارتفاع سقف التوقعات المسبقة يرتفع سقف معايير النجاح والإخفاق هذا رغم أن المؤتمر عبارة عن لقاء أولي ليوم واحد بحضور مجموعة كبيرة يعبر عدم تجانسها عن التعددية المراد تلبيتها نهجا مستقبليا ولم يسبق أن التقى معظم أفرادها، ومنهم من ولد خلال عهد الاستبداد الطويل فلم يعايش بنفسه في الواقع السوري ما يعنيه الالتزام بالتعددية هذا إضافة إلى تغطية إعلامية مكثفة، ضاعفت الاهتمام وساهمت في رفع سقف التوقعات والمعايير، لاسيما بطرح التساؤلات عن النجاح - إلى درجة التشكيك - من قبل أن يختتم المؤتمر وتظهر حصيلته فعلا موضوعية، ينبغي قياس النتيجة على الهدف المستقر المعلن وهنا نجد في ختام المؤتمر تطابقاً نسبياً مع ما أعلن ساعة افتتاحه هدفا له، وهو انتخاب هيئة مؤلفة من ٢٥ شخصاً ستضم ٥٠ آخرين من الداخل القيام بالخطوات التالية، فضلا عن بيان ختامي يحدد موقع المؤتمر في مجرى الثورة.
الإطار العام
منذ تثبيت المعالم الأولى للمبادرة، ومع ظهور شخصية هيثم المالح من ورائها ومعه عدد من الشخصيات المعروفة مثل: عارف دليلة ومنتهى الأطرش، ووليد البني وغسان النجار، وغيرهم، ظهر الحرس على أن يكون هذا التلاقي التعددي. انتماء وتوجها سياسيا - مدخلاً إلى التعبير عن وحدة الشعب السوري وثورته وتثبيتها. كما ظهر الحرس على شمول المبادرة القطاع كبير من المعارضين والناشطين في الشتات أيضاً، فتقرر انعقاد مؤتمرين توأمين، أو شقين المؤتمر واحدا أحدهما في دمشق. والثاني في إسطنبول لعل هذا ما ضاعف إحساس السلطات الاستبدادية بالخطر: فتدخلت عبر محاولة دموية التقويض مساره، وقتلت بالرصاص الحي أكثر من عشرة متظاهرين أبرياء في حي القابون بدمشق حول القاعة المخصصة لانعقاد مؤتمر الداخل، فتقرر الامتناع عن اللقاء لتجنب مزيد من الشهداء من عامة أهل الحي.. على أن المجتمعين في إسطنبول - وقد تجاوز عددهم الخمسمائة وجدوا بعض العزاء في حديث ، غسان النجار، ووليد البني، من وراء الحدود، وهما يؤكدان الحرص على أداء المهمة المطلوبة وإن تأجل تنفيذها.
يظهر للعيان على هذه الخلفية أن السؤال:
هل نجح المؤتمر أم أخفق؟
- كان متسرعا، ويُفترض للرؤية الموضوعية تثبيت بعض المحددات الرئيسة لموقعه في نطاق مجرى ثورة شعب سورية على الاستبداد والفساد، ومن ذلك:
- هدف الثورة الأول الثابت هو إسقاط النظام وهو هد ف مفروغ منه شعبيا... وهو أول منطلقات المؤتمر ومن موجبات انعقاده مع تأكيد :
(أ) أن إسقاط النظام هو ما يعمل له الحراك الثوري داخل سورية
(ب) أن مصداقية الخارج مرتبطة بدعم الحراك الشعبي الداخلي.
(ج) أن ليس لأحد حق الوصاية عليه بل لا يمكن ذلك واقعياً.
- كل شكل من أشكال الحوار مع النظام القمعي المتهالك أصبح مستحيلا.. وهذا بدوره أمر مفروغ منه من قبل انعقاد مؤتمر الإنقاذ، ولا يوجد في وثيقة مبادئه ولا في نتائجه ما يفتح بابا مباشرا ولا مواربا على هذا الصعيد أو يمهد له.
- مؤتمر الإنقاذ جزء من جهود مبذولة فهو لم يعتبر نفسه بديلا عن مؤتمرات وبدائل أخرى بل يريد متابعة التواصل مع جميع الأطراف إلى أن تنشأ أرضية مشتركة للمعارضة السورية كما ذكر «المالح» في ختام المؤتمر، وهو ما يراد منه أن يواكب مسار الثورة حتى إذا سقط النظام لا يكون الفراغ السياسي والدستوري، سبب اضطرابات ما في مرحلة انتقالية تالية.
تساؤلات مشروعة
لا شك أن التجارب الحية عبر مسار الثورات العربية تشير لدى الثوار في الداخل السوري تساؤلات محقة تجاه كل نشاط أو تحرك أو موقف يصدر عما يوصف بالعارضة التقليدية، ومن التساؤلات:
- لم يتحقق إسقاط النظام وإنهاء الاستبداد والفساد عبر عدة عقود، فما الذي يمكن أن تصنعه الآن؟
-ألا يمكن أن يميّع تحركها الآن هدف الثورة الأول لإسقاط النظام؟
- ألا يحتمل الالتفاف على هدف التغيير الجذري عبر حوار ما مع نظام اثبت استحالة الحوار معه؟ رافقت هذه التساؤلات مؤتمر الإنقاذ أيضاً، وإن تراجعت حدتها جزئيا قبل انعقاده والعكس مفعولها في تشديد المؤتمر نصاً على التمسك المطلق بهدف إسقاط النظام والرفض القاطع لمختلف أشكال الحوار باستثناء لحظة تسليم السلطات للشعب على افتراض تسمية ذلك حوارا .
وينبغي التأكيد بالتقابل أن ظهور التساؤلات أمر طبيعي، وغيابها غير طبيعي.. فهي من صميم روح الثورة والتصميم الشعبي على المضي بها نحو النصر مهما بلغت التضحيات وقد تضاعف القلق لدى صانعي الثورة في الداخل: بسبب بعض المواقف المبهمة في صياغتها، وبالتالي القابلة للتأويل في اتجاه تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها دماء الضحايا في ميادين الثورة. إن مؤتمر الإنقاذ - الذي يدعم الثورة ولا يقودها ولا يعتبر مهمته بديلا عنها، بل مرتبطة بها وبطريقها ، وهي التعاون والتواصل من أجل وضع رؤية مستقبلية السورية في مرحلة ما بعد الثورة - لم يتجاوز الخطوط الحمراء، ولا يمنع ذلك من التأكيد - تجاه مؤتمر الإنقاذ وسواه - أن الشعب الثائر قد بلغ من الوعي ما لا يترك تقرة أمام انحراف ما بثورته، فمن يخاطر بذلك يخاطر بوجوده هو نفسه في ميدان قضية سورية، وليس بالثورة الماضية نحو هدفها دون تحريف.
توحيد المعارضة
من أسباب بعض اللفظ حول المؤتمر أثناء انعقاده ظهور تصورات متعددة مختلفة عن بعضها البعض بين أكثر من طرف شارك في للمؤتمر، وهو ما كان علنيا أمام عدسات التصوير والبث المباشر.. ولا يمكن الدخول في التفاصيل في حدود ما يوجبه الإيجاز من جهة، والاعتقاد بعدم جدوى الخوض في التفاصيل من جهة أخرى. وفي الختام، يكفي تأكيد عدد من النقاط الرئيسة:
- الدعوة إلى توحيد المعارضة السورية قائمة على أمرين:
أولهما الأمل العام بهذا الصدد، فوحدة العارضة وضع مثالي، وهنا تكمن المشكلة. أي في حقيقة أن هذا الأمل غير واقعي .
وثانيهما، حملة تضليلية مقصودة من جانب النظام الاستبدادي بدعوى ضرورة ظهور صوت واحد للمعارضة يطرح مطالبها للتحاور حولها.
- الأصل هو التعددية وليس التوحد ويمكن الالتقاء على قواسم مشتركة وهي في الحالة السورية: إسقاط النظام وتطبيق نهج التعددية.. والكلمة تنطوي ذاتياً على وجود تصورات مختلفة ورؤى متعددة.
-الواقع القائم الآن قريب من حيث الأساس مما يراد أن يستقر ستقبل سورية، ولا يكاد يوجد في أي بلد من البلدان المستقرة (سياسة ونظاما، حكومة ومعارضة) بنية هيكلية موحدة الأطراف إلا في حالات استثنائية .. إنما يلتقي الجميع على كليات كبرى من قبيل الصالح العليا أو تحكيم الإرادة الشعبية وغير ذلك ويختلفون جميعا على ما يتجاوز هذه الكليات الكبرى.
- لا تتطلب المرحلة الآتية توحيد المعارضة بل إيجاد أرضية تقوم على القواسم المشتركة والقدرة على التعامل بموجبها دون ممارسات الإقصاء بمختلف أشكاله.
الواقع أن توحيد المعارضة، هدف يتناقض موضوعها مع مقتضيات الالتزام بالتعددية. ومن يستخدمه يقصد واقعياً بلوغ درجة عالية من التنسيق على قواسم مشتركة تلتقى تحت سقف المصلحة العليا.
وقد تكرر الحديث عن توحيد المعارضة في إسطنبول، كما انعكس على أرض الواقع من خلال حضور د. برهان غليون المعروف والناشط في إطار مؤتمرات ومبادرات أخرى. وقد دعا هو أيضا إلى واصل بين المسؤولين في الهيئات التي الأنشطة، ليمكن التوصل معا إلى طرح مشترك بين أطراف المعارضة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل