العنوان استراتيجية جديدة لمكافحة «الإرهاب» في بريطانيا.. لماذا الآن؟!
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-أبريل-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1848
نشر في الصفحة 19
السبت 18-أبريل-2009
منذ أن نشرت صحيفة «ذا جارديان» البريطانية في فبراير الماضي (۲۰۰۹م) ما تسرب عن صناع السياسة البريطانيين من اقتراحهم تعديلات جديدة على استراتيجية مكافحة الإرهاب تتركز على «تجريم الرؤى التي ترفض القيم الأساسية البريطانية» -رغم أنها لا تصل إلى حد التحريض على العنف- وردود الأفعال الكثيرة لا تتوقف.. وكان آخرها ما جاء في الصحيفة نفسها -يوم ٢٥ مارس الماضي- عن نشوب مواجهة بين وزيرة الأقليات «هازيل بليرز» ومجلس مسلمي بريطانيا على خلفية هذه التعديلات.. فما قصة هذه التعديلات؟ وإلى أي حد يمكن محاربة العقيدة والفكر تحت مسميات مكافحة ما يسمى الإرهاب؟ وماذا يحمل المستقبل لمسلمي بريطانيا؟!
الحكومة تعتزم عزل وتكميم أفواه المسلمين بعد تعاطفهم مع غزة
حجم الإنفاق البريطاني للتصدي لما يُسمى «الإرهاب» يصل إلى 3.5 مليار جنيه إسترليني بحلول عام 2011م
وزيرة الداخلية: عدد أفراد الأمن المتخصص في مكافحة الإرهاب ارتفع من 1700 فرد عام 2003م إلى ثلاثة آلاف فرد حاليًا
مخاوف من توسيع نطاق تعريف المتطرف ليشمل كل من يعارض ما تعزفها الحكومة بأنها القيم البريطانية المشتركة
«ريتشارد واتسون»: برنامج منع التطرف يحاب حرية المعتقد ويصادر الحق في تبني وجهات نظر دينية محافظة
وفقًا للاستراتيجية الجديدة.. يعد أي شخص متطرفًا إذا قام بـ:
- تأييد تطبيق الشريعة
- الدعوة إلى الخلافة الإسلامية
- تحريم الشذوذ الجنسي
- عدم إدانة قتل الجنود البريطانيين في العراق وأفغانستان
- الاعتقاد في الجهاد أو المقاومة المسلحة بأي مكان في العالم
- المنظمات الإسلامية في بريطانيا: قوانين وسياسات مكافحة الإرهاب لها آثار سلبية على حياة الكثير من المسلمين الأبرياء
لندن: خاص -المجتمع
لا شك أن العدوان الصهيوني على غزة آثار نزعات الغيرة على الإسلام، وأخرج مكنون العواطف المتأججة، ورأى العالم كيف هب المسلمون عامة، والشباب خاصة لنصرة أهل غزة، ورأى المجتمع البريطاني –ومنه الساسة- كيف كان غضب الشباب بالقرب من مبنى السفارة الصهيونية في لندن، مع فشل السياسة الحكومية في إدانة العدوان الصهيوني.
هذه المسألة وغيرها من «المعلومات السرية» التي يجري الحديث عنها، والتي لا يُعرف مدى صحتها، دفعت الساسة البريطانيين لرسم خطة لتكميم أو عزل المجتمع المسلم في بريطانيا، بعدما رأوا ظواهر قوته وغضبه.
والمشكلة أنهم يسعون إلى تكميم أفواه المسلمين لغضبهم على مظالم غزة، برغم استشرافهم عدم تغيّر السياسة الصهيونية في فلسطين في المستقبل القريب، وبقاء السياسة الخارجية البريطانية، والوضع الداخلي غير العادل للمسلمين هناك، حجري عثرة أمام التفاهم والاندماج في المجتمع البريطاني.
خطة مشبوهة
وفقًا لمسودة الإستراتيجية، كما نشرتها «ذا جارديان» يعد أي شخص متطرفًا إذا قام بأحد الأفعال التالية:
- الدعوة إلى الخلافة، بمعنى دولة إسلامية تشمل العديد من البلدان.
- تشجيع الشريعة.
- الاعتقاد في الجهاد أو المقاومة المسلحة في أي مكان في العالم، ويشمل ذلك المقاومة المسلحة من جانب الفلسطينيين ضد الجيش «الإسرائيلي».
- الجدال بأن الإسلام يحرم الشذوذ الجنسي، وأنه يمثل ذنبًا كبيرًا عند الله.
- عدم إدانة قتل الجنود البريطانيين في العراق أو أفغانستان.
وقد عد كثيرون أن هذا سيؤدي إلى توسيع نطاق تعريف «المتطرفين»؛ ليشمل هؤلاء الذين يحملون وجهات نظر تتعارض مع ما تعرفه الحكومة بـ«القيم البريطانية المشتركة»، وأن هذه الإستراتيجية ستصم الغالبية العظمى من البريطانيين المسلمين بالتطرف، وستؤدي إلى انعزالهم أكثر.
تراجع بريطاني
هذا الخوف من «التعميم»، والتشدق بحرية الرأي، أدى إلى عدم تفعيل هذه التغييرات الآن، وإن كانت غير مستبعدة في المستقبل، وقد أحجم بعض الوزراء عن تحديد قائمة وجهات النظر التي قد تشكل التطرف.
وبدلًا من ذلك، فإن وزارة الداخلية نشرت -يوم الثلاثاء ٢٤ مارس- وثيقة أكثر مرونة لمواجهة أولئك الذين «يرفضون الديمقراطية البرلمانية، ويرفضون سيادة القانون، ويعززون عدم التسامح، والتمييز على أساس العرق، أو الدين، أو الجنس أو النشاط الجنسي».
وقالت وزيرة الداخلية «جاكي سميث»: «إن الحكومة لا تعتزم تجريم هذه الأفكار أو تجريم حامليها»، مشيرة إلى أن حرية الرأي والتفكير هي مبدأ رئيس في المجتمع البريطاني، ولكنها قالت: «إننا لن نسمع هذه الآراء في صمت».
وقال التقرير -الذي كانت الحكومة البريطانية قد صنفته بأنه «سري»، قبل أن تقرر رفع الحظر عنه، وتتحدث وزيرة الداخلية عنه في البرلمان -قال: «إن خطر حدوث هجمات إرهابية بأسلحة كيماوية أو بيولوجية أو نووية في نمو متزايد، وإن التكنولوجيا الحديثة ستسمح للتنظيمات المتطرفة بشن هجمات أكثر فتكًا في المستقبل».
وأضاف التقرير: «إن تنظيم القاعدة سيتفكك خلال السنوات المقبلة، لكن أفكاره ستواصل الانتشار»، كما شدد على ضرورة التعامل مع العوامل المسببة للإرهاب.
مكامن الخطر
وبالنسبة لمكامن الخطر على الأمن البريطاني، فقد حدد التقرير أربعة مصادر رئيسة:
أولها: منطقة الحدود الأفغانية الباكستانية، التي يعتقد أن أسامة بن لادن زعيم تنظيم «القاعدة» وعدد من قيادات التنظيم موجودون فيها.
وثانيها: مناطق عمل مجموعات على صلة بـ«القاعدة»، في الجزيرة العربية، واليمن، والعراق وشمال أفريقيا.
وثالثها: الخلايا التي تقوم بتأسيس نفسها ذاتيًا، وتستوحي أفكار «القاعدة» وأجندتها، دون أن يكون لها صلة فعلية بها.
ورابعها: تنظيمات تعتنق نفس أفكار «القاعدة»، لكنها تعمل بأجندة وأهداف مستقلة.
وقالت وزيرة الداخلية البريطانية: «إن المملكة المتحدة لا يمكن أن تعتمد فقط على الشرطة وأجهزة الاستخبارات في مجال مكافحة الإرهاب، وتحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الدعم من قبل الجمهور؛ لمكافحة التطرف، ودعم المسلمين المعتدلين واتخاذ الاستعدادات المطلوبة لهجوم محتمل».
وكشفت «سميث» أن وزارتها تدرب ٦٠ ألف شخص على طرق الرد على التهديدات الإرهابية في كل موقع من مراكز التسوق والفنادق؛ في إطار الإستراتيجية الجديدة لمكافحة الإرهاب، وقالت: «إن عمليات مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تجري بعد الآن خلف أبواب موصدة، وفي إطار من السرية».
وأعلنت وزيرة الداخلية في البرلمان عن ارتفاع أعداد القوى الأمنية المتخصصة في مكافحة الإرهاب من ۱۷۰۰ فرد عام ۲۰۰۳م إلى ثلاثة آلاف فرد حاليًا، وعن تضخم «جهاز استخبارات الأمن الداخلي» (MI5) بواقع الضعف خلال الفترة ذاتها.
وقد أدين قرابة مائتي شخص بتهم متصلة بالإرهاب خلال السنوات من ۲۰۰۱ إلى ۲۰۰۸م، ومن المتوقع -بحلول عام ٢٠١١م- أن يصل حجم الإنفاق البريطاني للتصدي للإرهاب إلى ٣.٥ مليار جنيه إسترليني.
وعلقت وزيرة الأقليات «هازيل بليرز» الاتصالات الرسمية مع المجلس الإسلامي البريطاني بعد اتهام نائب أمينه العام «داود عبد الله» بتأييد دعوات حركة المقاومة الإسلامية «حماس» لمهاجمة القوات الأجنبية -بما فيها القوات البريطانية- في حال تدخلت لمنع تهريب السلاح إلى قطاع غزة.
وطالبت «بليرز» مجلس مسلمي بريطانيا بإيضاح موقفه بشكل أكثر دقة، بعد أن نأت بنفسها عن إعلان لإطلاق «مرحلة جديدة من الجهاد من أجل غزة»، أعلنها تيار متحالف مع حركة «حماس» يطلق على نفسه اسم «التحالف الدولي المناوئ للعنف» -ومقره مدينة «إسطنبول» في تركيا- حضره «داود» خلال شهر فبراير الماضي.
رد مسلمي بريطانيا
أعلن مجلس مسلمي بريطانيا استجابة أولية لما نشرته الحكومة بشأن الحفاظ على أمن بريطانيا، وقال د. محمد عبد الباري الأمين العام للمجلس: «كل منا له مصلحة مهمة في ضمان أن تكون بلادنا محمية بالنحو المناسب من الذين يريدون شن هجمات عشوائية، ومن المهم علينا جميعًا -مسلمين وغير مسلمين- تقديم ما يلزم من مساعدة ودعم لأولئك المسؤولين على الحفاظ على أمننا».
وفي تقرير له، حث المجلس الإسلامي الحكومة على «تعلم الدروس اللازمة من الاستراتيجيات السابقة، التي أدت إلى تقويض الجهود المبذولة لمكافحة التطرف العنيف».
وأوضح التقرير أن «الإستراتيجية الجديدة سوف تعالج أسباب الإرهاب وكذلك أعراضه»، إلا أنه انتقد الصمت البريطاني علي الجرائم الصهيونية في غزة، قائلًا: «إنه في وقت سابق من هذا العام -ولسبب ما- فإن الحكومة لم تتمكن من التوصل إلى وصف القصف «الإسرائيلي» الوحشي على غزة كعمل يشكل جريمة حرب». وأضاف: «إن الحكومة يجب أن تكون أكثر ثباتًا، إذا أردنا النجاح في مكافحة تهديد الإرهاب».
وفي الاجتماع التشاوري -الذي نظمه مجلس مسلمي بريطانيا في ٢١ مارس الماضي بمدينة «برمنجهام»، والذي حضره عدد كبير من علماء المسلمين، وقادة العديد من المنظمات الإسلامية، بما فيها تلك التي ليست تابعة لمجلس مسلمي بريطانيا -كان هناك إجماع، لا لبس فيه على التعهد والالتزام بمكافحة العنف والتطرف والإرهاب.
ولكن -في الوقت نفسه- كان هناك قلق واسع النطاق من أن القوانين والسياسات الخاصة بمكافحة آفة الإرهاب كان لها آثار سلبية على حياة الكثير من المسلمين الأبرياء.
الرابطة الإسلامية
وشجبت «الرابطة الإسلامية البريطانية» بشكل قاطع أية محاولة للضغط أو لتشويه صورة المجتمع المسلم في بريطانيا، وأعربت عن قلقها البالغ إزاء التحول المقترح في سياسة مكافحة الإرهاب التي كشفت عنها «فيكرام دود» في صحيفة «ذا جارديان».
وقال تقرير صادر عن الرابطة: «يبدو أن هذا خروج عن التفكير العميق لبرنامج معالجة الأسباب الجذرية للإرهاب والتطرف، وقد سمعنا تقرير «ريتشارد واتسون» بعنوان «مسلم أولًا، بريطاني ثانيًا» -في برنامج «بانوراما»، على تلفزيون (B.B.C)، يوم ۱۷ فبراير الماضي -والذي قال فيه: «إن بعض الأوساط داخل برنامج منع التطرف قد يميلون إلى التحرك في اتجاه سياسة الحرب ضد حرية المعتقد، وضد حق البعض في حمل وجهات نظر دينية محافظة».
وتساءل التقرير: «إذا كانوا يهاجمون المسلمين المحافظين اليوم، فهل سيهاجمون اليهود والنصارى المحافظين غدًا؟!».
وقالت الرابطة: «نحن ندعو المسلمين في بريطانيا إلى التمسك بالمعتقدات الصحيحة الثابتة، ومنظومة القيم بثرائها وتنوع مدارسها، وإلى توخي اليقظة تجاه ما يلي:
أولًا: التأكد من أن جميع المسلمين في بريطانيا لا يزالون يفخرون بإيمانهم، والاعتراف بأنه وفقًا للقيم الإسلامية يجب رفض الإرهاب والتطرف، بغض النظر عن مصدرهما الأصلي، لأن التعصب يأتي –في جميع الأشكال والأحجام- من المسلمين، واليهود، والنصارى، والهندوس، والملحدين، والقوميين، والليبراليين.
ثانيًا: ضمان أن المسلمين في بريطانيا ملتزمون بقواعد وقوانين البلاد، وأن هذا لا يعني أنه ينبغي لنا أن نسمح بـ«البلطجة» من أي مصدر لاستهداف ديننا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل