العنوان معاناة الأطفال في أفغانستان
الكاتب عبدالله بركات
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 117
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 09-مارس-1993
من المعلوم أن الأطفال هم جيل المستقبل وركائز المجتمع، وبقوتهم يكون مستقبل الدول قويًا، وبضعفهم تصاب الأمم بانتكاسات وضعف وانهيار. وقد عني الإسلام بالأطفال عناية خاصة لما يترتب على تربيتهم وتنشئتهم من عواقب ونتائج سلبًا أو إيجابًا، تبعًا لحسن التربية أو سوئها. والشواهد على ذلك كثيرة من السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين، حيث أمر الفاروق بنفقة لكل طفل يولد في الإسلام من أجل تمكينه من شق طريقه في الحياة بيسر وسهولة.
كذلك عنيت المجتمعات المتحضرة بالطفل عناية فائقة، فأنشأت الجمعيات والنوادي التي تُعنى بتربيته وتنمية قدراته البدنية والعقلية، كما ضمنت له جميع وسائل الراحة والترفيه والأساليب التربوية والتعليمية الحديثة، وأعطته قدرًا كبيرًا في وسائل إعلامها. وتضافرت جهود الأمم والمنظمات الدولية لخدمة الطفل، وليس أدل على ذلك من تنظيم اليوم العالمي للطفولة ومؤتمرات الطفولة والأمومة وقيام منظمات شغلها الشاغل هو حماية الطفل... إلخ.
في هذا الوقت، نجد أطفال العالم الإسلامي يمرون في أصعب الظروف ويُحرمون من أدنى الحقوق، بل ويُحرمون من ابتسامة الطفولة البريئة. وهذه المعاناة تكاد تكون عامة في المجتمعات الإسلامية، وخاصة الفقيرة منها والتي لا تمتلك موارد طبيعية كافية. وتزداد هذه المعاناة في الدول التي ابتليت بالكوارث والمحن والاحتلال؛ كأفغانستان وكشمير وفلسطين وبنغلادش وباكستان وغيرها.
ونحن هنا نتحدث عن معاناة الطفل الأفغاني المسلم؛ حيث إن معاناته تعتبر من أشد أنواع المعاناة، إذ تكالبت عليه عوامل عدة منها: الحرمان والهجرة والتشريد وقسوة العيش واليتم والإعاقة والفقر والجهل والمرض. ويمكن تبويب معاناة الأطفال الأفغان على النحو التالي:
معاناة الهجرة والتشرد
عندما غزا الجيش الأحمر أفغانستان في نهاية عام ١٩٧٩، ارتكب في حق الشعب الأفغاني أبشع صنوف الإجرام والقتل والتشريد والتدمير. فقد زاد عدد القتلى والشهداء من مدنيين ومجاهدين عن المليون وستمائة ألف، بينما اضطر حوالي ٦.٥ مليون أفغاني للهجرة إلى باكستان وإيران وتركيا. وجاء في تقرير نشرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون المهاجرين في سبتمبر ١٩٨٠ ما نصه: «يشكل المهاجرون الأفغان في جنوب آسيا أكبر جماعة مهاجرة في العالم، حيث إن هناك ٣.٢ مليون منهم في باكستان و ٢.٨ مليون مهاجر في إيران، ويبلغ عدد الأطفال والنساء منهم (٦٧٪) فقد بلغ عدد مخيمات باكستان ٣١١ مخيمًا ضمت ٤٢٢٢٨٧ عائلة، بلغ عدد الأطفال فيها ١.٢٤٨.٦٢١ طفلًا، أي ما نسبته ٤٧٪ من مجموع المهاجرين، وبلغت نسبة النساء ٢٨٪، بينما الرجال فقط ٢٥٪».
وعن معاناة المهاجرين الأفغان بشكل عام، والأطفال منهم على وجه الخصوص، يقول مفوض الأمم المتحدة لشئون المهاجرين إنه: «يتلقى ٣.٣٥ مليون مهاجر أفغاني مسجل في باكستان أقل حصة طعام تُعطى للمهاجرين في العالم. إذ يحصل الفرد منهم على ما قيمته ٧٥ دولارًا في العام، بينما الحد الأدنى الذي تقدمه المفوضية في أماكن أخرى هو ما قيمته ٢٤٠ دولارًا في العام».
ومما لا شك فيه أن معظم معاناة الأطفال الأفغان قد نجمت عن الهجرة ومشاكلها. ففي ٢٥/٦/١٩٩٠، نشرت الصحف الباكستانية أن ٥٤ طفلًا قد ماتوا في مخيمات بيشاور في خلال يومي ٢٣ و٢٤ يونيو ١٩٩٠، في حين أن آلاف الأطفال الآخرين قد قُتلوا أثناء فرارهم، حيث كانوا وأسرهم أهدافًا سهلة للطائرات الشيوعية.
وعلى مدى الأربعة عشرة سنة الماضية، تعرض للإبادة عُشر سكان أفغانستان، وهاجر ثلث الشعب على الأقل هجرة خارجية، يضربون في الأرض بلا مأوى ولا مأكل ولا مَلْبس. هذه الهجرة بقسوتها وهمومها ومتاعبها لم تؤثر على نفسية الطفل الأفغاني فحسب، بل أثرت على نمط حياته وسلوكه، وجعلت الطفل البريء يتحمل المسؤولية، ويقف أمام واقع أليم لا يرحم، وهو مازال في عمر الزهور؛ حيث إن الأب قد استُشهد أو في خنادق الجهاد أو مُعوَّق، والأم عاجزة لا تملك من أمرها شيئًا. فلجأ هذا الطفل تحت ضغط الحاجة والجوع للانضمام إلى جيش المتسولين، وفي أحسن الظروف تجده قبيل صلاة الفجر غارقًا في وسط أكداس القمامة يجمع بقايا الطعام والأوراق. وهناك في مدينة بيشاور وحدها ما يربو على الألف طفل أعمارهم دون العاشرة، موزعين على كافة شوارع المدينة يَمتهنون التسول. وأصبح مألوفًا بمجرد أن تتوقف بسيارتك أو تسير في الشارع لقضاء مصلحة أن يتقدم منك طفل أو أكثر ويفاتحونك بهذه العبارة: «من غريب، بابا شهيد ماما ويز»، (أي: إنني فقير وأبي شهيد وأمي مريضة). وهؤلاء الأطفال هم أكثر الناس معاناة؛ حيث نسبة الذين يذهبون للمدارس منهم لا تتجاوز ٤-٥٪، والبقية في الشوارع يبحثون عن قوت يومهم. وأوجه معاناة هؤلاء الأطفال المهاجرين لا يمكن حصرها؛ فتجدهم يقفون الساعات الطوال أمام المطاعم حتى يحظوا بقطعة خبز أو بعض العظام، ناهيك عن سوء المعاملة التي يتعرضون لها من قبل البوليس وأصحاب المحلات والمطاعم والمقاهي، إضافة إلى استغلالهم في أعمال شاقة بأجر زهيد أو دونما أجر. وكل ما يخشاه المتتبع لأحوال هؤلاء الأبرياء الصغار أن يتحولوا تحت ضغط الحاجة والفقر والحرمان إلى عصابات ومنحرفين ومجرمين.
اليتم والإعاقة
مما لا شك فيه أن استشهاد أكثر من مليون وستمائة ألف قد أوجد أعدادًا هائلة من الأيتام، فاق عددهم المليون يتيم. وفي إحصائية نشرتها الأمم المتحدة حول أفغانستان جاء فيها أن ١٥٪ من أطفال المدارس من عمر ٩-١٥ سنة قد فقدوا آباءهم في الحرب، و٤٪ قد فقدوا أباهم لأسباب طبيعية، أي إن ١٩٪ من هؤلاء الأطفال أصبحوا يتامى. أما عن المعوقين، فعددهم يتجاوز ستمائة ألف مُعوَّق، منهم نسبة لا بأس بها من الأطفال.
هذا العدد الهائل من الأيتام والمعوقين لا يملك الحد الأدنى للحياة الكريمة، في ظل غياب الدولة التي ترعاهم والمؤسسات التي تتبناهم، والذين امتدت إليهم يد المساعدة سواء من مؤسسات إسلامية إغاثية أو من مؤسسات إنسانية إغاثية لا يتجاوز عددهم بضعة آلاف.
الفقر والجهل والمرض
فهذا الثلاثي يفتك بأبناء المسلمين من الأفغان فتكًا، فوفقًا لإحصائية للأمم المتحدة نشرت في كتاب "أفغانستان: الثورة والمصالحة"، فقد كانت أفغانستان تحتل في عهد ظاهر شاه الرتبة ١٢٧ في نسبة التعليم بين دول العالم، وفي مجال الصحة المرتبة ١١٩. وبلغت نسبة الأمية ٩٥٪ بين الذكور و٩٨٪ بين الإناث، ويموت ٥٠٪ من الأطفال في سن الخامسة، ويعيش ٤٪ من السكان تحت حد الصفر، ويصل دخل الفرد سنويًا ٨٥ دولارًا.
وفي أول مؤتمر شاركت فيه الحكومة الأفغانية المؤقتة تحت عنوان "إنقاذ الأمومة بمنطقة جنوب آسيا" في أبريل ١٩٩٠، صرّح ممثلها الدكتور سليم أيوب، مدير إدارة رعاية الأمومة والطفولة بوزارة الصحة، بأن الحرب تسببت في نقص الخدمات الطبية وتزايد الأمراض المعدية، مثل التيفوئيد والملاريا، وأصبح الإسهال شائعًا بين الأطفال. ويشهد واقع المستشفيات سوء أحوال الأطفال الأفغان؛ حيث إن معظم مراجعي هذه المستشفيات من الأطفال والنساء، وأغلبهم يعانون من فقر الدم الناجم عن سوء التغذية. وذكر تقرير طبي نشرته منظمة الصحة العالمية أن عدد وفيات الأطفال تحت سن سنة واحدة يزيد في مخيمات الهجرة في باكستان عنه في داخل أفغانستان.
إن نسبة الوفيات بين الأطفال بشكل عام تُعد من أعلى النسب في العالم، وذلك لأسباب منها: تدني المستوى المعيشي والصحي والظروف المناخية المختلفة بين باكستان وأفغانستان، حيث إن الأولى مناخها قاري بينما الثانية مناخها جبلي مائل للبرودة، هذا إضافة إلى نقص الخدمات وانتشار الأمراض السارية، وخاصة في فصل الصيف. لذا فإن معدل نسبة الوفيات بين الأطفال من عمر السنة الواحدة تصل إلى ١١.٥٪.
والفقر والجهل لم يقتصرا فقط على مخيمات الهجرة، بل إن الوضع يكاد يكون مشابهًا في داخل أفغانستان، وخاصة في الشمال. ففي ٨/٢/٩٠، نشرت صحيفة "نيشن" عن رويترز أنه جاء في تقرير مسؤول كبير بالأمم المتحدة أن شمال أفغانستان يعاني من مجاعة بسبب الفيضانات صيفًا، والتهام الجراد لمحاصيل الشتاء. وقد باعت بعض العائلات الفقيرة أبناءها للحكومة الشيوعية في مقابل الطعام.
أما عن التعليم، فيكفي أن نعلم أن ٤-٥٪ من أبناء أفغانستان يذهبون للمدارس، وأن هذه النسبة قلت مؤخرًا بعد التحرير بسبب وقف الدعم الدولي وإغلاق كثير من المؤسسات الخيرية لمشاريعها التربوية.
وفي هذا الصدد، يقول البروفيسور سياف في رده على سؤال للمجتمع حول أوضاع الأطفال في أفغانستان: «أطفالنا، لاسيما أطفال المهاجرين والمجاهدين، عانوا كثيرًا من مشاكل الهجرة والجهاد وما إلى ذلك، وأكبر مصيبة نزلت بهم وأكبر خطر بات يتهددهم هو إقفال مدارسهم، حيث إن إمكانياتنا تقلصت وكادت أن تتجمد. فقرابة ألفي مدرسة أُقفلت، من بينها حوالي ٤٠٠ مدرسة تابعة للاتحاد الإسلامي، وكانت تضم مدارس الاتحاد وحدها حوالي مائة ألف طالب، هم الآن جالسون بلا تعليم في بيوتهم. فهذه أوضاع أبنائنا وأحوالهم الحقيقية، وللأسف فإن المسلمين قد تغافلوا عن أوضاعنا ولم يقوموا بمهمتهم تجاه هؤلاء الأطفال من أبناء المسلمين».
كذلك توجهت «المجتمع» للرئيس الأفغاني البروفيسور برهان الدين رباني؛ حيث عقب على مأساة الأطفال في أفغانستان بقوله: «مما لا شك فيه أن الطفل الأفغاني يعاني أكثر من غيره، حيث قلة المواد الغذائية وقلة التعليم وعدم وجود الإمكانيات لرعايتهم. الكثير منهم يموت من البرد شتاءً ومن الحر صيفًا، إضافة للجوع والمرض. ونحن نطلب من الدول الإسلامية بشكل خاص، والدول التي تنادي بحقوق الطفل والإنسانية، أن يهتموا بموضوع أطفالنا وحل مشكلاتهم. ونحن نعاني الآن قلة الوقود والطعام والدمار الاقتصادي، وكل هذا ينعكس بشكل سلبي على سكان أفغانستان، وعلى رأسهم الأطفال».
ويقول السيد نور الله عماد، الأمين العام للجمعية الإسلامية ورئيس اللجنة المنظمة لمجلس شورى أهل الحل والعقد: «إن الأربعة عشر سنة من الجهاد أنهت جميع موارد البلاد الاقتصادية، وجعلت الناس يعيشون حالة فقر مدقع، ولا تكاد تجد عائلة واحدة ليس فيها أيتام وأرامل، والإنسان عاجز عن وصف حالتهم، وخاصة الأطفال منهم. وللأسف حتى الآن لم تستقر أحوالنا حتى نتفرغ لعلاج مشاكل هؤلاء الضعفاء. وحتى المؤسسات التي وقفت إلى جانبنا سابقًا لم تستطع أن تواصل مسيرتها مع هؤلاء الأطفال، فبعضها أغلق والبعض قلص مشاريعه والآخر في طريقه للإغلاق. وبكل صراحة، أطفال أفغانستان يمرون بأحلك الظروف وأصعبها».
ومما تجدر الإشارة إليه أن هناك حوالي ١٥٠٠٠ طفل مازالوا مفقودين، حيث يُعتقد أنهم قد أُرسلوا إلى جمهوريات ما كان يشكل الاتحاد السوفيتي سابقًا لتربيتهم على مبادئ الشيوعية. وفي ١٧/٢/٩٢، استقبل الأستاذ رباني مجموعة من هؤلاء الأطفال؛ حيث عادوا من قزاخستان.
الحديث عن معاناة الطفل الأفغاني حديث صعب ومؤلم، ومهما تحدثنا عن معاناته فإن الواقع أصعب من ذلك. وتبقى هناك تساؤلات عديدة منها: هل حال هؤلاء الأطفال يرضي أمة الإسلام؟ وهل وضع أبناء الشهداء الذين جاهدوا لرفع راية التوحيد وعزة المسلمين يرضي المسلم الغيور على دينه؟ وهل هذا هو وفاؤنا لهم؟ كيف سيكون منهم جندي المستقبل والطبيب والمهندس والعالم والمفكر الذين على أكتافهم ستُبنى دولة إسلامية قوية؟ والسؤال الأهم هو: مسؤولية من هذه؟
وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل