العنوان إفريقيا: الحكام والمحكومون والواقع الإفريقي
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
مشاهدات 67
نشر في العدد 1272
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
The Economist
هناك سؤال لم يتم طرحه على نحو مباشر خلال الاجتماع الذي نظمه كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مؤخرا في بانكوك لبحث أوضاع القارة الإفريقية، لكنه يحتاج الإجابة عنه وهو هل أفاد النظام الديمقراطي متعدد الأحزاب الإصلاحات الاقتصادية في أفقر قارة في العالم أم أعاقها؟، هل يستطيع الساسة الأفارقة مصارحة شعوبهم بحقيقة أن موظفي الحكومات مقبلون على فقدان وظائفهم، وأنه سوف يتدهور مستوى الخدمات وترتفع بعض الأسعار عندما تتحقق موازنة الميزانيات ويتم تخفيض الإعانات الحكومية فهل سيكون بوسعهم مطالبة ناخبيهم بالتصويت لصالحهم في أي انتخابات قادمة.
إن هذا لهو أمر صعب بالنسبة لكل سياسي لكنه أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر ببلد يشهد إجراء أول انتخابات فيه بعد سنوات من حكم نظام الحزب الواحد أو النظام الديكتاتوري، وهو ما كانت تطلبه الحكومات الغربية من الحكام الأفارقة فقد كان الغرب يطالب الحكام الأفارقة بإجراء انتخابات وفي الوقت نفسه يضغط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على هؤلاء الحكام لكي يعملوا على تحرير التجارة والاستثمار وتحريضهم على بيع الشركات التي تملكها الدولة فضلاً عن تعويم عملاتهم المحلية وتخفيض النفقات.
ففي البلدان الإفريقية التي يحكمها حزب واحد قديم يتم تعزيز السلطة السياسية فيها عبر إحكام السيطرة على الاقتصاد وعلى صناعات الدولة .. وعندما أصبحت هذه البلدان مصابة بالجمود وتكالبت عليها الديون، زعمت البلدان الغربية أن المخرج الوحيد لإنقاذ اقتصاديات هذه الدول يكمن في استئصال نظام حكم الحزب الواحد وما يواكبه من توجيه للاقتصاد واستبداله بسياسات أكثر انفتاحاً ومحاسبة وتتيح الازدهار الشركات القطاع الخاص والاستثمار إن هذا الكلام جميل من الناحية النظرية، لكن هناك عدداً كبيراً من البلدان الإفريقية ترى بأن مثل هذا التغيير لا يمكن إحداثه إلا على يد حكومات لم تذق قط مرارة سخط الناخبين عند إجراء الانتخابات، ففي آسيا وأمريكا اللاتينية بدأت الإصلاحات الاقتصادية على يد أنظمة ديكتاتورية أما في القارة الإفريقية حيث توجد أنظمة هشة. فقد أرغمت الحكومات على الشروع في الإصلاحات الاقتصادية والعمل بالنظام الديمقراطي في أن واحد.
وتقوم معظم الحكومات الإفريقية بتنفيذ برامج إصلاح بنيوية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وقد امتزجت التجارب التي عاشتها البلدان الواقعة جنوب الصحراء في مجالي الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي فيما بينها، ولم يكن هناك أيضاً ما يؤيد التوقعات التي مفادها أن الحكومات التي قد تشرع في إصلاحات اقتصادية صارمة سوف يكون مالها السقوط كما لم تصدق مقولة إن بوسع الحكومات الديكتاتورية وحدها إجراء الإصلاحات والحقيقة هي أن الحكومات العسكرية ظلت تشكل أسوا الأدوات لهدم كيانات الدول، وبصفة عامة فإن الحكومات الضعيفة التي تملك أيضاً مؤسسات ضعيفة لم تفعل كثيراً لكي تحدث أي تغيير، وقد النقد الدولي ورد في تقرير صندوق الصادر مؤخراً حول ٦٨ برنامجاً إصلاحياً تم تنفيذها في ٣٦ دولة فقيرة، تنتمي غالبيتها إلى القارة الإفريقية، أن نشوب الاضطرابات السياسية الكبرى، وعدم الالتزام بالبرامج الإصلاحية كانا يمثلان العدو الأكبر لهذه البرامج.
البقاء السياسي والإصلاح الاقتصادي
وعندما واجه الزعماء الأفارقة ضرورة الاختيار بين البقاء السياسي والإصلاح الاقتصادي اثر معظمهم الخيار الأول، وقد علق رئيسا كل من كينيا وغانا برامج الإصلاح الاقتصادي التي كانا ينتهجانها من أجل الفوز في الانتخابات متعددة الأحزاب التي شهدها بلداهما للمرة الأولى في عام ۱۹۹۲م، بل كانا يوزعان النقود كمن يوزع الحلوى فحققا الفوز في تلك الانتخابات لكنهما عجزا عن إعادة اقتصادي بلديهما إلى مساريهما السابقين. وفيما يبدو المثال الوحيد الذي يناقض ذلك، ما حدث للسيد ديجير راتسيراكا في مدغشقر عندما خسر في انتخابات أجريت في عام ١٩٩٢م نتيجة إصراره على المضي قدماً في برنامج إصلاحي من صندوق النقد الدولي والقى منافسوه باللائمة عليه نظراً للآلام التي جلبتها تلك الإصلاحات على البلاد، وقد تجنب الفائز في تلك الانتخابات الإصلاحات الاقتصادية وخسر أمام السيد راتسيراكا في الانتخابات التي أجريت هذا العام.
ولم تثبت بعد الفكرة الراسخة في الأذهان والتي مفادها أن الجمع بين الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي سيجلبان الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، وثمة توافق في الآراء لدى معظم الحكومات، وربما معظم الشعوب الإفريقية . بأنه لا مناص من الإصلاح، لكن هناك شعوراً متزايداً بأن على كل بلد أن يضع الخطة الإصلاحية التي تتناسب والظروف السياسية
والاجتماعية، وأنه لا تصلح صيغة واحدة، سواء بهدف إحراز التقدم الديمقراطي أو النجاح الاقتصادي، لتكون معممة على سائر بلدان القارة الإفريقية، بل ربما تمت أنجح الإصلاحات على يد تلك البلدان التي تملك مؤسسات قوية وتوجد فيها محاسبة صارمة.
وقد شخصت التجربة الأوغندية في هذه المشكلة، وربما قدمت حلولاً لها، حيث إن الرئيس يوري موسيفيني من أكبر مؤيدي الإصلاح الاقتصادي، لكنه لا يرغب في نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب، بل أوجد نظاماً ديمقراطياً فريداً . من نوعه، ممثلاً في مبدأ لا وجود للأحزاب»، وهو نظام يتيح للأفراد المشاركة بصفتهم أفراداً وليس ممثلي احزاب، وقد مكنه ذلك من البقاء في السلطة. وكان أيضاً مصدر ارتياح للدول المانحة لأوغندا. لكن منتقديه يعتبرون اختراعه، هذا مجرد نظام حزب واحد ذي وجه نظيف.
إن غياب الأحزاب يعني غياب الانتقادات داخل البرلمان، ولذلك يتصرف نواب البرلمان في أوغندا وكأن كل عملية اقتراع هو اقتراع حر، وذلك نكاية بالقائمين على الإصلاحات الاقتصادية، فقد قام البرلمان مؤخراً بتعطيل مشروعي قانون رئيسيين في مجال الخصخصة وأيدهما صندوق النقد الدولي بشدة، وقام الرئيس موسيفيني بدعوة النواب المتنفذين إلى مأدبة شاي بهدف إغرائهم للموافقة على تمرير مشروعي القانون المذكورين، ثم اما في نهاية الأمر إلى تسريب إشاعات مفادها انه بصدد إجراء تشكيل وزاري جديد في وقت قريب وأنه قد يعهد ببعض الحقائب الوزارية إلى النواب المتنفذين، وهكذا توصل إلى حل وسط مع هؤلاء النواب، ولا يعتبر موسيفيني أستاذاً في مجال تعليم حسنات اقتصاد السوق، لكن الحيل التي اتبعها قد ساعدت في إنقاذ برنامج الخصخصة في أوغندا وأعادت الثقة أيضاً للمبدأ القائل بأن بالإمكان الجمع بين النظام الديمقراطي وإجراء الإصلاحات الاقتصادية.