العنوان هذه هي المشكلة
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989
مشاهدات 67
نشر في العدد 906
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 28-فبراير-1989
يقول الخبراء بشئون المال والاقتصاد إن رؤوس الأموال العربية التي تعمل في أوروبا وأمريكا تبلغ ستمائة مليار دولار، منها أربعمائة مليار دولار للحكومات، ومائتا مليار للأفراد، كما تصل الودائع العربية إلى مائتين وثمانين مليار دولار، وإن هذه الأموال تتعرض للتآكل نتيجة تقلبات أسعار الأسهم والدولار، وهذا الرأس المال العربي الذي يتعرض للتآكل يتعرض أيضًا للعداء، كما حدث بالنسبة لليبيا عندما اشترت بعض أسهم شركة فيات، وبالنسبة للكويت عندما اشترت أسهم البترول البريطانية أيضًا هذه الأموال معرضة للضغوط السياسية، فلا يبعد أن تجمد عندما يحصل أي خلاف أو توتر كما حصل لودائع إيران في أمريكا، فهل هناك حل لتفادي هذه المخاطر؟
لا شك أن الحل الصحيح بل والواجب أن تستثمر الأموال العربية في بلاد العرب لتعود بالنفع على الشعوب العربية في التنمية، ورفع مستواها الاجتماعي والاقتصادي والعلمي، فهناك مثلًا أرض خصبة واسعة في السودان لو أقيمت عليها مشاريع زراعية بمساهمات عربية لأصبح السودان سلة غذائية للعالم العربي، ويقترح بعض الاقتصاديين من العرب إنشاء سوق عربية، وإنشاء شركات عربية مساهمة وصندوق للاستثمار المشترك على مستوى المنطقة العربية لتعبئة المدخرات نحو مشروعات تخدم المنطقة من حيث توفير احتياجات العالم العربي، وتوفير فرص العمل، وفرص التبادل التجاري، ويتفق الخبراء جميعهم أن المشكلة في سبيل تحقيق ذلك هي عدم الأمان، ولأن المال بطبيعته جبان فلا يدخل إلى منطقة إلا إذا توفر الأمان، الأمان من المصادرات والتأمينات، والأمان من الفساد وخراب الذمم، والأمان من النهب والسلب واللصوصية، والأمان من الفوضى والتسيب، والإخلال بالأنظمة وعدم احترامها، فهل يتحقق هذا الأمان المطلوب، ويسود العالم العربي مبدأ احترام الإنسان، والعدل والنظام، وأن يأمن الناس على أموالهم، وأعراضهم، وحقوقهم المشروعة؟
فإذا كان هناك موظفون فاسدون يتلاعبون بالأنظمة والقوانين، وهناك سلطة غاشمة لا يردعها قانون ولا نظام، ولا تتورع عن مصادرة أملاك الناس باسم التأميم متى شاءت، وكيف شاءت، وهناك سلب ونهب، وفوضى ومحسوبية، وتسيب في المرافق العامة وهناك كذب وغش وخداع وسرقة، وهناك صحفيون وإعلاميون يقلبون الحقائق، ويضللون الناس، ويجعلون الظالم مظلومًا، والمظلوم ظالمًا، تمشيًا مع الهوى، أو بدوافع مذهبية، أو مادية، أو خدمة للجهات المتسلطة، ولا يقولون كلمة الحق إلا إذا صادفت أهواءهم، فكيف والحال هذه ننتظر إصلاحًا وتقدمًا؟ كيف ننتظر وجود أموال للاستثمار؟ فهل أصحابها مغفلون حتى يلقوا بأموالهم في بواليع الأنظمة الفاسدة؟
وتقول الدراسات الاقتصادية إن ديون العالم الثالث في منتصف الثمانينات قد بلغت ألف وخمسمائة مليار دولار، وإنه يوجد في مقابلها حوالي ألف مليار دولار في بنوك العالم الأول في حسابات خاصة بأسماء مسئولين حاليين أو سابقين من بلدان العالم الثالث، وإذا عرفنا أن الدول التي تمنح هذه القروض تصرف جانبًا من هذه القروض على موظفيها الذين ترسلهم للعمل في هذه المشاريع، وتخصم منها أيضًا مقابل الدراسات والمعدات والفوائد التي تأخذها البنوك، فماذا بقي لهذه الشعوب من هذه القروض إذن؟
وعدم الاستقرار، وجو الفساد قد أوجدوا عدم ثقة عند أصحاب الأموال المحلية، فهربت هي الأخرى إلى العالم الأول، إنه لا يشك أحد الآن أن الأنظمة التي قامت عن طريق الثورات والانقلابات، وخلقت عدم الاستقرار في بلدانها، وإنما قامت لمصلحة العالم الأول، والغرض منها أن تكون رؤوس الأموال كلها في بنوك أوروبا وأمريكا، وتستثمر هناك، وليس لشعوب المنطقة التي قامت فيها هذه الثورات أية مصلحة غير البقاء في حالة التخلف.
إن الثوار في البداية يتظاهرون بأنهم شرفاء، وأصحاب مثل عليا، ويحاربون الفساد ثم يصبحون هم الفساد بعينه عندما يتمكنون من السيطرة على كل مرافق الحياة في المجتمع، ويقبضون على معارضيهم يتطلب الأمر لإصلاح فسادهم محاولات أخرى من قبل الشعوب لإزاحتهم، ويدخل الناس في دوامة الصراع وعدم الاستقرار.
إذا أردنا الإصلاح حقًا فيجب أن تكون القيادة لأولئك الذين نشأوا وتربوا على الاستقامة والأمانة والنزاهة من أهل العلم والعمل، لا أهل الوجاهة الفارغة، والثراء المريع، إننا في حاجة إلى الشرفاء حقيقة، والعلماء والمنتجين لإنقاذ المجتمعات، وانتشالها من مستنقعات الفساد والفوضى والتخلف.
إن إسلامنا قد أعلن حربًا شعواء على الفساد، والكذب، والخداع، والنصب، والاحتيال، وأعلن حربًا شعواء على الجهل والكسل، والإسراف والتبذير، وأعلن حربًا شعواء على الظلم والاستبداد والاستغلال، والاحتكار والمحسوبية، ودعا إلى العدل والصدق والإخلاص والأمانة، فأين هم المخلصون؟ وأين هم أهل العدل؟ وأين هم أهل الجد والأمانة في مجتمعات المسلمين اليوم؟ إنهم مقهورون ومدحورون ومطاردون، لأن قيم العدل والاستقامة والأمانة لم تعد سائدة في مجتمعاتنا، بل سادت المحسوبية والفوضى، والتعسف والظلم، وأهل المكر والحيلة اتفقوا مع أهل الغفلة والسذاجة على محاربة هذه العناصر، ويستغلون أدنى هفوة للإجهاز والانقضاض على كل عناصر الخير، ومشاريع الخير فيتحقق لأهل الشر هدفهم في إحداث الإحباط عند العناصر الشريفة، وفي فشل المشاريع المفيدة للمجتمع، فيصفو لهم الجو، ويتمكنوا من الاستمرار في ممارسة الفساد والمنكر.
فالإسلام يطالبنا أن نقف في وجه الفساد ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)، ولا منكر أعظم من الفساد، ولا خير أعظم من الدعوة إلى النزاهة، والاستقامة، ومحاربة الفساد، ولا معروف أعظم من العمل في سبيل نشر العلم، ورفع المعاناة عن الفقراء والمحتاجين والمعوزين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل