العنوان هل كان للمسلمين دور في تغيير الحكم؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 946
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 19-ديسمبر-1989
أوصلت الانتخابات العامة التي أجريت في الهند راجيف غاندي من كرسي رئاسة الحكومة إلى زعيم المعارضة في البرلمان المكون من (٥٢٥) نائبًا بعدما مني «حزب المؤتمر الوطني» بهزيمة منكرة في معظم الدوائر الانتخابية، وفقد عددًا كبيرًا من المقاعد، وأصبح غير قادر على تشكيل الحكومة، وهكذا انتهى حكم آل نهرو الذي ظل محتفظًا به بشكل عام منذ استقلال الهند، وكان يعتبر نفسه مثل الأسرة المالكة والمتفردة بالسلطة في شعب يبلغ عدده أكثر من ثمانمائة مليون نسمة، ودولة تأتي بعد الصين مباشرة في كثرة عدد السكان.
لقد مني حزب المؤتمر الوطني في الهند بالهزيمة؛ بسبب غدره للمسلمين والتغاضي عن حقوقهم ووقوفه مع الهندوس الحاقدين في تنفيذ عملية القتل والإبادة التي نالت استهجانًا واستنكارًا من كافة الأوساط المحلية والعالمية، وإلا كان المسلمون يعتبرون أوفياء تقليديين للحزب الحاكم، وتكاد تتفق آراء المحللين السياسيين الهنود والأجانب إلى أن أصوات المسلمين هي التي كانت حاسمة في طرد حزب غاندي من السلطة، ومما يؤكد ذلك:
1- الاعتراف الواضح والصريح من قبل غاندي وعدد من أعوانه بأنه ارتكب خطأ فادحًا بالتغاضي عن الأقليات؛ وذلك بسبب عدم إدراكه لأهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه تلك الأقليات في تغيير مجرى الأمور.
2- تصريح أمين حزب التحالف الحاكم رام ولاباسواف الذي فاز بأغلبية خمسمائة ألف صوت على منافسيه، وكان أكثر النواب على الإطلاق في الحصول على الأصوات: «أني لا أشعر بأية غضاضة في الاعتراف بأن فضل نجاحنا يرجع إلى الأقليات وإلى المسلمين بصفة خاصة؛ فإنهم صوتوا لصالحنا بحماس، وفي ولاية بيهار حصل حزب التحالف على (١٠٠%) من أصوات المسلمين.
3- توجه رئيس وزراء الهند الجديد بعد أداء اليمين الدستورية إلى المسجد الجامع في دلفي، والاجتماع بالشيخ عبدالله بخاري إمام المسجد، وشكره على تأييد المسلمين ومساندته للحزب الحاكم الجديد كزعيم سياسي وقائد بارز للمسلمين.
4- تسليم حقيبة وزارة الداخلية لأول مرة في تاريخ الهند إلى رجل مسلم أيضًا دليل على أن الحكومة الجديدة مدينة للمسلمين، وتدرك مدى دورهم في تغيير مجرى السياسة في الهند.
هذه هي بعض الأدلة على أن أصوات المسلمين في الهند كانت ذات أهمية بالغة في خلق وضع سياسي جديد في الهند، وكتبت مجلات هندية وبريطانية عديدة بأن محاولة راجيف غاندي لاستخدام ورقة الهندوس في الانتخابات وانضمامه إلى تأييد المتطرفين الهندوس، والذي أدى إلى إحداث مجازر رهيبة في صفوف المسلمين كانت سببًا مباشرًا في هزيمة حزب المؤتمر الوطني، فلولا موقف راجيف غاندي المعادي للمسلمين في قضية تحويل بعض مساجد المسلمين إلى معابد هندوسية، وكذلك المجزرة الكبرى في مدينة بها كلبور قبل أيام من الانتخابات؛ لما تمكنت أحزاب المعارضة في تنحية غاندي عن السلطة، وأن راجيف غاندي لم يكن موفقًا في تقدير الأمور حينما أوحى إليه أعوانه بأن وقوفه مع التيار الهندوسي الجارف يضمن له نجاحه في الانتخابات، فقد خاب ظنه لأن المتطرفين من الهندوس اختاروا الأحزاب اليمينية الأخرى أكثر تطرفًا، وأدرك المسلمون بأن وفاءهم لحزب المؤتمر الوطني لم يجلب لهم طوال أربعين سنة الماضية سوى المآسي والويلات، وقد جازتهم الشرطة النظامية بالقتل والإبادة.
مجازر وحشية ضد المسلمين:
يقشعر الإنسان حينما يشاهد من مناظر الأعمال الوحشية التي ارتكبتها الشرطة والجناة من الهندوس، وقد نشرت صور كثيرة في مجلات تصدر في الهند أو في الخارج من بينها:
- امرأة حامل حاصرها الغوغائيون من الهندوس، وهي تحاول أن تنقذ نفسها من الموت الماثل أمام عينيها؛ إذ يقوم أحد الذئاب بالضرب على بطنها بفأس فيسقط الجنين، وتلفظ هي أنفاسها أمام حشد هائل.
- أسرة مكونة من سبعة أشخاص تذبح على أيدي الهندوس وحتى الطفل الذي لم يبلغ من العمر سنتين تشاهد جثته مع أفراد أسرته.
- يقوم المتطرفون بإيقاف القطار السريع، ويذبح ما يزيد عن ستين مسلمًا بينهم شيخ هرم، وشاب في مقتبل العمر وفتاة في عمر الزهور وأطفال تتراوح أعمارهم بين ست وعشر سنوات.
- تقوم الشرطة بجمع أكثر من مائة شخص في حوش كبير، وتشرف على عملية الذبح واحدًا تلو الآخر مثل الأبقار والخراف، بل بقوة أكثر وتعذيب أشد.
- بيوت تشعل فيها النيران، ويرغم أهلها على البقاء فيها حتى يتحولوا إلى رماد.
وفي كل يوم تنشر مجلات الهند وجرائدها مشاهد جديدة ومناظر مروعة، وهناك كشوفات شاملة للقتلى والجرحى، ومن يملك قوة التحمل فليقم بزيارة للمخيمات التي لجأ إليها من فقد زوجته وأولاده، ومن أصبح يتيمًا، ومن هو مقطوع الأيدي ومبقور البطن، مشاهد لا يمكن أن ينظرها الإنسان مهما كان قاسيًا، إلا وتذرف الدموع من عينيه.
وشوهد ضابط سيخي في المستشفى يضع يده على رؤوس الأيتام ويقول: «الآن هؤلاء أولادي»، ومازال يكتشف في كل يوم جثث جديدة مدفونة في القبور الجماعية أو ملقاة في البرك والأحواض والآبار المهجورة في مدينة بها كلبور وضواحيها.
وقد أعلنت السلطات الهندية الجديدة اكتشاف (٩٣) جثة معظمهم من النساء والأطفال في حفرة قام الهندوس بعد ذبح المسلمين رجالًا ونساء بدفنهم فيها، وهناك عدد هائل منهم اعتبروا في عداد المفقودين؛ حيث تم إلقاء جثثهم في نهر «كنكا» الشهير أو إحراقهم بالكامل.
حدث كل ذلك ونقلته بعض أجهزة الإعلام العالمية والهندية، ولم يحرك ساكنًا في العالم العربي والإسلامي، وهل كانت لجان حقوق الإنسان قادرة على أن تلتزم الصمت لو قتل أطفال اليهود والنصارى بهذا العدد الهائل؟ أما المسلمون فلا رحمة بهم.
وكانت نتيجة طبيعية لهذه الأحداث وما نتج من مخاوف عن سياسة حكومة غاندي في قضية المسجد البابري الحساسة تجاه مستقبل المسلمين في الهند، فترك المسلمون حزب المؤتمر الوطني في الولايات الشمالية، وصوتوا لصالح أحزاب أخرى، مما أدى إلى سقوط غاندي.
أما ولايات الهند الجنوبية فقد صوتت لصالح حزب المؤتمر؛ لأنها تخاف من الأحزاب الهندوسية اليمينية، إنها تقوم بفرض اللغة الهندية عليها، وهي غير مقبولة في الجنوب إطلاقًا، أما أصوات الأقليات الأخرى فلا شك أن طائفة السيخ كانت ضد حكومة حزب المؤتمر الوطني، ومما ينبغي أن يسجل أن المتهم بتخطيط اغتيال رئيسة وزراء الهند السابقة وزوجة القاتل فازا بأصوات كثيرة، وأصبحا من أعضاء البرلمان.
الحكومة الجديدة:
الحكومة الجديدة في الهند ليست قوية، وربما لا يضمن لها البقاء فترة طويلة؛ غير أنها اتخذت خطوات عملية لنزع فتيل التوتر الطائفي بين المسلمين والهندوس، وحماية الأقليات مسلمة كانت أو غير مسلمة، فقد أنيطت وزارة الداخلية -وهي حقيبة حساسة وبالغة الخطورة- إلى رجل مسلم من أصل كشميري، كان قدم استقالته من حزب المؤتمر الوطني بعد مجزرة حدثت في مدينة ميرت قبل عامين، وهذه هي خطوة جريئة من قبل رئيس وزراء الهند الجديد، وفي خطوة مماثلة قام بزيارة المعبد الذهبي لطائفة السيخ الذين يحاولون إنشاء دولة خاصة بهم، ويتميزون بروح البطولة.
- نعم كان للمسلمين دور واضح في سقوط الحكومة الهندية وتغيير الحكم
ولا شك أن أرض الهند مزروعة بألغام الطائفية، وأن هناك قنابل الحقد الموقوتة قابلة للانفجار بأدنى تصرف غير عاقل، وسوف تكون الضحية هم المسلمون لأسباب عرقية وسياسية ودينية كثيرة، وأن الأيام الحالية التي تمر بهدوء هي محل اختبار للقادة الجدد، وإلا فسوف يأتي التغيير سريعًا، وتشهد أرض الهند اشتباكات أهلية بين أهل الديانات والطوائف المختلفة.
المسلمون في البرلمان الهندي الجديد:
يبلغ عدد المسلمين من أعضاء البرلمان الحالي (٣٣) نائبًا، بينما كان في البرلمان الماضي (٤٣) نائبًا، وأن جميع المسلمين الذين رشحوا أنفسهم من قبل حزب المؤتمر الوطني في الولايات الشمالية فشلوا، ولم ينجح منهم إلا اثنان.
وهؤلاء النواب سواء كانوا في الحزب الحاكم أو المعارضة بإمكانهم أن يتخذوا موقفًا قويًا، غير أن معظمهم لا يحمل أدنى غيرة تجاه دينه وأمته، ويرى نهاية طموحه في الوصول إلى منصب الوزارة أو الحصول على العضوية في البرلمان، ومما تؤكده تجارب الأحداث الطائفية أن الهندوس لا يفرقون بين من هو ملتزم بدينه ومن هو علماني يفضل موقعه السياسي على مصالح أمته؛ فقد قتل عشرات من الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مأمونين في أحضان الهندوس، لذا يجب أن يعودوا إلى رشدهم.
- التهديدات التي تواجه المسلمين في الهند تجعل المراقب الإسلامي متشائمًا بشأن مستقبل إخوانه
المسلمون في ظل الحكومة الجديدة:
ومن الواضح أن المخاطر لم تنته بتغيير الحكومة، وأن الذئاب لم يتحولوا إلى بشر، وأن خطط المتطرفين من الهندوس وسياستهم تغيرت بين يوم وليلة، فما زالت منظمة «شيوشينا» الهندوسية المتطرفة تنادي بتعكير الصفو، وإعادة الكرة ورئيسها الإرهابي «بال تهاكر» تهدد من بومباي باستخدام أبشع الأساليب لمحاربة المسلمين، ويطالب بإزالة مكبرات الصوت عن مساجد المسلمين حتى لا يسمع صوت الأذان، كما أن الأمين العام لحزب بهارتيه جاناب رتي يبدي تصميمه للمضي قدمًا في بناء المعبد الهندوسي ابتداء من ٢٧ يناير ۱۹۹۰، ويهدد بالنتائج الوخيمة إذا حالت الحكومة الجديدة دون هذا المشروع، ومن المعروف أن الحزب المذكور يتبنى خطة شاملة ضد المسلمين، ويطالب:
1- إقامة الحظر على ذبح الأبقار، وإرغام المسلمين على عدم تناول لحوم الأبقار.
2- إلغاء المادة رقم (٣٧٠) من الدستور الهندي التي تنص بوضع خاص لولاية جامو وكشمير.
3- تطبيق القانون المدني الموحد، وإرغام الأقليات على قبوله، وإجبار المسلمين على ترك القوانين الإسلامية عن الأحوال الشخصية.
4- منح اللغة السنسكوتية صفة رسمية، وهي لغة الكهنة من الهندوس، وتوجد فيها كتب الديانة الهندوسية.
في ظل هذه التهديدات لا ينبغي أن نتفاءل كثيرًا عن مستقبل المسلمين في الهند، غير أن التغيير الحالي في السلطة منحهم نوعًا من الثقة بأنفسهم، كما أن جميع الأحزاب السياسية أدركت من نتائج الانتخابات العامة أن التغاضي عن أصوات المسلمين ليس من صالحها، وأن المسلمين بعددهم الهائل -مع كونهم أقلية- يشكلون قوة لا يستهان بها.
وهذه فرصة كبيرة للمسلمين لتوحيد صفوفهم والتصميم لمستقبلهم، وهناك سبل كثيرة للخروج من المأزق، واستخدام العقل في تحويل المعركة من المسلمين إلى الطبقات الأخرى كالمنبوذين من الذين يثنون من ظلم طبقة البراهمة الارستقراطية، وكالسيخ الذين أقاموا مثالًا للبطولة من أجل الحصول على حقوقهم ودرء المخاطر عن أمتهم، فإن استمر المسلمون في غفلتهم فسوف يضطرون إلى دفع ثمن باهظ لهذه الغفلة.