العنوان إدارة بوش تعيد سباق التسلح بتبنيها مشروع الدفاع الصاروخي
الكاتب رائدة شبيب
تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2001
مشاهدات 65
نشر في العدد 1448
نشر في الصفحة 44
السبت 28-أبريل-2001
حسمت حكومة بوش أمرها لصالح تنفيذ مشروع الدفاع الصاروخي القومي (National Missile Defence, NMD) والذي ترتكز فكرته على أن تكون الولايات المتحدة، قادرة على الفوز في صراع أو حرب ما في أي مكان من العالم دون مجازفة أو مخاطرة .
وفرض وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد في مؤتمر الأمن الذي عقد في المانيا في 4/2/2001م هذا القرار بكلمة حاسمة، ووضع الأوروبيين والروس والمجتمع الدولي أمام الأمر الواقع. صحيح أن المسؤولين الأمريكيين الذين تمثل بلادهم أكبر قوة نووية وعسكرية في العالم ، عرضوا على حلفائهم إمكان الحوار في الموضوع لكن هدف الحوار يقتصر على إقناعهم بالمشروع لا لفسح المجال لإيجاد حل يرضيهم، ومن هنا لا يبقى سوى السؤال عن الأبعاد المحتملة لتنفيذ المشروع الدفاعي الأمريكي ومدى تأثيره على نظام الأمن العالمي.
بين الفكرة والتطبيق:
كان الإعلان عن إقامة نظام دفاع صاروخي أمريكي متوقعًا منذ وقت طويل، ففي عهد الرئيس الأسبق ريجان وضع مشروع متكامل للدفاع الصاروخي باسم «مبادرة الدفاع الاستراتيجي (Strategic Defence Initiative, SDI) شاع تعريفه باسم حرب النجوم، وهو مشابه للمشروع الحالي (NMD). وكان هدفه في ظل الحرب الباردة حماية الولايات المتحدة من هجمات صاروخية سوفييتية محتملة.
تغير الوضع الآن، وتجاوز العالم الحرب الباردة، ووقعت تغييرات عديدة، لكن الذي لم يتغير هو اتجاه الاستراتيجية العسكرية الأمريكية كان الرئيس السابق كلينتون قد صرف النظر عن نظام دفاعي استراتيجي شامل وواسع النطاق واختصره على نظام إقليمي وتكتيكي مضاد للصواريخ، كما وضعت خطة لنظام قومي للدفاع الصاروخي. وفي هذه الأثناء أصبح المشروع جزءًا من الاعتقاد السياسي الأمني لدى الحزب الجمهوري الذي كان خارج السلطة )، وفي سنة١٩٩٨م قدمت لجنة رامسفيلد. وكان يرأسها وزير الدفاع الحالي - تقريرًا بالمبررات الضرورية لتطبيق المشروع. وتوصل التقرير إلى نتيجة تقول إن الولايات المتحدة يمكن أن تتعرض لتهديدات من جانب دول مثل كوريا الشمالية وإيران وعلى اساس التحليلات المختلفة للتحديات الجديدة أصدر الكونجرس عام ۱۹۹۸م وبأغلبية كبيرة القانون الخاص بدرع الصواريخ الذي ينص علي أن تنشئ الولايات المتحدة نظامًا فعالًا مضادًا للصواريخ عندما تتوافر الإمكانات الفنية والمالية.
ووقع كلينتون هذا القانون في يوليو ١٩٩٩م وأعلن عن اتخاذ قرار نهائي بشأنه في منتصف عام ٢٠٠٠م، لكنه لم يفعل وترك القرار لخلفه وبعد فشل معظم التجارب لفحص فاعلية الدفاع الصاروخي من أهم أسباب تأخير تنفيذ المشروع في موعده المقرر إلا أن الجدل الكبير الذي أحاط بالمشروع . سواء على المستوى الداخلي أو الدولي أدى إلى تردد كلينتون في اتخاذ قرار
ولا تقتصر حجج معارضي النظام الدفاعي الجديد على نتائج التجارب السلبية التي تشكك بقدراته وفاعليته، إنما تشمل أيضًا مشكلاته الفنية وتكاليفه الهائلة والشك في ضرورته الفعلية وأثره السلبي على العلاقات الخارجية.
العرض الأول في ميونخ - دون تصفيق:
على الرغم من التعقيدات والمشكلات المحيطة بالمشروع، فمن المثير للدهشة تلك الجرأة والثقة العالية بالنفس التي ظهر بها وزير الدفاع الأمريكي وهو يعلن في منتدى الأمن الدولي الذي عقد في ميونخ في فبراير الماضي عن قرار تنفيذ مشروع النظام الدفاعي، أمام المتخصصين الدوليين والسياسيين العاملين في مجال الأمن، ذلك الجمهور لم يرحب بالمعزوفة العسكرية الأمريكية بل صدرت ردود فعل ناقدة وغاضبة ورافضة وفي سياق المناقشات تبين أن الولايات المتحدة قد هيأت ردها على ما جاء من تعليقات وتمكنت من دفع الاحتجاجات بسهولة، وبوقاحة أحيانًا كما تبين أن الأوروبيين كانوا يحاولون أن يتعاملوا مع الطريقة الأمريكية بحذر وتردد وبنوع من الارتباك، وأن الروس يطلقون تهديدات تفوق إمكاناتهم.
تفتقر المداولات إلى أساس ثابت على شكل دراسة شاملة مثلًا حول تأثير التوجه الجديد للسياسة الخارجية والرغبات العسكرية الأمريكية على النظام الدولي، بما يتيح للحكومات أن تحدد موقفها .
والإدارة الأمريكية نفسها تستخدم هذا الأسلوب، فتعتمد في تصريحاتها مثلًا على نتائج أبحاث لجنة رامسفيلد، وعلى تقارير أخرى بما فيها تقرير أصدرته المخابرات المركزية قبل عامين يدرس الأخطار المحتملة على الولايات المتحدة من صواريخ بعيدة المدى في السنوات القادمة. وتتعلل أمريكا بذلك لتظهر حاجتها الماسة لحماية نفسها من خطر من قبيل إطلاق صاروخ دونما قصد من جانب روسيا أو الصين أو لردع تهديدات محتملة بأسلحة الدمار الشامل ممن تطلق عليهم وصف الدول المارقة، ومنها إيران وكوريا الشمالية.
أبعاد عالمية للمشروع:
يقول كيسنجر، مستشار حكومة بوش ووزير الخارجية الأسبق إنه ليس لأي دولة أن تطلب منا البقاء معرضين للإصابة المطلقة، بالطبع لا أحد يفعل ذلك وإنما يتساءل الجميع ما إن كانت التهديدات الأمريكية المزعومة هي حقًا بذلك الحجم والخطر الكبيرين، وبما يجعل أكبر قوة عسكرية في العالم معرضة للإصابة المطلقة، إن بقيت دون نظام شبكة الدرع الدفاعي من الصواريخ ثم يأتي السؤال عما إذا كانت ضرورة هذا المشروع كبيرة إلى درجة تبرر القبول بنتائج سلبية محتملة على نظام الأمن الدولي، وتحديدًا على جوانبه التالية:
رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي الحالي تبنى المشروع داخل الحزب الجمهوري قبل ثلاث سنوات.. وهو الآن في البنتاجون لتطبيقه.
المشروع ينتهك معاهدة الحد من الأسلحة المضادة للصواريخ التي وقعتها واشنطن مع موسكو ويسعى لتحقيق الأمن لأمريكا وحدها.
1-على مستوى النظم الدولية لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل:
يتميز النظام الأمني الدولي منذ نهاية الحرب الباردة في أبعاده الأمنية والعسكرية بتوجه نحو حظر الأسلحة المتطورة وعدم انتشارها، وبخاصة مراقبة الأسلحة النووية وتقصر الاتفاقية الدولية الأولى لحظر انتشار الأسلحة النووية - التي سرى مفعولها عام ۱۹۷۰م. حق امتلاك الأسلحة النووية وصناعتها على الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، وتوجب عليها نزع أسلحتها النووية وعدم نشرها . أما الدول غير النووية فتتعهد بعدم حيازة أسلحة نووية أو تصنيعها، وهي ملزمة أيضًا بالخضوع لرقابة وكالة الطاقة النووية " الدولية ومن ثم أبرمت بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحاد السوفييتي أنذاك اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية البعيدة المدى (1 START and all بهدف التوصل إلى نزع شامل لهذا النوع من الأسلحة.
ومن أهم اتفاقيات الحد من الأسلحة الخطيرة معاهدة الحد من الأسلحة المضادة للصواريخ العابرة للقارات (ABM) التي أبرمت بين واشنطن وموسكو في عام ۱۹۷۲م، ومن شأنها حظر نشر نظام دفاع صاروخي شامل على مستوى وطني، وتسمح فقط لكل من الطرفين بإقامة موقعين محددين داخل حدودهما للحماية من الصواريخ وبالتالي تمنع هذه المعاهدة استخدام مركبات فضائية لنظام دفاعي مضاد للصواريخ. وهنا تتمحور المشكلة الأساسية لنظام الدفاع الصاروخي الأمريكي، فالمشروع المضاد للهجمات الصاروخية لا ينسجم إطلاقًا مع الهيكل الأساسي لمعاهدة (ABM) ومحتواها، حيث إنه ينصب حجابًا أمنيًا ضد الصواريخ بما يغطي ٤٥الأراضي الأمريكية بأكملها، كما أنه يعمل خارج نطاق الغلاف الجوي للكرة الأرضية ويعتمد على الأقمار الصناعية.
وهذا بالتالي ما يرغم الولايات المتحدة على إيجاد حل لتلك المعاهدة قبل تنفيذ المشروع، إما بإلغائها بموافقة موسكو أو من جانب واحد أو بتعديل بنودها بموافقة الطرفين، وبما يجعلها تفقد قيمتها من حيث فكرتها الأساسية فالغرض من المعاهدة هو منع تحصين القوى الكبرى من الأسلحة بعيدة المدى، بما يحد من تجرؤها على الإقدام على توجيه الضربة الأولى. ولهذا تتمسك روسيا بأن الولايات المتحدة انتهكت معاهدة ABM وتشير إلى أن هذه المعاهدة تمثل حجر الزاوية للاستقرار الاستراتيجي. ويحذر سكرتير مجلس الأمن الروسي من أن البناء قد ينهار من جراء انتهاك تلك المعاهدة.
وقد قامت روسيا بتجهيز الحفارة للبدء من جانبها أيضًا بتدمير البناء الأمني الدولي، كرد على القرار الأمريكي وذلك بالتخطيط لزيادة نفقاتها العسكرية وتحديث قدراتها على الردع النووي.
يعمل الجيش وموظفو مجلس الأمن الروسي على ما يسمى بجواب عكسي معادل للخطط الدفاعية الأمريكية.
يهدد الرئيس الروسي بوتين بأن بلاده سوف تخرق جميع المعاهدات القائمة المراقبة التسلح بما في ذلك معاهدات START في حال أن واشنطن تستغني عن معاهدة ABM من طرف واحد. وتتبع بكين خطی موسكو بالإعلان عن توسيع ترسانات أسلحتها. ويعبر الأوروبيون عن قلقهم إزاء سباق تسلح جديد لكن رامسفيلد سرعان ما اعترض على هذا القلق بخشونة قائلا إنه ليس سوى بقايا الحرب الباردة، كما رفض مناقشة هذه المخاوف.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول أن تهون من شأن خطورة الدفع بنشاط تسلّحي وعسكري جديد على مستوى عالمي، لأنها تعتمد على معاناة غيرها، مثل روسيا من مشكلات اقتصادية ومالية، والأولى بواشنطن أن تعيد النظر في أبعاد توجهها الانفرادي الجديد في سياستها الدفاعية والأمنية ... فهناك انتهاك لاتفاقية دولية وتعليل الانتهاك بأن الوضع لا يناسب المصالح الأمريكية الخاصة أو بحجة أنها معاهدة قديمة هذا التعليل قد يدفع روسيا ودولًا أخرى للتخلي عن التزامها بتلك المعاهدات، وقد تميل أيضًا إلى خرق اتفاقيات أخرى، مما يؤدي إلى وضع سلبي ومعقد في العلاقات الدولية.
والأولى بالولايات المتحدة ألا تخاطر باتفاقيات الحد من التسلح التي أبرمت بعد المفاوضات سلسلة من الصعبة فحتى لو كانت الإدارة الأمريكية تعد بالتمسك بمعاهدات الحد من التسلح النووي، فإن ذلك لا يضمن أن تتبعها الدول النووية الأخرى في ذلك. فالصين وروسيا تخشيان من أن النظام الدفاعي الجديد يستهدف تحييد ترسانتي أسلحتهما النووية وقوتهما العسكرية، ولهذا ترسلان إشارات تحذيرية برفع عدد صواريخهما وتطويرها للحفاظ على التوازن الاستراتيجي في نظام عالمي متعدد الأقطاب
تعارض الولايات المتحدة تشكيل قوة أوربية للتدخل السريع بدعوى انها تحرك خارج حلف الأطلسي.. وفي الوقت نفسه تسعى لتنفيذ مشروع الدفاع الصاروخي دون مشاركة اوربا
2-على مستوى الأبعاد الإقليمية:
استئناف التسلح الصيني، كنتيجة للإصرار على تنفيذ خطط الدفاع الصاروخي الأمريكية يزيد من الأزمة الأمنية في شرق آسيا، ويعرض دول الإقليم التي تتميز بمستوى عال نسبيًا من التسلح إلى خطر متزايد. وتتخوف بكين من إن برنامج الصواريخ الدفاعي، سوف يتفوق على ترسانتها الصاروخية، وبذلك يعرضها لإجراءات ردعية من جانب الولايات المتحدة لفرض سياستها الخاصة بتايوان البلد التي تطالب الصين بالسيادة عليه.
وبالنسبة إلى الشرق الأوسط يُخشى من أن التقنيات الحديثة التي تطورها الولايات المتحدة قد تنقل إلى الكيان الصهيوني في وقت قريب. والجدير بالذكر أنه سبق أن أعانت واشنطن تل أبيب على إنشاء نظام مضاد للصواريخ خاص بها، بمساعدات مالية ضخمة تصل إلى حوالي بليون دولار وبمساعدات فنية رامية إلى تمكينها من التفوق على دول المنطقة. وهذا الأمر سيزيد رغبة دول المنطقة . في التسلح والتطوير إذ رغم انخفاض النفقات الدفاعية الإجمالية على المستوى العالمي يبقى الشرق الأوسطية منطقة تسلّح وتثبت تل أبيب أنها لا تتردد في استخدام أسلحتها الخطيرة وصواريخها وخاصة أنها محمية وراء نظام دفاعي مضاد للصواريخ، وهو فوق ذلك قابل للتطوير بمساعدة الدولة الحليفة العطوفة.
3-على مستوى العلاقات بين دول الشمال والجنوب:
لنفرض أن الولايات المتحدة تحقق إرادتها وتقنع الصين وروسيا والأوروبيين بمشروعها، ثم تشجعهم على القيام بمشاريع مشابهة لحماية بلدانهم، فذلك يمكن واشنطن من تنفيذ نظام الدفاع الجديد دون انتهاك أي معاهدة أو إزعاج للقوى الكبرى ولكن ذلك ينعكس سلبيًا على علاقات الشمال والجنوب، فالإحصائيات تشير إلى أن هناك اتجاهًا عامًا إلى ركود النفقات الدفاعية في دول الجنوب، لأسباب عدة أبرزها:
أولًا : بعد انتهاء الحرب الباردة أجريت محاولات عدة لتسوية النزاعات بالطرق الدبلوماسية وأكثرها كان ناجحًا.
ثانيًا : قام مجلس الأمن الدولي بفرض عدد من العقوبات الشاملة وإجراءات الحصار لمنع التسلح لأسباب مختلفة عن بلدان نامية بما في ذلك العراق الذي كان أكبر مستورد للأسلحة في العالم الثالث.
ثالثًا : ضعف القدرة الشرائية جراء الأزمات الاقتصادية والمالية التي أصابت العديد من البلدان منذ الثمانينيات الميلادية
رابعًا : ربط الدول الصناعية مساعداتها الإنمائية المخصصة للدول النامية بشرط تخفيض التسلح
هذه التطورات أدت إلى توسع الفجوة بين دول الشمال والدول النامية من ناحية عسكرية وأمنية وفي هذا السياق فإن تنفيذ مشروع الحماية من الصواريخ في الولايات المتحدة، وربما في دول صناعية أخرى قد يثير الإحساس بالخضوع
والعجز بين الدول النامية، ويؤدي إلى المزيد من التهميش وإلى إبعاد هذه الدول عن قضايا الأمن وهذا مما يزيد التوتر بين الشمال والجنوب.
ويزيد الأمور تعقيدًا، أن إقامة حماية شاملة من الصواريخ فوق أراضي الدول الصناعية يسهل فرض العقوبات أو القيام بعمليات انتقامية ضد الدول الأضعف، لأنها تأمن من الانتقام
ويبقى أمام الدول الضعيفة خيارات محددة:
الاستسلام للأمر الواقع .
ربما تركز بعض الحكومات على جهود تتناسب مع إمكاناتها، مثل المحاولات الرامية إلى الحصول على أسلحة غير متعارف عليها للقيام بحروب صغيرة، أو للتشويش على النظام الدولي القائم.
ومن المحتمل أن تحول الدول ذات الإمكانات المالية والعسكرية الأفضل جهودها الدفاعية من القوات والأسلحة التقليدية المعروفة إلى عمليات التطوير والتحديث، كما تسعى لشراء أسلحة الدمار الشامل النووية والكيماوية والحيوية أو تصنعها، ربما بنفقات مالية أقل. وبالفعل سجلت . السنوات الماضية تزايد أخطار نشر أسلحة الدمار الشامل وتقنياتها وكيفية تصنيعها فحسب مؤشرات مؤسسة الأمن والسياسة الألمانية هناك ٣٢ دولة - عدا الدول الخمس النووية الرئيسة . تمتلك حاليًا صواريخ بعيدة المدى، و ١٣ دولة من بينها قادرة على صناعتها دون مساعدة خارجية وعلاوة على ذلك تساعد الصين وروسيا بعض الدول مثل باكستان وسورية وإيران على تصنيع صواريخ بعيدة المدى.
إن السياسة الاستفزازية الأمريكية تجاه بعض الدول والتأييد المتحيّز لدول أخرى على حساب أمن واستقرار مناطق عديدة في العالم كما في - حالتي تايوان والكيان الصهيوني، تنطوي على أعمال تسمم المناخ العالمي وتنعكس في شكل مواقف معادية للأمريكيين وهنا تلجأ واشنطن. كان البداية لم تكن بيدها - إلى أساليب وخطط للدفاع الذاتي مثل الإصرار على تنفيذ NMD وتتابع بذلك الحلقة المفرغة، إذ يؤدي ذلك إلى مزيد من العدوان وعدم التوازن وافتقاد الاستقرار على الساحة الدولية وخاصة في الأقاليم المضطربة اصلًا
٤ - العلاقات بين جانبي الأطلسي :
أدى الإعلان عن تنفيذ الخطة الدفاعية الأمريكية المضادة للصواريخ إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين الأوروبيين والأمريكيين. وهناك إشارات متجددة إلى سياسة انعزال أمريكية متواكبة مع أفكار قومية وتصرفات انفرادية تثير القلق وتضاعف الصعوبات عند الأوروبيين على صعيد الأسلوب المناسب للحوار مع الأمريكيين. وينعكس التعالي الأمريكي حتى تجاه الحلفاء والأصدقاء على الجانب الآخر من الأطلسي في تصريح ساخر لهنري كيسنجر يقول: إن الأوروبيين يلتمسون الحوار اللازم حول NMD وكأنهم في زيارة عند طبيب الأسنان. وربما يشير إلى التردد والحذر الأوروبي تجاه مناقشة الأمر الواقع، الذي وضعوا أمامه
وإضافة إلى ذلك تضع الإدارة الأمريكية قيودًا على الحوار، حيث توضح أنه لا نقاش حول السؤال ما إذا كانت الخطة مناسبة أم لا، وإنما فقط حول متى وكيف تنفذ. وبالتالي فإن تحويل أولوية الدفاع الاستراتيجي الأمريكي من الدفاع الجماعي ضمن حلف الأطلسي إلى نظام دفاعي خاص بها أشعل إشارات الخطر عند الأوروبيين من أن يفقد منهج التحالف الجماعي الممثل في حلف الأطلسي فاعليته نتيجة انفراد أحد الأطراف بتحركاته العسكرية.
ومن جانب آخر فإن الولايات المتحدة تعارض خطط الاتحاد الأوروبي تشكيل قوة تدخل سريع وتعتبرها خطرًا على ترابط الحلف الغربي والدور الأمريكي فيه. وتعتبر واشنطن أن المبادرة الأوروبية المستقلة للدفاع أمرًا مزعجًا وغير مقبول، وتثير الجدل حول صناعة القرار داخل الحلف، بل تحذر من أن يؤدي إلى شل الحلف، والواقع أن الانزعاج الحقيقي ناجم عن أن واشنطن لا تتقبل فكرة التنازل عن شيء من سلطانها لصالح أوروبا مستقلة وأقوى من ذي قبل.
وانطلاقًا من مبدا الهجوم خير وسيلة للدفاع، يستخدم الأمريكيون موضوع قوة التدخل " لأوروبي رهانًا للحوار حول الدفاع الصاروخي.
ويلقي موضوع إصرار الولايات المتحدة على تنفيذ برنامج الدفاع المضاد للصواريخ الضوء على الأسلوب الذي تتبعه الإدارة الأمريكية في التعامل مع حلفائها، كما يطرح السؤال حول نتائج الاستمرار في هذا الأسلوب على مستقبل العلاقات بين جانبي الأطلسي بشكل عام، وعلى. مستقبل الحلف بشكل خاص. ومن الواضح على جميع الأحوال أن النموذج الراهن للتعامل وتوزيع الصلاحيات كما كان معتادًا بين الأوروبيين وواشنطن أصبح على طريق التغيير.
وفي الختام فإن الولايات المتحدة تطمح إلى استغلال أكبر قدر ممكن من التقنيات الحديثة الثورية، والاستفادة منها في مجالها الأمني والدفاعي ولكن سعيها إلى الترفع والسيطرة المطلقة على العالم يشكل إزعاجًا على التوازن والاستقرار في العلاقات الدولية. وإن تحديث وتطوير إمكاناتها العسكرية والدفاعية وتوسيعها عبر خطط الدفاع الصاروخي القومي يفسح امامها مجالًا لفرض سياسة القوة المبنية على الأنانية والمصالح الخاصة على حساب الدول الأخرى، لتجد الدول الأضعف نفسها تحت رحمة الولايات المتحدة أو بالأحرى تحت تأثير انعدام الرحمة لديها .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل