; سياحة القلب المؤمن في رحاب القرآن | مجلة المجتمع

العنوان سياحة القلب المؤمن في رحاب القرآن

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978

مشاهدات 67

نشر في العدد 399

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 13-يونيو-1978

الحلقة الثانية من سلسلة نور من النور 

الحمد لله، من استضاء بنوره أبصر واهتدى وفاز بسعادتي الدنيا والآخرة ومن أعرض عن ذكره عمى وغوى وباء بشقاء الدنيا وعذاب الآخرة ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور:40)، والصلاة والسلام على نبي الهدى، ورحمة الورى فمرحبًا بك أيها القارئ الكريم في رحاب القرآن العظيم، وإليك الحلقة الثانية من سلسلة –نور من النور- نقدم لك فيها عرضًا محملًا لما اشتملت عليه سورة النور من آداب وأحكام.. 

فنقول وبالله التوفيق: 

عرض مُجمل لمحتويات سورة النور

سورة النور مدنية وآياتها أربع وستون، وهي تسبح في فلكها المشرق حول محورها الأساسي وهو -التربية الفردية، والأُسرية، والجماعية والقيادية- في خمسة أبراج بيانها كما يلي: 

البرج الأول ونتناول فيه الآتي

1- إعلان صارم، وبلاغ حاسم بفرضية أحكامها وآدابها ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (النور:1). 

2- أمر حازم لا هوادة فيه بجلد الزاني والزانية غير المحصنين ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور:2). 

3- تنفير شديد من جريمة الزنا مع تفظيعها ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور:2). 

4- قطع ما بين الزناة والمجتمع المسلم من صلة، ونفي صفة الإيمان عن الزناة ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور:3).

5- حُكم بجلد القاذف بدون بينة ثمانين جلدة، وبعدم قبول شهادته أبدًا، وبوصمه بالفسق ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:4).

6- استثناء الأزواج الذين يتهمون زوجاتهم بالزنا بلا بينة استثناؤهم من حد القذف واستبداله بالملاعنة وإقامة الحد على الزوجة ما لم تدرأ عن نفسها الحد بملاعنة زوجها، فإذا فعلت يفرق بينهما إلى الأبد ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (النور:6) ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾(النور:7) ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ(النور:8) ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ(النور:9). 

7- مؤامرة الإفك التي دبرها رأس المنافقين عبد الله بن أُبي وعصابته للطعن في عرض الرسول صلى الله عليه وسلم والنيل من قدسية الرسالة في نكوس المؤمنين، وإعلان براءة عائشة من هذا البهتان العظيم، وتأنيب الصحابة الذين تلقوا هذا الإفك وأشاعوه بدون روية، وأنه كان ينبغي أن يظنوا ببعضهم خيرًا، وأن يصونوا أسماعهم وألسنتهم عن الخوض فيه ويقولوا: سبحانك هذا بهتان عظيم، وتحذير لهم من أن يعودوا لمثله أبدًا، وأنه لولا رحمة الله بهم وعفوه عنهم لمسهم عذاب عظيم في الدنيا فضلًا عن عذاب الآخرة وتستمر الآيات في هذا السياق إلى أن تقرر مشاكلة الخبيثين للخبيثات، والطيبين للطيبات، وتُعد الأخيرين بالمغفرة والرزق الكريم ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور:11) ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (النور:12) ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (النور:13) ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور:14) ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور:15) ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾(النور:16) ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (النور:17) إلى قوله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (النور:26)

البرج الثاني

وفيه تعرض السورة التشريعات الوقائية التي تصون الأمة من الوقوع في الجريمة، وتجنب النفوس أسباب الإغراء والغواية وهي كما يلي: 

1- آداب البيوت والاستئذان على أهلها، وإلقاء السلام عليهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النور:27) ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (النور:28). 

2- أمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (النور:30) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور:31). 

3- أمر المرأة بالحجاب، ونهيها عن إبداء زينتها لغير زوجها ومحارمها وإمائها، والمؤمنات من النساء، والتابعين للأسرة من الرجال الطاعنين في السن الذين انقطع منهم إرب النساء، والأطفال الصغار الذين لم يظهروا على عورات النساء، ونهيها أيضًا عن إظهار ما خفي من زينتها بأي وسيلة كالضرب بالرجل أو هز اليد ليُسمع صوت الحُلي ونحوه ثم أمر عام المؤمنين بالتوبة إلى الله لعلهم يفلحون ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور:31) إلى قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:31).

4- حض على نكاح الأيامى من الأحرار والحرائر، والصالحين من العبيد والإماء، وألا يقف الفقر عقبة في طريق نكاحهم فإن الله يغنيهم من فقر ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور:32). 

5- أمر العاجزين عن مؤونة الزواج بالاستعفاف حتى يغنيهم الله من فضله ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النور:33). 

6- أمر بمكاتبة الذين يريدون التحرر من الرق إن عُلم فيهم خيرًا، وبتقديم المعونة لهم حتى يقضوا ما عليهم ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور:33). 

7- نهى عن دفع الفتيات إلى الزنا بأي أسلوب ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (النور:33).

هذه الأمور السبعة هي أهم الوسائل الوقائية التي تقي الأمة من التردي في حماة الرذيلة، وتدفع عنها أسباب الغواية والإغراء بالجريمة، وتصونها من المؤثرات التي تهيج الميول الحيوانية في الشباب، وترهق أعصاب المتحرجين من الفتية والفتيات الذين يقاومون هذه المثيرات البهيمية حتى لا يتلطخوا بعار الجريمة، ثم تنتقل السورة وهي في مدارها حول محورها -التربية- إلى: 

البرج الثالث

فتربط هذه الوسائل والتشريعات الوقائية التي مر ذكرها بأنوار ستة وهي: 

1- نور الله الذي أشرقت له السموات والأرض ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ..﴾ (النور:35) . 

2- نور المساجد المشرقة بنور الإيمان والذكر يعمرها بالتسبيح غدوًا وعشيًا، رجال لا تلهيهم زخارف الدنيا وزينتها عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا رهيبًا تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (النور:36) ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (النور:37).

وفي الجانب المقابل لهؤلاء الأطهار تتحدث السورة عن الكافرين وأعمالهم الطيبة في الدنيا التي أحبطها كفرهم فصارت سرابًا وبريقًا خادعًا عنده الحرمان والهلاك المبين، أو كظلمات متراكمة تحجب البصر عن الرؤية الحقيقية ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور:39) ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ..﴾ (النور:40). 

3- نور التسبيح تتجاوب به السموات والأرض ومن فيهن ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (النور:41). 

4- نور إزجاء السحاب ولمعان الرق وتألق سناه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ (النور:43).

5- نور الله في تقليب الليل والنهار ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ (النور:44).

6- نور الله في خلق كل دابة من ماء على اختلاف أشكالها وأجناسها ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (النور:45).

وبعد أن ربطت السورة الأسباب الواقية من الجريمة بنور الله، وبيوت الله يعمرها رجال الله، ثم بخيوط من نور الله في الآفاق انتقلت بنا في مدارها حول محورها الأساسي -التربية- إلى: 

البرج الرابع

لتحدثنا عن:

 1- مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع الله ورسوله بطاعتهما والتحاكم إليهما: فهم إن كان لهم الحق جاءوا إليه مذعنين، وإن كانوا عليهم ولوا عنه معرضين، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور:47) ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور:48) ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور:49). 

2- وفي الجانب المواجه تحدثنا السورة عن أدب المؤمنين مع الله ورسوله في السمع والطاعة لهما والتحاكم إليهما والرضا والتسليم وتبشرهم بالفوز والفلاح، وتعدهم بالاستخلاف في الأرض والتمكن في الدين. وتبديل خوفهم أمنًا ونصرهم بحكمهما سواء كان لهم أو عليهم، على الكافرين ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور:51) إلى قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا..﴾ (النور:55)، ثم تنتقل بنا السورة في مدارها حول محورها الأساسي- التربية إلى: 

البرج الخامس

لتعود فتحدثنا عن: 

1- آداب الاستئذان داخل البيت بالنسبة للرقيق، وللأطفال الذين لم يبلغوا الحلم ثلاث مرات -عند الاستيقاظ من النوم قبل صلاة الفجر، وعند النوم وقت الظهيرة، وعند النوم بعد صلاة العشاء- فإذا بلغ الأطفال الحلم انطبق عليهم حكم البالغين في الاستئذان ككل الأوقات، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ..﴾ (النور:58) إلى قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ..﴾ (النور:59) . 

2- تخفيف حُكم الحجاب بالنسبة للطاعنات في السن من النساء اللاتي انقطع منهم أرب الرجال، فلا جناح عليهن أن يتخففن عن بعض ثيابهن لكن بشرط ألا يظهرن زينة أمر الله بإخفائها من أجسامهن ومع هذا فالأفضل لهن أن يستعففن بالستر الكامل ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ...﴾ (النور:60) . 

3- آداب الضيافة بين الأقارب والأصدقاء ورفع الحرج عن أصحاب الأعذار منهم والأصحاء من أن يأكل بعضهم من بيوت بعض بشرط مراعاة الحرمات وأن يعلم سماح رب البيت بإذن أو قرينة ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (النور:61). 

4- إلقاء السلام على أهل البيوت المذكورة قبل دخولها ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً (النور:61).

5- آداب الجماعة المسلمة كلها باعتبارها أسرة واحدة مع قائدها ومربيها محمد صلى الله عليه وسلم بعدم مغادرة مجلسه إذا كانوا في أمر جامع إلا بإذن منه ومن يتسلل من مجلسه بغير إذنه فقد عرض نفسه للفتنة والعذاب الأليم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (النور:62) إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:63).

6- وأخيرًا تختم السورة بإعلان ملكية الله تعالى لما في السموات والأرض وإحاطة علمه بما تنطوي عليه نفوس العباد وأن مرجعهم يوم القيامة إليه فيحاسبهم بما عملوا وهو بكل شيء عليم ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور:64). 

وإلى اللقاء أيها السادة في الحلقة القدمة من سلسلة –نور من النور- لنبدأ في تفصيل ما أجملناه: وبالله التوفيق... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

الرابط المختصر :