العنوان المظلومون في تاريخنا: المعتمد بن عباد (2)- النهوض من الكبوة
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2007
مشاهدات 66
نشر في العدد 1763
نشر في الصفحة 44
السبت 04-أغسطس-2007
إذا تحدثنا مع الهزات التي جرت في الأندلس وكانت السبب المباشر لهذا النهوض من الكبوة القوية، التي ألمت بالمجتمع الأندلسي وفتت في عضده، ربما هي عديدة، لكن يمكننا التحدث عن ثلاث منها واضحة.
(1) تجبر العدو وكلبه: لقد استهان ألفونسو السادس ملك قشتالة (وليون وجليقية) Castilla Galicia & Leon بملوك الطوائف الذين تراموا على أعتابه، وتسابقوا على دق بابه يلبون - بذلة ومهانة - ما يريد. وكلما رآهم كذلك تمادى في مطالبه وزاد احتقاره لهم (الذخيرة 4/116 - ١١٨ أعمال الأعلام ۱۸2-۱۸1) ووصل أمر عتوه وخذلانهم، أنه كان قد اخترق الأندلس مرة - مع بعض جنده - من شماليها إلى جنوبيها، فلم يعترضه أحد.
(۲) تَزَيُّدِه في الإتاوات وتحكمه: لقد استبد في هذا الأمر إلى أبعد الحدود من غير أن يحسب لأمر حسابًا ولا تتوقف أطماعه ومطالبه، أو يسد عليه بابًا. فمضى يفرض ما يريد، كيف يريد. لا يرضى تأخيرًا في اشتراطاته يبعث بسفرائه إليهم لاستيفاء ضريبة المال السنوية منهم. وهنا جرى ما لم يعهد حيث كانت قائمة أو عادلة الظهر !!
ما زال ألفونسو - جريًا على عادته - يستوفي من ملوك الطوائف سنويًّا الأموال، ومزيدًا من الأراضي والحصون الأندلسية، لكن حدث ما لم يخطر على بال أي من الأطراف، ذلك أنه سنة ٤٧٥هـ قبل سقوط طليطلة بما يزيد على سنتين، أرسل ألفونسو وفدًا إلى إشبيلية برئاسة اليهودي ابن شاليب.
لاستيفاء الضريبة (الجزية) السنوية من المعتمد. ونزلوا عند أحد أبواب إشبيلية وأرسلوا إليه لأخذها، فأداها إليهم كاملة، لكن اليهودي ردها إليه بحجة أنها ليست النوعية المتفق عليها، وأسمع المعتمد كلامًا خشنًا مع التهديد والوعيد له في المستقبل إن كرر ذلك. (نفح. 4/246)، (الروض ۲۸۸)
على إثر ذلك أرسل المعتمد ثلة من فرسانه، لإتيانه بكافة الوفد، ففعلوا ثم أمر بسجن كل الوفد وصلب السفير اليهودي الذي عرض على المعتمد هدية كبيرة إنقاذًا لحياته فرفض المعتمد، فقال اليهودي: لا تفعل وأنا اهتدي منك بزنتي مالًا، فقال (المعتمد): والله لو أعطيتني العدوة (المغرب) والأندلس ما قبلتهما منك (نفح 4/264)، عند ذلك ازداد ألفونسو حيفًا وجورًا وتهديدًا، ويظهر أن هذه الحادثة أنبتت – في أرضية الأحداث السابقة – فكرة الاستعانة بالمرابطين لنصرة إخوانهم في الأندلس.
ثم أتت الأخرى: استمرار ألفونسو في تكبره وتجبره وتنمره أنه سأل المعتمد أن تسكن زوجة ألفونسو الحامل في مدينة الزهراء ضاحية قرطبة لتنعم بجمالها وبطيب هوائها، ثم لتلد في مسجد قرطبة الجامع تتبرك بقدسيته، وتلك نصيحة الأطباء والقسس. ويبدو أن السفير اليهودي السابق هو الذي نقل ذلك إلى المعتمد، فرفضه المعتمد، وهنا شد بعض الفقهاء أزر المعتمد فيما فعل، وعلى رأسهم الفقيه محمد بن الطلاع.
وجن جنون ألفونسو عند سماع هذه الأخبار التي انتهت بأسر وفده وقتل رئيسه فجهز جيشًا ضخمًا (عرمرمًا) وسار به نحو إشبيلية - عابثً ومخربًا ومدمرًا كل شيء في طريقه. معسكِرًا في الجانب الأيمن لنهر الوادي الكبير، مقابل (قبالة) قصر المعتمد.
وخلال إقامته هناك أرسل إلى المعتمد ساخرًا: «كثر بطول مقامي في مجلسي الذباب واشتد عليَّ الحر، فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي وأطرد بها الذباب عن وجهي»، فوقع (علق) له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة «قرأت كتابك، وفَهِمْتُ خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تريح (تروح) منك لا تروح عليك، إن شاء الله تعالى». فلما وصلت الرسالة إلى ألفونسو تغير حاله إذ لم يرد له ذلك على بال، وشاع خبر ذلك في الأندلس وفرح به أهلها واستبشروا وأملوا خيرا (الروض ٢٨٨، نفح 4/357 – ٣٥٩) وهذا يشير إلى أن فكرة التوجه إلى طلب النجدة من المرابطين لإخوانهم أهل الأندلس كانت منذ ذلك الوقت، لكن سقوط طليطلة عجلت به وأكدته.
(۳) سقوط مدينة طليطلة Toledo: إحدى القواعد الأندلسية الكبرى ٧٠ كم جنوب غرب مدريد، وذلك أوائل صفر سنة ٤٧٨هـ (يوم الأحد ٢٥/5/1085م) بيد ألفونسو السادس ملك إسبانيا النصرانية، بعد إعداد وحصار عدة سنوات، خرب خلالها مزارعها ومرافقها ومواردها، فاستسلمت، ولدى أول دخوله بدأ الإهلاك والعبث والعيث بكل ما هو إسلامي فيها، أولها تحويل مسجدها الجامع إلى كنيسة بعد نحو شهر أو يزيد من توقيع معاهدة التسليم التي توجب عليه ألا يفعل ذلك. وكانت تلك عادتهم دائما لا غير (الذخيرة 4/١١٧–۱۱۹ نفح 4/352-447،3٥6،354، قارن الروض المعطار ٣٩٥)، وذكر أنه ذهب بسقوط طليطلة من المدن والقرى ما قدر بنحو مائة منبر غيرها، ثم ازداد تكبرًا، حيث بلغ غروره حدًّا يسمي كبيرًا أو جنونيًّا دعاه أن يسمي نفسه الإمبراطور ذا الملتين (أي: الإسلام والمسيحية).
معركة الزلاقة
عندها دعا المعتمد بعض القضاة، ومن وقف موقفه بوضوح من الأمراء، إلى مؤتمر لترتيب دعوة المرابطين. إلا أن بعض الأمراء وغيرهم عارضه وحذره وخوفه عاقبة ذلك، فقال لهم – مما قال – كلمته السائرة مثلا: «رعي الجمال خير من رعي الخنازير»، أي: أن يكون مأكولا لابن تاشفين أسيرًا يرعى جماله في صحراء إفريقيا خير من أن يكون ممزقا لألفونسو أسيرًا يرعى الخنازير في قشتالة، ثم تكررت الوفود - أمراء وقضاة وعلماء - إلى أمير المرابطين يوسف بن تاشفين ودعوته. فاستجاب، وعبر بجيشه، ومع جيش الأندلس بقيادة المعتمد. فاجتمع الجيشان بالقيادة العامة لابن تاشفين (الروض المعطار، ۲۸۸، ۲۹۲، الحلة 2/99، نفح 4/359 - ٣٧٠) وأبدى فيها الجميع بطولات فائقة تجاه الجيش النصراني بقيادة ألفونسو المكون من فرق إضافية أتت من دول أوروبية أخرى بروح صليبية واضحة معلنة.
عندها أنزل الله نصره على المسلمين. كما أشير إليه. كان ذلك على الرغم من أن جيش العدو يبلغ نحو ضعف عدد الجيش الإسلامي متفوقًا عليه حتى أن ألفونسو كان يقول حين اغتر بقوته بكثرة جيشه وعدته وحماستهم: «بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء»، فأخزاه الله تعالى وقمعه وفرق شمله. وكان كذلك قد أرسل إلى يوسف يهدد وينذر ويتوعد، فكتب يوسف جوابه في ظهر رسالته «الذي يكون ستراه»، (نفح 4/361).
كما لم تنفعه حيلته ولا غدره ولا خديعته حيث كان المسلمون واعين لها، وغدراتهم معروفة مدركة. إذ أرسل ألفونسو إلى يوسف يحدد المعركة يوم الإثنين، ليأخذ المسلمين على غرة يفاجئهم، بل أدركوا نيته الغادرة. فغدراتهم معروفة لديهم شنشنة عرفوها من قديم.
قتال الأبطال
قاتل المعتمد بتفوق نادر، أُعجب به أهل الأندلس والمغرب على السواء، وكان إعجاب ابن تاشفین به كبيرًا، وأشاد به في رسائله إلى الآفاق، مبشرًا بالنصر ومثنيًا على عموم المقاتلين، مفردًا المعتمد بالاسم مرات. ومما يُلاحظ أن ابن عباد كان متواضعًا في كل ذلك، غير مزهو بما صنع. وحين سأله ابن تاشفين عن مقامه، أجابه بتواضع وأقبل ابن عباد على يوسف فصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه، وشكر يوسف مقامه وحسن بلائه وجميل صبره، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه فقال: «هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك» (نفح 4/369 ، الروض (٢٩١. وحين كتب إلى أحد أبنائه بإشبيلية يشرح أحداث المعركة ويبشره بالنصر لم يدع لنفسه البطولات، بل استقل ما أصابه «فلله الحمد على جميل صنعه ولم يصبني والحمد الله إلا جراحات يسيرة ألمت لكنها فرجت بعد ذلك، فلله الحمد والمنة والسلام» (نفح، 4/369 الروض ۲۹۱ – ۲۹۲) ومثله كان يوسف الذي جاء لنصرة إخوانه حسبة ورغبة في الجهاد (الحلة 2/98) ورفض حتى قبول الهدايا والغنائم العظيمة من المعركة التي عف عنها، وآثر بها ملوك الأندلس، وعرفهم أن مقصده الجهاد والأجر العظيم، وما عند الله في ذلك من الثواب المقيم. فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف لهم بالغنائم استكرموه، وأحبوه، وشكروا له ذلك. (نفح. 4/369)