العنوان صناعة الإرهاب
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
مشاهدات 56
نشر في العدد 1065
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
الإرهاب جريمة، وترويع المسلمين كارثة، وكل مسلم يعلم أن دينه هو دين الحسنى والمعروف والموعظة الحسنة ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥)، ولكن هناك قوة تصنع للمسلمين في هذه الأيام إرهابًا على مقاسهم وتدبج لهم تهمًا خاصة بهم؛ صناعة عالمية وإبداعات محلية يشترك فيها أعداء الأمة بحقدهم وجهلة الشعوب بسفههم، لا يقصدون بذلك قلة متجاوزة أو أفرادًا متأولة أو جماعات ثائرة على ظلم أو بغي أو عمالة، وإنما يقصدون -وفي المقام الأول- الدعاة المخلصين الذين يملكون زمام الكلمة وناصية الحجة ودفة التوجيه، ويحاولون إيقاظ النائم وتنبيه الغافل وتعليم الجاهل وإشعال الخامل، وذلك خوفًا على باطلهم وهلعًا على مواقعهم، وهذا بحد ذاته جريمة يقصد بها قتل كل نهضة ونسف كل تقدم ومحو كل سيادة أو عزيمة، وإلا فقل لي بربك: ما يخيف العالم أو النظام العالمي من الإسلام الذي زرع السلام؟! وما يخيف الأديان من الدين الذي قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)؟ وما يرهب المخلصين في الأمة من الرسالة التي أشادت بالمخلصين؟ وما الذي يبهت أصحاب الكراسي والعروش العادلة من منهج يثبت ولاة العدل ويفرض طاعتهم! اللهم إلا إذا كان كل ذلك باطلا يتزيا، وظلمًا يتصنع، وجرمًا يتستر فإنه ينازله.
إن أعداء الإسلام اليوم يريدون أن يثيروا كل
إنسان وأن يجيشوا كل ملة أو نحلة للقضاء على الحق ودعاته، وأن يحدثوا دويًا مهلكًا
وصخبًا راعدًا لمحاربته وإهلاكه! وتكاد تسمع هذه الضوضاء الراعنة في مقابل الحق
على مدار التاريخ سنادًا للظلم الصارخ والباطل السافر، يحكي القرآن قصة إبراهيم
-عليه السلام- فكأنك تسمع فيها رعشات الأصوات الهوج ونبرات الحناجر الملتاثة، إذ
يقاد إبراهيم تسوقه أفواج الباطل؛ لأنه ثار على الخرافة المتسلطة والأوهام
المتحكمة والهامات المخرفة، وأنكر الأباطيل الشامخة والهياكل المعبودة، وخرج على
النماردة المتسلطين ليعيد للإنسانية عقلها الشارد وفكرها الغائب بحجيته القوية
ولفظه المبين ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي
أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٥٢)، وواصل قرعه للأسماع زمنًا حتى كلّ
بيانه وبحّ صوته، فثار على الأحجار المنصوبة والهراء المضحك، فأقيمت له محاكمة
دستورية ومهزلة قانونية، ويظهر العصر بسلطته كالح الوجه منعدم الضمير محرضًا متهِمًا
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء:
٦٠)، وكثيرًا ما يسترق السمع على المصلحين وتعد الأنفاس على الراشدين ليتسبب في
وصمهم والإيقاع بهم وتحريض الجماهير عليهم وتحين الفرصة، وتقول السلطة اللعوب
﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾
(الأنبياء: ٦١)، ويحضر إبراهيم ويا له من موقف صعب تنمرت له السلطة وحمست له
الجماهير، وبدأ التحقيق بلغة الثعلب وبمنطق المستدرج ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا
بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء: ٦٢)، وليس بأصنامنا وهي الخشب أو
بأوثاننا وهي الحجارة، بل بلغة التهييج والتهويل واللعب بالمقدسات (بآلهتنا)، وهنا
يقف الإنسان مبهورًا لثبات إبراهيم -عليه السلام- المذهل ورسوخه المدهش حين يقول
ساخرًا ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾
(الأنبياء: ٦٣)، فكانت صدعة من صدعات الحق ورعدة من رعدات البرهان، ولكن إذا كان
التدني عميقًا والتسفل غائرًا والأجواء ملوثة قلما ينجو من هولها مصاب ويخلص من براثنها
مستسلم، يصور ذلك القرآن بالمجاز ﴿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا
إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ
عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ (الأنبياء: ٦٤- ٦٥)، ونرى بعد ذلك احتدام
الصدام ونهايته الحتمية وكلمته الفاصلة ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: ٦٧)، وتكشر السلطة عن أنيابها
وتتحرك طبيعتها وتصدر أحكامها الملتهبة وقراراتها المحرقة فتقول ﴿قَالُوا
حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ٦٨).
وكل معتقد سليم وكل دعوة للإصلاح وطريق للخلاص واحترام للقيم؛ ولكن كل هذا لا قيمة له عند صناع الضياع، وكم عانت البشرية وتعاني، وكم تجرع المصلحون ويتجرعون من مؤلفي الدواهي وقادة السنين العجاف، ونحن نعيش أيامًا كل شيء فيها يصنع؛ الإرهاب يصنع، حقوق الإنسان تصنع، والأزمات تصنع، والعروش تصنع، والفكر يصنع، والإنسان يصنع، ولكن الحقيقة لا تصنع، والإيمان لا يصنع، ورجال الصدق لا تُصنع، وإذا عم كل هذا الزيف وطم كل هذا الفساد يلتفت الجميع إلى الحقيقة التي لا تغيب والمنهج الذي لا يضل فيقول الناس كل الناس: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (النجم: ٥٨).