العنوان الصراع للأقوى.. عقيدة الغرب
الكاتب د. محمد حبيب
تاريخ النشر الأحد 05-أبريل-1992
مشاهدات 66
نشر في العدد 996
نشر في الصفحة 26
الأحد 05-أبريل-1992
على أرض فلسطين -قلب العروبة والإسلام- يمارس المحتل الصهيوني الغاصب
أبشع الجرائم من اعتقال وتعذيب وقتل وسحل وقمع وطرد وإبادة للشعب الفلسطيني
الأعزل.. وبكل الاستهانة والاستخفاف والتحدي يستمر اليهود في التدفق بعشرات ومئات
الألوف إلى الأرض المحتلة؛ حيث تقام هناك عشرات المستوطنات وبدعم كامل من الولايات
المتحدة الأمريكية دون خجل أو حياء ودون مراعاة لمشاعر العرب الأصدقاء!
وبكل الفم الممتلئ قيحًا وصديدًا يطرح وفد بني صهيون على موائد
المفاوضات وفي مواجهة وفود الحكومات العربية وأمام العالم كله حلمهم القديم في
إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.. وبكل الصلف والغرور يصرح شامير بأن
القدس والمسجد الأقصى الأسير هما من الممتلكات الخاصة لبني صهيون، وليس لأحد أن
يناقش وضعهما الحالي تحت أي ظرف ومن خلال أي منطق.
وبكل صنوف الكبر والغطرسة تهدد الولايات المتحدة الأمريكية ليبيا
وشعبها بشن عدوان عسكري عليها إن لم تقم بتسليم بعض رجال المخابرات إليها، متحدية
بذلك كل الأعراف والقوانين الدولية وكل مشاعر الاحتجاج العربي.
ويظل الحصار الاقتصادي حول العراق قائمًا بهدف تحقيق مزيد من الاعتصار
لكرامة شعبه وتجويع أطفاله وإهدار البقية الباقية من آدميتهم، كما تستمر لجان
التفتيش في عملها بحثًا عن الصواريخ وأسلحة الدمار لإتمام عملية الامتهان والسحق
والإذلال وإعطاء الدرس للحكومات والشعوب حتى لا يقوم لها أمر أو يستقر لها قرار.
هذا هو منطق القوة.. وتحدي القوة.. وفلسفة القوة.. فما هو منطق
الحكومات العربية؟ وأين هي من هذا التحدي كله؟ وما هي فلسفتها إزاء الأخطار التي
تهدد شعوبها؟ لقد غزت إسرائيل جنوب لبنان واحتلت بعض قراه وقامت بالاعتداء الوحشي
على العزل من الرجال والنساء والأطفال.. وحرمت الشعوب العربية المغزوة حق الصراخ
والاستغاثة والأنين.. ولم تصدر من الحكومات العربية أية كلمة أو حتى همسة تطالب
السادة الأقوياء وتذكرهم بالشرعية الدولية ومواثيق حقوق الإنسان.. فهذا أمر محظور،
فضلًا عن أنه يعكر صفو الآذان.. آذان السادة الأقوياء الذين لا تطيق آذانهم
المرهفة أنات الأطفال الأبرياء.. ولا تتحمل مشاعرهم الرقيقة مشاهدة برك الدماء
للضحايا العزل.. إن الإنسان العربي ليست له عند هؤلاء أو هؤلاء أية شرعية وليست في
موازينهم أو أعرافهم أية حقوق.
لقد سكتت الشرعية الدولية في هذه القضايا كلها فلم يعرها مبدعوها أي
التفات، واختفت مواثيق حقوق الإنسان خلف حجب كثيفة من اللامبالاة والتعالي لأنها
لا تحقق مصالح العم سام.. وأصبح واضحًا لكل ذي عينين أن الشرعية الدولية ليست في
الواقع إلا شرعية القوة وتمجيد من يمتلك وسائلها وأساليبها.. وهذه هي فلسفة الغرب
وعقيدته التي يدين بها ويتخذها أسلوب حياة وطريق تعامل مع غيره من الأحياء.. إنها
فلسفة الصراع للأقوى والبقاء للأقوى.. وهو لذلك يوظف كل إمكاناته ويستثمر كل
طاقاته وعلى كافة المستويات وفي جميع الميادين لكي يحوز كل أسباب القوة، ويعتبر
وجوده وأمانه واستقراره وتفوقه مبنيًا ومرتكزًا على إخضاع الآخرين.
ومن خلال فلسفة الصراع للأقوى يحرص الغرب القوي على أن يتولى شؤون
الحكم ومقاليد الأمور في دول العالم الثالث رجال عسكريون أو مؤسسات عسكرية، وحبذا
لو تم ذلك من خلال انقلابات.. والسبب في ذلك واضح ومفهوم؛ وهو أن العسكريين -في
هذه الدول- ميالون بطبيعة نشأتهم وأسلوب تدريبهم ونوعية ثقافتهم إلى احترام القوة
وتقديم فروض الطاعة وإظهار كل أنواع الولاء لمن يمتلك مقوماتها.. وعلى النقيض يميل
هؤلاء الرجال إلى ممارسة الديكتاتورية وفرض الطاعة العمياء على من دونهم درجة أو
من هم أضعف منهم قوة.. ولهذا نجد حكام دول العالم الثالث.. وبخاصة العسكريين..
يسعون جاهدين لنيل رضا الغرب القوي، والتلهف على تبني توجهاته، والمسارعة إلى
تنفيذ كل رغباته ولو لم يطلب منهم ذلك. هذا في الوقت الذي يطأ فيه هؤلاء الحكام
شعوبهم بالأقدام، كما يتحكمون في مصائرهم ويصادرون إرادتهم، ولا يرون لهذه الشعوب
حقًا في مناقشة أي أمر أو مراجعة أي قرار، فضلًا عن الاشتراك في صناعته أو حتى
صياغته.
ويعلم الغرب القوي أن الإسلام كعقيدة ونظام يمثل قوة الدفع الذاتي
بالنسبة للعرب والمسلمين، وأنهم بغيره يفقدون أهم أسلحتهم وجوهر قوتهم ومكمن
عزتهم، لذا فإن هذا الغرب لا يدخر وسعًا في سبيل نسف كل الجسور التي تصل بين
الإسلام والمسلمين، ولا يألو جهدًا في وضع كل العقبات والعراقيل التي تحول بينه
وبينهم حتى يبقى المسلمون على فشلهم وعجزهم وتبعيتهم.. من أجل ذلك ما فتئ الغرب
يظهر انزعاجه ومخاوفه مما يطلق عليه الأصولية الإسلامية، مسخرًا في ذلك إعلامه
القوي والموجه لترديد الأباطيل وإثارة الترهات حول مخاطر الصحوة الإسلامية ومدى
ارتباطها بالعنف والإرهاب والتطرف على المستوى الفردي والجماعي والدولي.. ولا
يكتفي الغرب بذلك، بل إنه يحاول إيقاع حكام دول العالم الثالث في مصائد الوهم؛
وذلك بإثارة مخاوفهم وفزعهم من الظاهرة الإسلامية ومدى ما يمكن أن تسببه هذه الظاهرة
من أخطار مدمرة على سلطانهم وأشخاصهم.
ولأن الغرب القوي يدرك يقينًا ما يحققه مناخ الحرية من أمن وطمأنينة
وعزة للشعوب، ومنها الشعوب العربية والإسلامية، وما تؤدي إليه هذه الطمأنينة وهذا
الشعور بالعزة من تفجير طاقات الإبداع وروح الابتكار والإقبال على الاختراع مع علو
الهمة وصدق العزم ووضوح الهدف لهذه الشعوب، فهو -أي الغرب- يوعز تصريحًا أو
تلميحًا إلى حكامها بأن يفرضوا عليها جوًا من الاستبداد والقهر والظلم حتى تظل في
عجزها وتخلفها فضلًا عما يسببه الاستبداد من إفساد للدين والتربية والأخلاق وكل
القيم والمعاني الرفيعة، مما هو معروف ومفصل في مؤلف الكواكبي القيم: طبائع
الاستبداد ومصارع الاستعباد.
إن نظرة إجمالية إلى تقارير منظمة العفو الدولية والمنظمة العربية
لحقوق الإنسان وغيرها، لتؤكد بما لا يدع مجالًا للشك مدى ما لحق بالإنسان العربي
من مهانة وإذلال وفقدان لكل معاني العزة على يد حكامه.. ولن تستطيع الكلمات مهما
كانت بلاغتها ودقتها وعمق دلالاتها أن تعبر عن بشاعة المأساة التي يعيشها الإنسان
العربي في وطنه وبين أهله وعشيرته.
إن الديمقراطية التي رضيها الغرب القوي لنفسه كنظام وأسلوب حياة حرص
على ألا تغشى دول العالم الثالث وبخاصة العالم العربي والإسلامي. وإذا كان الغرب
يعتبر الديمقراطية سبب قوته وتفوقه فمن المتوقع إذن أن يقف بكل نفوذه وهيمنته حائلًا
دون تمتع الشعوب العربية والإسلامية بها.. وديموقراطية الجزائر المسفوحة أقرب مثال
نعيش أحداثه اليوم ونجتر مأساته في صمت.