العنوان الحسبة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الكاتب صالح الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1978
مشاهدات 61
نشر في العدد 410
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 29-أغسطس-1978
الحسبة ولاية ضابطة للأمن في المجتمع المسلم
ليس من مجتمع لا يسعى لرعاية ضبط العلاقات والمعلومات بين أفراده ويكفل لهم الأمن حيث الراحة والاستقرار، سوى أن ضبط هذه الرعاية يختلف من مجتمع لآخر باعتبار اختلاف المبادئ والمفاهيم التي تنبني عليها التصرفات. والمجتمع المسلم منذ نشأته تم له بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك النظام الدقيق والعجيب الذي يكفل له الأمن والاطمئنان وعرف من بين تقنين المجتمع الإسلامي باسم ولاية الحسبة، فما مصدرها الشرعي؟ وما حكمها؟ وما الأهمية التي تجعل منها ضامنة الحقوق والواجبات وما سبيل القيام بها؟
وقبل بيان هذه المتعلقات نطرح معنى الحسبة إيضاحًا للموضوع فهي كما ورد تعريفها لغة واصطلاحًا الحسبة بكسر الحاء- ولاية ضابطة للسلوك والمعاملات بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمعروف كل قول وفعل وقصد حسنه الشارع وأمر به.
والمنكر كل قول وفعل وقصد قبحه الشارع ونهى عنه.
فمن المعروف مساعدة الفقراء، وبناء المدارس، وإصلاح المرافق ورد الحقوق إلى أصحابها، والنصيحة والدعوة إلى الله، بلزوم صراطه المستقيم إلخ.
ومن المنكر التجسس والغيبة والكذب والغش في المبيعات والتطفيف والبخس في المكاييل والموازين والفطر في شهر رمضان بدون عذر شرعي وترك الصلاة إلخ- وبهذا المفهوم تكون الحسبة ذات شأن رفيع إذ أنها توجد الاطمئنان النفسي والأمن على الأرواح والأموال والأنفس فيكون الاستقرار المعيشي، كما أنها باعتبار كونها أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر تقدم للمسلم الثواب والأجر الأخروي في ميزانه عند الله سبحانه وعلى ذلك سميت حسبة لكون القائم بها يحتسب الأجر عند الله سبحانه.
وقد بحثت الحسبة بحثًا شموليًا يظهر لنا كيفية ضمانها الحقوق والواجبات وذلك بمسارها في وجهتين
الأولى: الرقابة على السلع والمبيعات كالأطعمة واللحوم والمخابز وغيرها.
والأخرى بيان أصل الحسبة الشرعي وقواعدها الفقهية والفرق بينها وبين الولايات الأخرى كالقضاء والمظالم ويتضمن هذا الجانب أيضًا البحث والسلطات وأمور الحكم، ويمكن أن نطلق على الأولى الحسبة العملية والثانية الحسبة النظرية وفي كل منهما؟؟ أما الأولى العملية فمن جملة الكتب فيها، أن نهاية الرتبة في طلب الحسبة لعبد الرحمن بن نصر -ت 589هـ 1193م- لصلاح الدين ويعد كتابه مصدرًا لكثير ممن ألف بعده.
- معالم القرية في أحكام الحسبة لمحمد بن محمد القرشي.
وفي تلك الكتب يدور البحث حول الرقابة على المبيعات والأسواق لأصحاب المهن كالخبازين والصباغين وغيرهم.
ومن كتب وجهة النظر الأخرى الماوردي الشافي وأبو يعلى الحنبلي في كتابيهما المتشابهين الأحكام السلطانية، وهذا العنوان عرف حديثًا بالحقوق العامة- القانون العام.
- ابن خلدون في مقدمته ذكر الحسبة باعتبارها من خطط الإمامة والإدارة.
وتجدر الإشارة إلى كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر الخلال ت 311هـ.
والفصول القيمة في كتاب التشريع الجنائي في الإسلام التي تتناول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ كل ذلك يعتبر من صميم موضوع الحسبة.
ومن أجود كتب هذا الموضوع ذلك الكتاب الجامع لابن تيمية رحمه الله وهو الحسبة في الإسلام وقد أفاض في الحديث عنه الأستاذ محمد المبارك في كتابه آراء ابن تيمية في الدولة ومدى تدخلها في المجال الاقتصادي.
ومن البحوث الحديثة الكتاب الجيد لإبراهيم دسوقي الشهاوي وهو الحسبة في الإسلام. وهكذا تظهر لنا استفاضة البحوث في هذا الموضوع نظرًا للأهمية التي يقف عليها في إدارة المجتمع، فإذا ما ذهبنا إلى مصدريته رأينا إجماعًا على أن توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لرجل مر عليه في السوق فوجد في طعامه بللًا فنصحه أنه الأصل لموضوع الحسبة والحديث في ذلك أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا فقال عليه الصلاة والسلام: يا صاحب الطعام ما هذا؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: أفلا جعلته فوق الطعام، حتى يراه الناس ثم قال صلى الله عليه وسلم: من غش ليس منا، وهناك نصوص أخرى تؤكد هذا المعنى.
حكم الحسبة الشرعي: بما أنها تعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي واجبة استفادة من الكتاب والسنة والإجماع.
وهذا الوجوب قد يكون على الكفاية بالنسبة لعامة المسلمين إلا أنه يتعين إذا تقاعد عنه الجميع كما أن الحسبة واجبة على من عين رسميًا للقيام بها وهو المحتسب، وإثباتًا لحكمها قوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢) وقوله: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ( آل عمران: 104)، ودليلها من السنة ما رواه أبو بكر رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر على أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده. -الحديث- وإذا كانت الحسبة على هذا المستوى من المكانة في النظام الإسلام فما الشروط للقيام بها؟
- شروط القائم بالحسبة: وهي نفسها شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الحسبة كذلك وهي خمسة شروط حسب التفصيل التالي:
- الشرط الأول التكليف بمعنى أن يكون القائم به مدركًا مختارًا أي عاقلًا بالغًا- وهذا شرط لازم إذا نظر إلى وجوب الأمر والنهي، لأن ترك القيام بالواجب يؤدي إلى مسئولية التارك ولا مسئولية على غير مكلف طبقًا لقواعد الشريعة- على أن ذلك لا يمنع غير المكلف من القيام بالأمر والنهي باعتبارها من القربات.
- الشرط الثاني الإيمان يشترط في المحتسب أن يكون مؤمنًا بالإسلام فالمسلم دون سواه يجب عليه الأمر والنهي أما غير المسلم فلا يلتزم بهذا الواجب، وكان اشتراط ذلك لمراعاة ترك الحرية التامة لغير المسلم- فلو ألزم غير المسلم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لألزم بأن يقول بما يقول به المسلم ويعتقد اعتقاد المسلم ويبطل عقيدته ويظهر عقيدة الإٍسلام وهذا هو الإكراه في الدين الذي تحرمه الشريعة الإسلامية.
- الشرط الثالث القدرة: أي أن يكون المسلم الناصح قادرًا على أداء ذلك والقاعدة هنا الحديث الثابت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، فهنا عدم الاستطاعة لا تتوقف على العجز الحسي فقط، وإنما خوف الآمر من إصابته بمكروه مثلًا تسقط عنه الواجب، ومن علم أن أمره أو نهيه لا يفيد ولم يخف مكروهًا فلا يجب عليه الأمر والنهي ولكن يستحب له أن يأمر وينهى لإظهار شعائر الإسلام والتذكير بشرع الله، ويلحق بالعجز الحسي العجز العلمي فالعلمي لا يجب عليه الأمر والنهي إلا في الأمور المعروفة كشرب الخمر والزنا وترك الصلاة، واشتراط إسقاط الواجب بالعجز ليس شرطًا أن يكون معلومًا يقينًا ولكن يكفي فيه الظن الغالب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل