العنوان تراجم إسلامية في الفكر والحركة
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1980
مشاهدات 156
نشر في العدد 482
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 27-مايو-1980
موقف شيخ الإسلام: مصطفى صبري من المؤرخ العربي: محمد عبد الله عنان واتهاماته لتاريخ آل عثمان
- «لا أقول إن آل عثمان براء من كل ما ينتقدونهم به، إنما أرد على من أنكر اعتزاز الإسلام بهم».
مصطفي صبري.
- كانت القرون الأولى لسيطرة آل عثمان عصورًا ذهبية.
عبد الرحمن عزام.
- إن احترام المعاهدات والعمل بموجب الكلمة المعطاة من مزايا العثمانيين، يدور عليها التاريخ كله.
وزير روماني.
قال شيخ الإسلام مصطفى صبري: «كان ظني -عند مغادرتي تركيا مهاجرًا إلى بلاد العرب التي جاء نور الإسلام إلينا منهم- أني أستريح من مجاهدة الملاحدة (يقصد الاتحاديين والكماليين)، لكني وجدت الجو الثقافي بمصر أيضًا مسمومًا من تيار الغرب، فشق هذا على نفسي أكثر مما شق على موقف تركيا الجديدة (يقصد تركيا عقب الانقلاب الكمالي) من ذلك التيار، كما شق وقوفي على أن إخواني العرب يفضلون تركيا هذه (أي الكمالية) على تركيا القديمة المسلمة (أي الدولة العثمانية) فرأيتهم (يقصد المصريين المتغربين) توغلوا في تقليد الغرب، وسابقوا الترك في الامتنان به، والانقلاب الثائر في تركيا (أي انقلاب أتاتورك) حصل عندهم (أي المصريين) في شكل هادئ، ومن طريق التأثير والتجديد في الأزهر» (موقف العقل- صدر عام ١٩٥٠م - ج ١ ص 23).
لم يستطع الشيخ سكوتًا على معارضي فكره الإسلامي، لذلك أخذ يفصح بالكتابة في الصحف والمجلات المصرية، وكذلك في كتبه عن موقفه تجاه المثقفين المصريين، والعرب المتشبعين بروح الغرب وثقافته، وتجاه الإلحاديين من العرب.
ومن هذه المواقف موقفه من محمد عبد الله عنان، ومحمد عبد الله عنان من أبرز المؤرخين العرب إن لم يكن أبرزهم وأوسعهم شهرة، وهو عالم عرف بتخصصه في التاريخ الأندلسي، لكن موقفه من التاريخ العثماني موقف غريب من مؤرخ، ولا أقول من مؤرخ شرقي ومسلم، إن موقفه من التاريخ العثماني لا يعتمد على مصادر موثوقة، ونقوله فيه تعتمد على مصادر تنقصها الثقة، مثال عن ذلك محاضرته في ندوة ابن إياس، إنه مؤرخ لم يتعمق تاريخ العثمانيين، ولم يتقص المصادر الأولى في هذا التاريخ. معلوماته مغلوطة. رد كاتب هذه السطور بطريق غير مباشر على معلومات محمد عبد الله عنان عن محمد الفاتح في مقالة نشرت بمجلة العربي (سبتمبر ۱۹۷۹م) بعنوان: «دفاع عن السلطان محمد الفاتح» وادعاءات محمد عبد الله عنان عن السلطان سليم الأول كلها مغلوطة، فكاتب هذه السطور فضلًا عن أنه متخصص في التاريخ العثماني في البلاد العربية- قد درس عهد سليم الأول من مصادرها الأولى، ويقول إنها تناقض نقول محمد عبد الله عنان في هذا الصدد.
وفي مجلة «سدير» التركية (عدد إبريل ۱۹۸۰م)، لقاء أجرته المجلة مع كاتب هذه السطور حول مشاكل فهم التاريخ العثماني، نقد كاتب هذه السطور في هذا اللقاء مشاكل فهم عنان لتاريخ العثمانيين في فهم عنان الخاطئ، الذي لا يعتمد على مصادر أولية موثوقة، كتب أيضًا الدكتور مصطفى فايدة الأستاذ المساعد بكلية الإلهيات بأنقرة مقالات علمية في حولية كلية الإلهيات حول ادعاءات محمد عبد الله عنان على التاريخ العثماني.
نشر المؤرخ العربي محمد عبد الله عنان في مجلة الرسالة قبل أربعين عامًا من هذا العام (۱۹۸۰م) مقالة عنوانها: حرب منظمة يشنها الكماليون على الإسلام، قال فيها: «وإذا كان الإسلام لم يعتز قط بتركيا يوم كانت دولة قوية شامخة، فكيف يحاول اليوم أن يعتز بهذه البقية الضئيلة من تركيا القديمة؟».
آنت هذه الجملة شيخ الإسلام، فقال إن عنان ليس مخلصًا في عدائه للكماليين، وإنما: «الأستاذ عنان ينضم بعداوته لتركيا القديمة الإسلامية العثمانية، إلى تلك الوسائل المحشودة لخصومة الإسلام، ويؤيد جديدها (أي تركيا الكمالية) الذي تظاهر (أي صارح) بمعاداته مع قديمها، كما يؤيده الغرب الحاشد، وليس الأستاذ (يقصد بذلك عنانًا) صميميًا في هذه المعاداة، وإنما هو جاد في خصومة تركيا القديمة الإسلامية الشامخة التي لا بد أن يكون من خاصمها من خصوم الإسلام».
(موقف العقل ص ۷۲-۷۳)
لا بد هنا من ملاحظة أن محمد عبد الله عنان «يرى في الخطوات الأولى للثورة الكمالية، مثل: إلغاء الخلافة، وحل الجماعات الدينية والطرق الصوفية، وفرض الثياب المدنية، وفرض لبس القبعة- ما يثير الأذهان المستنيرة التي كانت تتبع جهود تركيا الجديدة في سبيل التجديد القومي والاجتماعي بمنتهى الإعجاب والعطف».
فزع شيخ الإسلام عندما وجد عنانًا العربي المسلم يعلي من شأن خطوات الانقلاب الكمالي تجاه الثقافة الإسلامية والدين، فأخذ الشيخ يجهز مقالة في الرد على عنان مدافعًا فيه عن الدولة العثمانية، ودور الأتراك في موكب الحضارة الإسلامية، وفي مجاهدة أعداء المسلمين، فإذا بمقالة الشيخ تطول حتى أصبحت كتابًا نصفه الأول دفاع عن الدولة العثمانية، ونصفه الثاني دفاع عن الإسلام نفسه، ثم شغل الشيخ نفسه بالنصف الثاني من الكتاب، فإذا بهذا يكبر حتى صار كتابًا في أربعة أجزاء أسماه: «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين»، ولا شك أن هذا الكتاب كسب وإثراء للفكر الإسلامي المعاصر.
ينقل شيخ الإسلام مصطفى صبري أمثلة أخرى لعداوة محمد عبد الله عنان للأتراك المسلمين: «إن مصر الإسلامية لم تعرف رغم ما توالى عليها من عصور الاضطراب والفتنة من الخطوب والمحن- نكبة أعظم من الفتح العثماني، ولم تعرف حكمًا أقسى وأمر من حكم الدولة العثمانية «عنان مصر الإسلامية، ص ١٤٩». و«لبث سليم الأول في القاهرة ثمانية أشهر يذيق وجنده المصريين أشنع ألوان السفك والظلم والمصادرة» (نفس المصدر، ص١٦١).
يرد شيخ الإسلام على محمد عبد الله عنان ردودا مختلفة، منها:
- أن محمد عبد الله عنان: «في قلبه مرض التفريق بين المسلمين العرب واليهود، وعلى بصره غشاوة من معاداة آل عثمان، فلم يكن مقصود سليم من الفتح إلا توحيد مصر الإسلامية بتركيا الإسلامية» (موقف العقل، ص ٨٥).
- أن عبد الرحمن عزام بك وهو مصري وأمين الجامعة العربية «سابقًا» قال عن العثمانيين في مقال بعنوان آخر الخلفاء في الأهرام بتاريخ 22/1/1944م:
«لما وصل العثمانيون إلى شرق أوروبا، وكلها سجون أبدية يتوالد فيها الفلاحون للعبودية، فكسروا (أي العثمانيون) أغلال السجون، وأقاموا مكانها صرح الحرية الفردية، فهم (أي العثمانيون) هم الذين قضوا على نظام الإقطاع والأرستقراطية، ليحل محله نظام المواطن الحر والرغبة المتساوية الحقوق، فوصل في دولتهم الرق الشركسي والصقلبي وغيره إلى أكبر مقام في الدولة، كما وصل النابه من عامة الناس حتى المجهول الأصل إلى مقام الصدارة العظمى والقيادة العليا، وتعلمت أوروبا الشرقية على يد محرريها سيادة القانون على الأحساب، والأنساب، والطوائف، والملل، والنحل؛ فترتب على ذلك تطور هائل في اتجاه الحرية والديمقراطية الغربية الحديثة وكانت القرون الأولى لسيطرة آل عثمان عصورًا ذهبية، شمل فيها الناس الأمن، والرخاء، والسلام الروحي، ولم يكن فوز آل عثمان -كما يظن بعض الناس- مستمداً من سيف وشجاعة، بل مما هو أعظم من السيف والشجاعة، احترام الحق، والوفاء بالعهد، والخضوع لسلطان القانون والشرع، ولو كان الأمر كما يتصوره الذين ينخدعون بآثار دور الانحطاط من استخدام الطوائف والغيرة بين العناصر والبطش لتغطية الضعف- لاستحال أن يدوم ملك آل عثمان ستمائة سنة، منها مئتان لا يسندهم فيها إلا سيف مبتور، لقد رويت لي (أي لعبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية سابقًا) في رحلاتي بالبلقان وملدافيا أمثلة باقية في لغة العامة من عدل آل عثمان بين بيوت الملك الذي طال أمره، وتنوعت رعاياه وقد ثقلت كفته بالخير، والرحمة، والمروءة، والشرف».
- أن الأمير شكيب أرسلان امتدح العثمانيين في ديوانه بقوله:
أحبكم حب من يسعى لطيته *** في طاعة العقل لا في طاعة الغضب
أحبكم حب من يدري مواقفكم *** في خدمة الدين والإسلام من حقب
ومنذ تقلدتم أمر الخلافة **** قد آويتم بينها كل مغترب.
- أن سليم الأول قد حارب مماليك مصر؛ لأنهم انحازوا إلى إيران الصفوية الشيعية، العدو الأول لسليم الأول، والتي كان هدفها إسقاط حكم آل عثمان وتعميم الفكر الشيعي بالقوة في الدولة العثمانية، وسليم الأول قد عرف بانحياز مماليك مصر إلى الشاه إسماعيل الصفوي ضده، وأن الباحث يجد في بعض معاهدات الدولة العثمانية مع الإيرانيين نصوصًا تفرض عليهم أن يكفوا عن شتم سيدنا أبي بكر، وعمر، وسيدتنا عائشة (موقف العقل، ج ١، ص ٨5-٨6).
- أن دجوفارا وهو وزير روماني خضعت بلاده للسيادة العثمانية ومؤلف كتاب «مائة مشروع لتقسيم تركيا»، وكان ألفه عقب الحرب العالمية الأولى، يقول:
«إن احترام المعاهدات والعمل بموجب الكلمة المعطاة من مزايا العثمانيين يدور عليها التاريخ كله»، و«كانت السلطنة العثمانية سلطنة عسكرية محضًا، مستندة على شرع سماوي»، و«العداوة الحقيقية كانت عداوة النصارى للمسلمين برغم تسامح المسلمين في الحرية الدينية التي يتمتع بها المسيحيون في السلطنة العثمانية».
- قول ريتشارد لوج صاحب كتاب تاريخ أوروبا الحديث وتعريب محمد عبد الله عنان (الجزء الأول، ص ٤٧): إن سر نجاح الترك يرجع إلى استبسالهم في تضحية نفوسهم، وهي عاطفة الجهاد، غرسها الإسلام في قلوبهم، وكذا يرجع بالأخص إلى حسن إدارتهم المدنية والحربية» (موقف، ص٩٠).
يقول شيخ الإسلام مصطفى صبري في حاشية صفحة (١٠١) من موقف العقل ما نصه: «وإني أقرأ على المسلمين المنهومين في أكل لحوم الدولة العثمانية الزائلة كالأستاذ عبد الله عنان وغيره، قول الحطيئة (الذي كان الأستاذ على عبد الرزاق بك «باشا» قرأه في غير محله على المسلمين الذين لا يعجبهم أفعال مصطفى كمال في تركيا الجديدة، وذلك في مقالة له منشورة في الزمان الماضي):
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ***من اللوم أو سدوا الفراغ الذي سدوا.
يختتم شيخ الإسلام في الدولة العثمانية سابقًا الشيخ مصطفى صبري، والذي هاجر إلى مصر فصدمه فيها ميل العالم العربي إلى التغريب والبعد عن الأصالة، يختتم موقفه من المؤرخ العربي محمد عبد الله عنان بقوله:
«أنا لا أقول إن آل عثمان حتى الأعاظم المشهورين منهم في تاريخ العالم براء من كل ما ينتقدونهم به، وإنما أرد على من أنكر اعتزاز الإسلام بهم» (موقف العقل، صفحة ٩٠).
ضحك على الذقون أم سخرية بالأديان؟!
طيرت رويتر خبراً من موسكو أن الزعماء الأفغانيين الجدد قاموا بالتوفيق بين الإسلام والماركسية في تصميم شعار الدولة بالجمع بين الرموز الإسلامية والنجمة الحمراء، كما وصفت تأس شعار الدولة الأفغانية أنه سيكون خلفية خضراء، يصور عليها منبرًا ومحرابًا، كما سيصور نجمة خماسية حمراء بين سنبلتي قمح.
وما يشد انتباهي ليس مجرد -نقل أخبار أفغانستان من مصادر- موسكو فأمر مفروغ منه ومعروف أن كل دولة تسيطر عليها الشيوعية تمسى مستعمرة روسية -بفخر ثوري عنيف، سواء كانت متاخمة لحدود المستعمرات الروسية في آسية الوسطى، وتحت احتلال الجيش الروسي- کافغانستان، أو بعيدة عن حدودها، بل على حدود خصومها الإمبرياليين مثل كوبا.
كما لم أعبأ بما كتبته وكالة تاس الروسية، تصف فيه الشعار الأفغاني قبل أن يكون، فمعلوم أن الفكرة والفهم، وما ينبغي أن يعلم، وما ينبغي أن يقال أو لا يقال، وما ينبغي أن يؤكل أو يشرب أو يلبس في أي منطقة من مناطق النفوذ الروسي- يقنن له في موسكو، ومن يخالف اتهم بالرجعية، أو التحريفية، أو التطلعات البرجوازية، أو الترتسكية، أو الماوية، أو أنه أسوأ من تيتو، أو الشوفيتية، أو الدوغمائية، وما شئت من أوصاف وشتائم إيدلوجية.
ولكن ما شد انتباهي، وما ينبغي أن ينتبه له كافة المهتمين بشؤون هذه الأمة هو هذا الانعطاف في محور الإستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط، ومحاولتهم التعامل مع المد الإسلامي المتنامي بين شعوبه فتوفيق بين الماركسية والإسلام في شعار الدولة هناك، والإطاحة بزعيم راديكالي متطرف، واستبداله بآخر ذي وجه قومي «شوفيتي» هنا، والكلام عن الإسلام الديمقراطي التقدمي الاشتراكي في مكان آخر- كل ذلك يؤشر إلى أن ثمة إستراتيجية للضحك على ذقون المسلمين ومؤامرة للسخرية بالأديان.
محمود المرداوي.