; تراجم إسلامية في الفكر والحركة في تركيا المعاصرة (العدد 478) | مجلة المجتمع

العنوان تراجم إسلامية في الفكر والحركة في تركيا المعاصرة (العدد 478)

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1980

مشاهدات 109

نشر في العدد 478

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 29-أبريل-1980

شيخ الإسلام مصطفى صبري عالم الدين الذي قال لا: للعلمانية وللتغريب

ظهر هذا العالم الجليل في أواخر عهد الدولة العثمانية والدولة مقبلة على الانهيار ودعاة التغريب في أوج قوتهم. ‏درس في مسقط رأسه توقاد الدراسة الابتدائية ثم أخذ في حفظ القرآن الكريم، ومن ثم رحل إلى بلدة قيصرية وكانت‎ ‏مركزًا للعلوم الدينية وتلقى دراسة العلوم العقلية والنقلية عن مدرسه الشيخ خوجة أمين أفندي، بعد ذلك انتقل إلى‎ ‏إستانبول حاضرة الخلافة الإسلامية.

‏وفي إستانبول شد الشيخ مصطفى صبري انتباه مشايخه بحدة ذكائه وبقوة حافظته وعمق تحصيله. وعندما بلغ‎ الثانية عشرة من عمره أصبح مدرسًا بجامع السلطان محمد الفاتح وهو منصب مرموق يحتاج إلى جد واجتهاد وتحصيل طويل. ثم أصبح أمينًا لمكتبة السلطان عبد الحميد الثاني، وقد لفت انتباه السلطان عبد الحميد إليه بسعة‎ ‏اطلاعه وبتميزه وهو في سن شابة بين رجال العلم الدينيين في إستانبول عاصمة الخلافة ومقرها.

رحلة كفاح

وفي عام 1908، مثل منطقته توقار في مجلس المبعوثان العثماني للجهر بآرائه في هذا المجلس النيابي وكان في هذه الفترة رئيسًا لتحرير مجلة «بيان الحق» وهي مجلة إسلامية تصدرها «الجمعية العلمية» ثم أصبح عضوًا في دار الحكمة الإسلامية.

ودار الحكمة الإسلامية مؤسسة علمية إسلامية تأسست عام ‎1918 بأمر من السلطان محمد رشاد: «بغية إيجاد حلول للمسائل الدينية التي تظهر في الدولة العثمانية أو أي مكان في العالم، كما تهدف إلى التصدي بالإجابة على الهجوم الذي يتعرض له الإسلام، إجابة تنبع من أحكام الإسلام»‏.

ثم عمل الشيخ مصطفى صبري أيضًا بالسياسة، ولم يكن للسياسة عنده إلا معنى واحد وهو جعل الشريعة الإسلامية أساسًا لإدارة الدولة.

وعندما أتت حكومة حزب الحرية والائتلاف إلى الحكم عام 1919، وتشكلت الحكومة برياسة الداماد فريد باشا أصبح الشيخ مصطفى صبري أفندي شيخًا للإسلام «يلاحظ القارئ أن لقب أفندي لدى الأتراك يطلق على العلميين الدينيين».

وعندما سافر رئيس الوزارة إلى مؤتمر باريس تولى الشيخ النيابة عنه رئيسًا لمجلس الوزراء العثماني.

وفي العهد الثاني لهذه الوزارة «عام 1920»‏ جاء الشيخ مصطفى صبري شيخًا للإسلام لكنه اختلف مع الوزراء في الرأي فترك مشيخة الإسلام. ثم سعى إلى تكوين حزب جديد هو حزب الحرية والائتلاف المعتدل.

إن استقالته هذه كانت بدء مرحلة كفاح أوسع من حياته المليئة بالكفاح. فقد كان الشيخ مصطفى صبري كما يقول صادق آل بايراق: «كان ينادي بالشريعة ويريد إحلال كلام الله محل الحكم في المجتمع» وكان يدافع عن هذا طوال حياته في بلاده وفي مهجره. كان يناضل بمفهومه ضد كل مختلف التيارات الفكرية.

التحدي والتصدي

ولم يكن بجوار الشيخ مصطفى صبري كادر من الإسلامي كاف ليتحمل الدفاع عن المفهوم الإسلامي في الحكم وينادي به ويعممه مع الشيخ.

تصدى الشيخ مصطفى صبري لكل هؤلاء المفكرين والمسؤولين الذين أنجبتهم حركة التنظيمات العثمانية ومن ثم حركة حزب الاتحاد والترقي التي كانت ترى في الإسلام عقبة كؤودًا ضد التطور وضد حركة التغريب الشاملة للدولة العثمانية. لذلك عاداه أنصار التغريب وهم كثرة في موقع السلطة. كان السبب في هذا العداء السافر الذي أظهره المتغربون ضد الشيخ، «أن الشيخ مصطفى صبري أفندي كان يجاهر بآرائه داعيًا لفكره عمليًا، ينادي به في كل فرصة وفي كل وقت، أما الآخرون من الإسلاميين فلم يكونوا قادرين- على التصدي والجهر بالدعوة بكل هذا الوضوح الذي فعله الشيخ- لفكرتهم الإسلامية»، ولأن «الفكر الذي طرحه شيخ الإسلام مصطفى صبري والنضال السياسي الذي قام به لم يكن قد شوهد بين المسلمين لسنوات طوال سبقته».

تصدی شیخ الإسلام مصطفى صبري لدعاة الوقيعة بين العرب وبين الأتراك، وتصدى للدفاع عن مفهوم الإسلام في الحكم، وفي الحياة، كما وقف وقفة رجل ووقفة عالم لمن أرادوا تشويه التاريخ الإسلامي، وتصدى أيضا لحملة واسعة شنها دعاة الفكر الغربي عندما نادوا بخروج المرأة وسفورها. ولم يسلم من حملاته هؤلاء الذين تسموا باسم «المسلمون الجدد» وأجاب في كتابه «المجددون الدينيون» على كل آرائهم.

كان يؤيد كل حركة «ما لم تمس بالإسلام الصحيح» وكان يتحول إلى مهاجم صعب إذا ما تصرف أحد من معاصريه ضد هذا الذي يؤمن به يقول الشيخ:

«مع رغبتي المخلصة في أن يصعد المسلمون إلى وجه عالم سعيد ومع ذلك فإني ألعن الذين يضغطون على ديننا صاعدين إلى عالم عال يمكننا الوصول إليه. عندما نصعد إلى هذا العالم يجب علينا وفي نفس الوقت أن نمسك الإسلام في أيدينا نلصقه بها ونضعه على رؤوسنا».

الرحيل والدعوة في اليونان

وفي عام 1922 أجبر الشيخ مصطفى صبري على مغادرة بلاده فهاجر إلى اليونان حيث جمع المسلمين الأتراك في منطقة تراقيا الغربية ووحدهم، وأصدر هناك جريدة تركية بالحروف العربية سماها «يارين» أي الغد تفاؤلاً بغد إسلامي مشرق. وأخذ الشيخ من خلال هذه الجريدة في نقد حركة التغريب في العالم الإسلامي، ونقد المجتمع التركي ونقد النظام الكمالي في تركيا الذي عرف باسم الحركة الكمالية نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك. وأخذ يحلل المصائب التي حلت بالعالم الإسلامي وعلى رأسه الدولة العثمانية من جراء اتباع حركة التغريب.

إن في جريدة «يارين» مادة خصبة لدراسة وجهة النظر المعارضة للكمالية من مقالات وتحليلات ودراسات وفكر وأدب.

ثم سافر الشيخ إلى مصر ثم الحجاز ثم مصر مرة أخرى حيث استقر في القاهرة وفي العاصمة المصرية أخذ الشيخ ينادي بأفكاره بالعودة إلى العمل بالشريعة الإسلامية ويفصل القول في مضار العلمانية، لذلك لم يترك له دعاة الفكر الغربي في مصر وقتًا للراحة. وعندما كان العلمانيون في مصر يصفقون لأتاتورك ولانقلاباته في تركيا قال الشيخ مصطفى صبري:

«إن الفصل بين الحكومة وبين الخلافة، يجرد الحكومة من كونها حكومة إسلامية. وهذا معناه أيضا أن الحكومة التركية قد خرجت على دينها. أن الاتحاديين ومن أعقبهم قد عملوا كثيرًا على نشر الإلحاد بين الأتراك. وقد كان هذا الطريق، هو أقصر الطرق إلى الوصول إلى غاياتهم».

كان الشيخ مصطفى صبري في نظر الكماليين مجرماً أوردوه ضمن قائمة الـ ١٥٠ شخصًا الغير مرغوب فيهم، لكنه في نظر الإسلاميين الأتراك بطلًا، ورغم أن قرارًا بالعفو عن قائمة الـ ١٥٠ شخصًا قد صدر من بعد، إلا أن الشيخ لم يحب العودة وبقي في مصر إلى أن توفى في القاهرة عام ١٩٥٤. توفى شيخ الإسلام مصطفى صبري أفندي بعد حياة حافلة بالدفاع عن الفكرة الإسلامية في الحكم والحياة، ولم يعرف المؤرخون عنه أنه خشى إنسانًا، وقد قال كل آرائه رغم كل الظروف الصعبة التي مر بها هو وأسرته في وطنه أو في مهجره. مات بعد أن قال لا لكل المسئولين والكتاب والرأي العام الذي كان مخالفًا له وقتها.

فكر إيجابي

يمكن إيجاز فكر شيخ الإسلام مصطفى صبري أفندي في ثلاث نقاط:

«1» استنهاض الأمة الإسلامية لإزالة كل مظاهر العلمانية والتغريب الحضاري والخلقي.

«2» التمسك بطريق أهل السنة والجماعة.

«3» إعادة الخلافة الإسلامية.

أما أعماله فعشرة مؤلفات باللغتين العربية والتركية أشهرها: «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين» باللغة العربية وصدر في القاهرة في أربعة أجزاء عام ١٩٥٠ نشرتها دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه- القاهرة.

و«المجددون في الإسلام» باللغة التركية. وصدرت منه طبعة بالحروف اللاتينية. أخيرًا بعنوان «ديني مجددلر» عن دار سبيل للنشر بإستانبول.

الرابط المختصر :