العنوان مع القرآن خلف القضبان (1 من 6).. إشراقات قرآنية.. بين الحركة الإسلامية والسجين يوسف الصديق!
الكاتب الشيخ رائد صلاح
تاريخ النشر السبت 04-مارس-2006
مشاهدات 59
نشر في العدد 1691
نشر في الصفحة 44
السبت 04-مارس-2006
خواطر وأفكار خلف القضبان في ملف رهائن الأقصى (20)
عندما حكم القاضي بتمديد اعتقالنا خمسة أيام ساد الهرج والمرج قاعة المحكمة وارتفعت الأصوات وأخذ البعض يصيح بغضب: هل هذه محكمة أم سوق يهودا؟
كنت أرتل ما تيسر من القرآن الكريم، وكان يجلس عند الباب سجان يهودي، يتمايل برأسه ببطء، تفاعلًا مع الترتيل!
شعرت بالمرارة من حكم قاضي المحكمة المركزية إلا أنني شعرت بالعزة ونشوة النصر لأننا قد ربحنا هذه الجولة
عشت مع القرآن الكريم خلف القضبان مجتهدًا أن أقرأ كل آية فيه بتدبر، ولذلك كنت أقرأ الآية الواحدة مرة بعد مرة، وأنا أتفكر في كل اسم وفعل وحرف فيها، وطوال الوقت كنت أجتهد أن أقف على بعض حكم الترتيب في كل آية.. لقد وجدت في ذلك فرحًا وسرورًا ملأ علىَّ قلبي وشرح صدري وبارك وقتي.
نفس الوقت عشت مع القرآن الكريم تلاوة، حيث كنت أجتهد أن أتلو منه كل يوم ما تيسر، ولا حرج أن اعترف أن صوتي ليس بالصوت الندي، ولكنني عندما كنت أتلو ما تيسر من كتاب الله تعالى، كنت أشعر وكأنني أوتيت فجأة نبرة صوت ندية ورخيمة، وللحقيقة كانت هذه النبرة الندية تطربني وتطرب السجان الذي كان يمر على باب غرفتي في المعتقل!
ومازلت أذكر يوم كنت أرتل ذات صباح ما تيسر من القرآن الكريم، وأنا في معتقل «شخونوت» حيث كان يجلس عند باب غرفتي سجان يهودي، فما كان منه إلا أن أخذ يتمايل برأسه ببطء، تفاعلًا مع الترتيل! وكذلك عشت القرآن الكريم حفظًا حيث اجتهدت أن أثبت ما كنت أحفظه قبل ذلك، ثم اجتهدت أن أحفظ ما تيسر أكثر مما كنت عليه، وقد وفقني الله تعالى وحفظت بعض السور الطوال وقد ثبتها مرارًا في قلبي حتى لا أنساها.
ملاذي الأول:
هكذا كان القرآن ملاذي منذ أول لحظة اعتقلت فيها، وقد ملأ علىَّ ساعات من نهاري وليلي، وأنقذني من الوقوع تحت ضغط مرور الوقت متثاقلًا.
وهذا ما يبتلي به كثير من السجناء حيث يمر عليهم الوقت وكأنه لا يتحرك، ولذلك تتحول الساعة في حسهم إلى يوم، ويتحول اليوم إلى شهر ويتحول الشهر إلى سنة.
أما أنا فما شعرت بذلك إطلاقًا بل اجتهدت أن أبرمج وقتي على ضوء علاقتي مع القرآن الكريم ما بين تدبر وترتيل وحفظ، ثم فيما بعد أجتهد أن أكتب ما وجدت من المناسب أن أكتبه - خلال النظر الطويل في معاني بعض السور القرآنية وخاصة سورة يوسف التي تتحدث عن قصة حياة سجين مظلوم، هو سيدنا يوسف الصديق عليه السلام كيف دخل السجن مظلومًا، وكيف عاش فيه صابرًا وكيف خرج منه منتصرًا، ولقد وفقني الله تعالى وكتبت مقالة طويلة دونت فيها الملاحظات الكثيرة التي اعتبرتها إشراقات قرآنية خلال تدبري المتكرر للسورة، وقد سميت تلك المقالة باسم «بين الحركة الإسلامية والسجين يوسف الصديق عليه السلام»، ومن ضمن الإشراقات القرآنية التي وجدتها في سورة يوسف ووجدت فيها توافقًا بين منهج الظلم القبيح الذي زج بيوسف الصديق عليه السلام في السجن ، وبين منهج الظلم القبيح الذي زج بنا في السجن، أقتطع بعض هذه الملاحظات من ضمن تلك المقالة في يوم ٢٢ يوليو ۲۰۰۳، وكان يوم أحد عشت إجراءات المحكمة المركزية التي انتهت بإصدار حكم قاضي هذا المحكمة والتي ذكرتني بالظلم الذي وقع على يوسف الصديق كيف؟
قبل هذا اليوم كان محامونا قد توجهوا إلى هذا القاضي أربع مرات استأنفوا خلالها قرار محكمة الصلح، وطالبوا بإلغائه أو تقصير مدته على الأقل، وكان قاضي هذه المحكمة يستمع إليهم ساعات طويلة.
ثم يقول بعد ذلك جملة واحدة قرار محكمة الصلح صواب لا طعن فيه، ولكن الذي أستأنف قرار محكمة الصلح في هذه المرة الشرطة وليس محامونا، وقد استأنفت الشرطة تطالب بيوم إضافي لتمديد اعتقالنا بمعنى أنها تطالب بتمديد اعتقالنا لخمسة أيام لا لأربعة أيام، وعندما دخل قاضي محكمة الاستئناف إلى قاعة المحكمة كي يستمع إلى الشرطة وإلى محامينا إذا به يسأل على غير العادة هل الطرفان مستعدان لاتفاق على حل مشترك قبل الخوض بكل التفاصيل؟
قرون الظلم:
وهنا سأله أحد محامينا متعجبًا: سبحان الله! لماذا لم تسأل هذا السؤال إلا الآن؟! لقد استأنفنا قبل ذلك أربع مرات ولم تسأل هذا السؤال لماذا الآن فقط عندما استأنفت الشرطة؟! ثم أكمل المحامي وقال: لا، نحن لسنا على استعداد لأي اتفاق وبدأت إجراءات المحكمة فتحدث ممثل الشرطة ثم تحدث كل محامينا ثم ماذا حدث؟! وإذا بالقاضي وللمرة الثانية على غير العادة يطلب من محامينا وممثل الشرطة الدخول إلى مكتبه عله يقنعهم بحكم مشترك متفق عليه إلا أنه فشل، ثم خرج من غرفته ليعلن الحكم وهنا وقعت مهزلة، ففي بداية الحديث قال: أصادق على تمديد الاعتقال لمدة أربعة أيام وتحديدًا حتى الساعة الثامنة ليلًا من مساء اليوم الرابع على أن يبقى المتهمون معتقلين بعد نهاية هذه المدة وهنا اعترض محامونا بشدة وقالوا: هذا ليس من صلاحياتك!
فنظر القاضي إلى سكرتيرته وقال لها: اكتبي من جديد أصادق على تمديد الاعتقال حتى الساعة الثامنة ليلًا من يوم الاعتقال الرابع ثم أمدد اعتقال المتهمين تلقائيًا ثلاثة أيام إضافية وهنا اعترض محامونا بشدة وقالوا: هذا ليس من صلاحياتك! فنظر القاضي إلى سكرتيرته، وقال لها: اكتبي من جديد: إذن أوافق على طلب الشرطة، وأمدد الاعتقال حتى خمسة أيام وهنا ساد الهرج والمرج قاعة المحكمة وارتفعت الأصوات وأخذ البعض يصيح بغضب: هل هذه محكمة أم سوق يهودا؟ وكاد عراك بالأيدي يقع بين الجمهور ورجال الأمن في قاعة المحكمة ولذلك فقد أسرعت طواقم رجال الأمن واقتادونا إلى قسم آخر من مبنى المحكمة، وأثناء ذلك سمعت أحد أفراد الشرطة وبشكل واضح پشتم قرار الحكم معبرًا عن استيائه الشديد!
وهكذا ارتفعت قرون الظلم التي كانت في عهد يوسف الصديق من جديد بلا أدنى خجل أو وجل، وهذا ما يجعلني أقول بصراحة إن على الحركة الإسلامية أن تتوقع كل شيء، فقديمًا دخل يوسف الصديق السجن لأنه رفض الوقوع في خطيئة الزنى، واليوم يزج بنا في السجن لأننا نرفض الوقوع في خطيئة عدم النظر إلى اليتيم وهو يموت جوعًا ، ومع شعوري بالمرارة من حكم قاضي المحكمة المركزية إلا أنني شعرت بالعزة ونشوة النصر، نعم شعرت أننا قد ربحنا هذه الجولة بالضربة القاضية، لأن محامينا نجحوا ببساطة أن يميطوا اللثام ويكشفوا الوجه الحقيقي للمؤسسة الإسرائيلية!
لقد سقط لثام ادعاء حقوق الإنسان على مذبح شهوات رجال المخابرات، لقد سقط قناع ادعاء سيادة القانون وحرية الفرد والحكم الديمقراطي! لذلك لفت انتباهي قول أحد محامينا الذين استدعاهم القاضي إلى غرفته: لقد أكل القاضي سبع قطع من البسكويت وهو يحاول إقناعنا! ألا شاه الظلم ووجوه الظالمين!
يتبع..…
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل